بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

أمريكا والإخوان بين شد وجذب

أثار اللقاء بين سعد الكتاتني رئيس كتلة الأخوان المسلمين في مجلس الشعب وستيني هوير زعيم الأغلبية الديمقراطية في الكونجرس الأمريكي، خلال حفل استقبال عقد في السفارة الأمريكية بالقاهرة قبل نحو أسبوعين، الكثير من التساؤلات حول علاقة الإخوان بأمريكا وإمكانية عقد حوار بين الطرفين. فعقب اللقاء صدرت تصريحات لنائب السفير الأمريكي تفيد بأن اللقاء المذكور هو بمثابة بدء للحوار بين الطرفين، وهو ما نفته مصادر أمريكية رسمية بعد ذلك. وفي نفس الوقت، قوبل اللقاء بهجوم عنيف من قبل بعض أحزاب المعارضة واعتبره البعض دليلا على الطبيعة المراوغة وغير المبدئية للإخوان. وكان أن رد الإخوان بأن الكتاتني لم يلتق زعيم الأغلبية الديمقراطية بصفته ممثلاً عن الإخوان، وإنما بصفته عضواً في البرلمان، وهو رد يبدو غير منطقي إلى حد كبير، ومن ثم فلم يقنع الكثيرين. وتبع ذلك تردد أنباء حول دعوة الديمقراطيين للمرشد العام للإخوان محمد مهدي عاكف وعدد من قياديي الجماعة للتحدث أمام الكونجرس، وهي الأنباء التي نفاها قياديو الإخوان باعتبارها محض أكاذيب.

ويمكن القول إن مسألة علاقة الإخوان بالأمريكيين برزت إلى السطح في الكثير من المناسبات خلال السنوات الخمس الأخيرة، وتحديداً منذ اتساع النشاط الجماهيري للإخوان وبروزهم باعتبارهم القوة الوحيدة التي تحظى بوجود في الشارع ومن ثم تمثل المنافس الحقيقي الوحيد لنظام مبارك.

ففي عام 2003 ترددت أنباء عن حدوث لقاء بين دبلوماسيين أمريكيين وقادة من الإخوان. آنذاك أكد متحدث باسم السفارة الأمريكية حدوث حوار بين الطرفين من وقت لآخر. ومع إعلان الإخوان لمبادرتهم للإصلاح السياسي في عام 2004 ثم صعود حركة التغيير الديمقراطي في نهاية ذلك العام وعام 2005، أشار متحدث باسم الخارجية الأمريكية إلى إمكانية عقد حوار مع الإخوان. وترددت أنباء حول وقوع لقاءات بالفعل بين مسئولين أمريكيين وقياديين إخوان في تلك الفترة. وفي كل الأحوال، فإن العلاقة بين الإخوان والأمريكيين يمكن تقييمها في ضوء عدد من الاعتبارات تتعلق بالرؤية الأمريكية للحركات الإسلامية عامة، ومنها الإخوان، وبتصورات الأخوان، بصفتهم يمثلون حركة إصلاحية تهدف إلى الوصول إلى الحكم، حول العلاقة بأمريكا.

تذبذبات الموقف الأمريكي

وإذا ما نظرنا إلى رؤية الإدارة الأمريكية للحركات الإسلامية، نجد أنها مرت بعدد من التقلبات منذ بداية القرن الحالي. فقبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر كان الاتجاه الغالب داخل الإدارة الأمريكية هو الإبقاء على نوع من الاتصال مع الحركات الإسلامية المعتدلة. لذلك فقد شهدت هذه الفترة عقد عدد من اللقاءات داخل وخارج مصر بين قياديين إخوان ومسئولين أمريكيين. واهتم الأمريكيون خلال هذه اللقاءات باستيضاح مواقف الإخوان حول عدد من القضايا الخارجية والداخلية، وتحديداً كما أشار بعض المراقبين، العلاقة مع القوى الأخرى، والموقف من الأقباط، والحريات السياسية، واتفاق السلام مع إسرائيل.

غير أن رؤية الأمريكيين للحركات الإسلامية تغيرت بشكل جذري بعد أحداث سبتمبر، حيث أصبح التصور الغالب هو وضح الحركات الإسلامية، المعتدلة منها والراديكالية في سلة واحدة. ومن ثم فقد قامت الإدارة الأمريكية بتجميد أصول بنك التقوى ومركزه إيطاليا، والذي يديره يوسف ندا أحد الأعضاء البارزين في الإخوان. وإزاء الغزو الأمريكي لأفغانستان نظم الإخوان مظاهرات حاشدة ضد أمريكا، تلاها حملة اعتقالات لعدد من أساتذة الجامعة المنتمين للإخوان وتم تحويلهم إلى محاكمة عسكرية اعتبر الإخوان أنها تمت برضاء أمريكي.

وعقب الغزو الأمريكي للعراق، وفي ظل المقاومة المتصاعدة التي لقيتها القوات الأمريكية هناك، برز اتجاه مؤثر داخل الإدارة الأمريكية يدفع في اتجاه الإصلاح السياسي في العالم العربي، باعتبار أن النظم المستبدة والفاسدة في تلك المنطقة هي التي تقوم بتفريخ الإرهابيين. وكان على رأس هذه النظم مصر التي حظيت في تلك الفترة بالكثير من انتقادات المسئولين الأمريكيين. وكان طبيعياً أن تسعى الإدارة الأمريكية للحوار مع قوى المعارضة، ومنها الإخوان، التي تمثل تحدياً جدياً للنظام. لذلك ترددت أنباء حول حدوث لقاءات بين الطرفين نفاها الإخوان.

غير أن هذا التوجه لم يدم طويلاً، حيث أنه سرعان ما تبين أن البديل الإسلامي هو المنافس الحقيقي الوحيد للنظم الراهنة. وكانت الانتخابات في الأراضي الفلسطينية في يناير 2006، والتي أسفرت عن انتصار كاسح لحركة حماس التي تعتبرها الولايات المتحدة حركة إرهابية، محطة مهمة على صعيد تحول السياسة الأمريكية مرة أخرى إلى الميل للحفاظ على الاستقرار، حتى لو كان على حساب الديمقراطية. لذلك فمنذ تلك الفترة تغاضت الإدارة الأمريكية عن الممارسات القمعية للنظم الاستبدادية في المنطقة، ومنها النظام المصري. ومن ثم لم تلق الحملات المتوالية ضد الإخوان معارضة تذكر من الإدارة الأمريكية. والأكثر من ذلك أن معارضاً ليبرالياً مثل أيمن نور، والذي كان يمثل في فترة ما تهديداً لمبارك، تم التنكيل به دون اعتراض جدي من جانب الأمريكيين. وجاء تصاعد المأزق الأمريكي في العراق، والوضع في فلسطين، والصراع مع إيران، ليصب في نفس الاتجاه القائم على التسامح إزاء قمع نظم الحكم في المنطقة، ما دامت تدعم السياسة الأمريكية.

إصلاحية الإخوان

هذا عن الاعتبارات الخاصة بالسياسة الأمريكية تجاه المعارضة الإسلامية. أما بالنظر إلى لطبيعة حركة الإخوان وموقفها من القضايا الداخلية والخارجية، فيمكن فهم موقفهم من الأمريكيين في ضوء عدد من العوامل.

أول هذه العوامل هي طبيعة حركة الإخوان كحركة إصلاحية تهدف إلى الوصول إلى السلطة عن طريق البرلمان. وفي حقيقة الأمر، فقد برزت في السنوات الأخيرة ربما بدرجة أكبر من أي فترة مضت، الهوة بين الإخوان وجماعات الإسلام الراديكالي. فقد سعت الجماعة إلى التأكيد على تغير توجهاتها بشأن العديد من القضايا، وذلك من خلال التأكيد على فكرة الدولة المدنية واحترام الحريات الديمقراطية وحقوق الإقباط. وبرغم التصريحات المتضاربة لقيادات الإخوان بين الحين والآخر، ورغم الممارسات التي ناقضت ذلك في بعض المناسبات، فإن التوجه داخل الجماعة هو بشكل عام باتجاه الاعتدال، وهو ما ظهر من خلال حديث بعض قيادات الإخوان عن عملية إعادة التربية لتطوير أفكار الجماعة. وفي ظل هذا الوضع، تحدث البعض عن أن الإخوان في صورتهم الحالية هم أقرب إلى حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا.

وإذا كان الوضع هكذا، فمن الطبيعي ألا ترفض جماعة الإخوان الحوار مع أمريكا من حيث المبدأ لأن أية قوة إصلاحية تريد الوصول للحكم في هذا البلد لا يمكنها تجاهل الطرف الأمريكي. وتصبح المسألة أكثر أهمية في لحظات التوتر بين الأمريكيين والنظام المصري، حيث تبرز إلى السطح مسألة البدائل لهذا النظام.

وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى تصريحات قيادات الإخوان المتكررة، ومن بينها المرشد العام، بأن الجماعة تقبل من حيث المبدأ الحوار مع كافة الأطراف باستثناء إسرائيل. وفي هذا السياق نفسه تأتي تصريحات المرشد العام حول أن الموقف من اتفاقية السلام مع إسرائيل سيخضع للاستفتاء الشعبي. وهو موقف من جهة يهدف إلى طمأنة الغرب وأمريكا بشكل خاص بأن وصول الإخوان إلى الحكم لن يترتب عنه مباشرة حصول عداء بين مصر وإسرائيل، وفي نفس الوقت، يتجاوب مع الرفض الشعبي للعلاقة مع إسرائيل.

الحركات المقاومة

وتنبغي الإشارة إلى أن موقف الإخوان من الأمريكيين يختلف جذرياً عن موقف حزب الله اللبناني وحركة حماس في فلسطين. فالحركتان هما حركتا مقاومة تمارسان الكفاح المسلح ضد إسرائيل، ومن ثم يوجد عداء مباشر بينهما وبين الأمريكيين. لذلك فرغم التأييد الكامل الذي يبديه الإخوان لحزب الله وحماس، وخاصة الأخيرة التي يحرص الإخوان على التأكيد في كل مناسبة أنها خرجت من عباءة الجماعة، فإن هناك اختلافاً جذرياً بين الإخوان والحركتين بشأن طبيعة واحتمالات تطور العلاقة بأمريكا.

من ناحية أخرى، فإن العلاقة بين الإخوان والأمريكيين تشوبها عقبات تجعل الحوار بين الطرفين مسألة بها الكثير من المحاذير. فمن ناحية، يتخذ الإخوان موقفاً حاسماً مؤيداً للحركات التي تقاوم الإمبريالية في فلسطين ولبنان والعراق وأفغانستان. وتتخذ الجماعة أيضاً موقفاً من القضية الفلسطينية يقوم على ضرورة تحرير فلسطين كلها باعتبارها أرضاً عربية إسلامية لا يمكن المساومة عليها.

من ناحية أخرى، فإن العداء الشعبي الواسع للإمبريالية الأمريكية في مصر، والذي يتزايد العام بعد العام بسبب الوضع في العراق والتأييد الأمريكي غير المشروط لإسرائيل في اعتداءاتها المستمرة على الشعب الفلسطيني، واللبناني العام الماضي، يجعل الحوار مع أمريكا مسألة شائكة. ذلك أن مساعي هذه الحركة أو تلك إلى الحوار مع الأمريكيين، خاصة لو اتسمت هذه المساعي بالجدية والاستمرارية، تمثل تهديداً كبيراً للمصداقية والقبول الشعبي اللذين تحظى بهما. وهو الموقف الذي أكد عليه صراحة قيادات الإخوان في مناسبات مختلفة خلال السنوات القليلة الماضية كلما برزت إلى السطح مسألة العلاقة مع الأمريكيين. حيث أشار هؤلاء إلى أن الجماعة ليست على استعداد للمخاطرة بشعبيتها عبر إجراء حوار مع الدولة التي تحتل أرضاً عربية وتساند إسرائيل، رغم أنهم في نفس الوقت لا ينفون إمكانية الحوار شريطة أن يكون عبر وزارة الخارجية المصرية.

لذلك فأنه من الخطأ الحديث عن أن الإخوان هم في حقيقتهم حلفاء للإمبريالية الأمريكية، وأنهم مجرد قوة انتهازية تسعى لاستغلال كافة الوسائل من أجل تحقيق مصالحها، ومن ثم هم على استعداد لتقديم كافة التنازلات للأمريكيين كما يفعل نظام مبارك. ومن ناحية أخرى، فإن نفي إمكانية حدوث أي نوع من الحوار أو التفاهم بين الإخوان والأمريكيين هو خطأ آخر. ففي الحالتين، يبدو أن هناك عدم فهم للطبيعة المتناقضة لموقف الإخوان من الإمبريالية، والتي ترتبط بطبيعة الإخوان كحركة إصلاحية تسعى إلي التغيير، ولكن في إطار ما هو موجود بالفعل.