بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ماسبيرو: مذبحة لن تجهض الثورة

علاوة على فظاعة المشهد، جاء الأمر هذه المرة مختلفاً؛ فالمذبحة البشعة في ماسبيرو 9 أكتوبر، والتي تعد حلقة في سلسلة من الاعتداءات المتكررة على الأقباط، لم تتم بيد متطرفين إسلاميين بل بأيدي المجلس العسكري الذي نفذ عمليته تحت غطاء إعلامي كريه يُحرض ضد الأقباط بدعوى “اعتداءهم” و”قتلهم” لبعض من جنود الجيش.

ومن زاوية أخرى، بالرغم من أنه ليس من الصواب أن نعتبر اعتداءات ماسبيرو ضمن أحداث الفتنة الطائفية؛ فلم تكن اشتباكات بين مسلمين ومسيحيين بل اعتداءات من الشرطة العسكرية على متظاهرين، إلا أن المجلس العسكري وإعلامه يحاولان استدعاء مشاعر التعصب والكراهية تجاه الأقباط، ويسوقون في ذلك كافة الأكاذيب والادعاءات الملفقة التي رأيناها جميعاً تصل إلى حد اتهام المتظاهرين الأقباط بقتل عدد من الجنود، ومن ثم التحريض العلني ضدهم على شاشات التلفزيون.

وصحيح أيضاً أن مذبحة ماسبيرو، بكل ما يحيط بها من أقاويل وروايات، تستدعي للأذهان العديد من علامات الاستفهام الجديرة بالرصد والتحليل، إلا أن التساؤل الأهم والذي سنحاول تناوله هنا هو: هل يستطيع المجلس العسكري عرقلة تطور الثورة باستخدام سلاح الفتنة الطائفية؟ ولابد أن الإجابة على هذا التساؤل تستوجب النظر إلى الأزمة السياسية والاجتماعية للطبقة الحاكمة وقدرة الثورة على التصدي لمخطط الفتنة، إلخ.

السياق السياسي لـ”ماسبيرو”

بالرغم من أن الاعتداءات المتكررة على الكنائس، من هدم وحرق، كانت تتم طوال الأشهر الماضية منذ إسقاط مبارك على مرأى ومسمع من المجلس العسكري وحكومته ومحافظيه والأجهزة الأمنية، إلا أن تاكتيك المجلس قد شهد تحولاً ملحوظاً في تعامله مع غضب الأقباط حيال تلك الاعتداءات؛ من التفاوض معهم وإلقاء الوعود لاحتواء غضبهم، كما حدث بعد حرق كنيسة أطفيح في مارس الماضي، إلى القمع المباشر وقتل ودهس العشرات منهم يوم الأحد الدامي (9 أكتوبر) في ماسبيرو.

هكذا كان حال المجلس العسكري في التعاطي مع الكثير من القضايا الأخرى في الثورة. فمن التحية العسكرية التي ألقاها اللواء الفنجري نيابةً عن المجلس للشهداء بعد إسقاط مبارك، إلى التنكيل بأهالي هؤلاء الشهداء وأسرهم أثناء محاكمة الديكتاتور المخلوع وغير ذلك. ومن الوعود التي لا حصر لها بتنفيذ مطالب الثورة إلى المحاكمات العسكرية والتعذيب الذي طال الآلاف من النشطاء والمتظاهرين على أيدي الشرطة العسكرية والجيش، إلخ.

هذه التحولات لا يمكن فهمها بمعزل عن الأزمة السياسية والاجتماعية العميقة للطبقة الحاكمة وممثليها العسكريين والتي تضاعف الثورة حدتها. ولعله ليس خافياً على أحد أن المجلس العسكري يسعى لمد فترة بقائه على رأس السلطة بقدر الإمكان، كما بدا واضحاً أيضاً أنه ينتوي الحفاظ على سيطرته على مقاليد الأمور في حالة الانتقال إلى سلطة مدنية منتخبة. ومن زاوية أخرى، فإن الحركة العمالية التي لم تهدأ منذ إسقاط مبارك، والتي ترفع العديد من الشعارات والمطالب المتعلقة بالعدالة الاجتماعية، تضع المجلس العسكري –باعتباره ممثلاً عن الطبقة الحاكمة- في مأزق خطير في ظل انحيازه الكامل، هو وحكومته، لطبقة رجال الأعمال وسياساتهم.

في هذا السياق، يطلق المجلس العسكري كل هذا القدر من القمع، والذي تعددت صوره وأشكاله خلال الشهور السابقة، في محاولة لإيقاف تطور الثورة. لكن من الواضح أيضاً أن القمع لم يعد مجدياً بقدر ما كان يأمل الطغاة العسكريون. فعندما طبقوا قانون تجريم الإضرابات، زادت الإضرابات وانتعشت بشكل غير مسبوق. وعندما أعلنوا رفضهم التفاوض مع العمال قبل فض إعتصاماتهم، أجبرهم العمال على التفاوض والرضوخ لمطالبهم. ذلك علاوة على أن تطبيق الطوارئ أو إرسال المتظاهرين للمحاكمات العسكرية لم يثنِ الثوار عن التظاهر من أجل تحقيق مطالب الثورة، بل على العكس من ذلك؛ فقد أصبح المجلس العسكري وحكومته غارقين في طوفان من الغضب الاجتماعي والسياسي.

ولم تأتي اعتداءات ماسبيرو في سياق مختلف عن ذلك؛ فلقد اختار المجلس العسكري وصفة الفتنة الطائفية لزرع المزيد من التشتت والانقسام في صف الثورة، مستنداً في ذلك إلى إرث سيده مبارك الذي انتعش فيه التعصب تجاه الأقباط، وإلى فصائل الحركة الإسلامية التي تجهر بعدائها الشديد تجاه الأقباط. كل ذلك لتمرير قمع أكثر وحشية واتساعاً –بالأخص مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية- في مواجهة جماهير تزداد غضباً كلما أدركت، خلال ممارستها النضالية اليومية، أكذوبة حماية المجلس للثورة.

وصفة لن تجدي نفعاً

هذه الوصفة السحرية ليست جديدة، ولا يحوذ المجلس العسكري براءة اختراعها. ففي كل الثورات عندما يتصاعد الصراع إلى درجة تهديد النظام السياسي والاقتصادي، كما هو الحال لدينا في مصر اليوم، تظل فرص القمع، برغم كل وحشيته وبشاعته، عاجزة عن تكبيل الحركة وكبح جماح الثورة. بل على العكس، فالقمع يضاعف الغضب ويصقل حركة الجماهير بالمزيد من الإصرار والتحدي، بالأخص وأنهم قد أحرزوا انتصارات هامة أعطت لهم ثقة هائلة في وحدتهم وفي قدرتهم الجماعية على صنع التغيير بأيديهم. وهذا الصراع بين معسكري الثورة والثورة المضادة يظل مفتوحاً أمام كافة الاحتمالات إلى أن يحقق إحداهما انتصاراً حاسماً على الآخر.

لكن أحد أهم العوامل التي تدفع في احتمال انتصار الثورة هي وحدة صفوف الجماهير داخل معسكر الثورة ذاته. لذا فالطبقات الحاكمة، والتي تحاول عرقلة العملية الثورية، تسعى من أجل ذلك لحرف النضال الاجتماعي والسياسي عن مجراه وتوجيه الغضب الجماهيري نحو الأقليات. وهكذا تصير هذه الأقليات -سواء كانت دينية أو عرقية، إلخ- كبش فداء يتم التضحية به من أجل ضمان استقرار الأمور في أيدي الطبقة الحاكمة دون تغييرات في جوهر النظام.

وهذا بالضبط ما يراهن عليه المجلس العسكري حينما ارتكب المذبحة في ماسبيرو. فمن ناحية أولى، يسعى الجنرالات لشحذ تأييد قطاعات من الجماهير لما يتخذوه من إجراءات مثل تطبيق الطوارئ أو تحويل المدنيين للمحاكمات العسكرية، تحت دعاوى “الاستقرار” و”نبذ الفوضى”. ومن ناحية أخرى، من أجل تحويل غضب الجماهير من مساره ضد المجلس وسياساته إلى الأقباط.

نعود الآن للسؤال الأساسي: هل يستطيع الجنرالات وقف تطور الثورة باستخدام ورقة الفتنة؟. لعل رد الفعل الذي أعقب المذبحة يعطينا مؤشراً إيجابياً لإجابة هذا التساؤل؛ فالمسيرات التي انتشرت في العديد من المحافظات احتجاجاً على المذبحة، وإدراك الشباب الأقباط لضلوع المجلس العسكري فيها، وهو ما انعكس في هتافاتهم الغاضبة أثناء تشييع جثامين الشهداء، تلك الهتافات التي خلت من أي مضمون طائفي بل انصبت بشكل مباشر ضد حكم العسكر، جنباً إلى جنب حركة اجتماعية واسعة، تقودها الطبقة العاملة وينصهر فيها الفقراء أقباطاً ومسلمين يداً بيد ضد الظلم والاستغلال، كل ذلك يشير إلى أن مخططات المجلس لتحريض المضطهَدين ضد بعضهم لن تجدي نفعاً.

هذا لا يعني أن هذا السيناريو لا يشكل خطورة أو أنه غير قابل للتكرار في المستقبل، لكن المؤشرات السابقة تزيدنا يقيناً بأن وحدة هؤلاء المضطهَدين، بغض النظر عن الاختلاف في الجنس أو الدين، هي الطريق الوحيد للتحرر.