بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ساحة سياسية

حلقة جديدة في دعاية الثورة المضادة

مصر وغانا: حلم الوصول إلى كأس العالم

“كأس العالم حلم كل المصريين”. هذا الشعار المستهلك تصم آذاننا به كل وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية وتزداد حدته مع اقتراب موعد مباراة مصر وغانا المؤهِلة للمونديال.

كرة القدم اللعبة، الأكثر شعبية في مصر وفي العالم، هي أداة مثالية لتمرير أفكار الطبقة الحاكمة للجمهور؛ فمن منا لم يكن يسمع تحية كل لاعبي كرة القدم بعد أي انتصار تافه أو كبير يشكر سيادة الرئيس راعي الرياضة الأول في مصر؟! إن معلق كرة القدم لديه القدرة على بث أفكار ورؤى الطبقة الحاكمة خلال مباراة مصيرية تحظى باهتمام الجماهير بشكل أكبر وأوسع من مقدم برنامج حواري يستمر لشهور.

قد تكون ممارسة الرياضة شئ طبيعيا ومحبوبا منذ فجر البشرية، ولكن تسليعها واستغلالها سياسيا من الطبقة الحاكمة أيضاً قديم الأزل منذ مجتمعات العالم القديم إلى وقتنا الحاضر.

استغل النظام المباركي كرة القدم طوال فترة حكمه في إلهاء الشعب عن معظم القضايا الحياتية المهمة. وكانت المحاولة الكبرى والأشهر في هذا السياق هي “محاولة تمرير التوريث” عن طريق الدفع بعلاء وجمال في جميع المباريات المصيرية للمنتخب في التصفيات، والتركيز الإعلامي الرهيب على وجودهم ومشاركتهم انفعالاتهم وحبهم للوطن ومنتخبه، بل والتضحية الكبرى التي خاضوها في المباراة التاريخية لمصر والجزائر في السودان، وكيف أنهم لم يغادروا السودان الأبعد التأكد من مغادرة كافة الجماهير القادمة من القاهرة للخرطوم، وكيف خطب بعدها مبارك في مجلس الشعب معلنا أن كرامة المصريين من كرامة مصر، وكيف ظهر ذلك الهتاف الشعبي بعد الفوز بكأس افريقيا 2010 “زي ما قال الريس منتخب مصر كويس”. جاء كل هذا والمسيرات الضخمة التى كانت تأتى في أعقاب المباريات متزامنا مع أزمة اقتصادية طاحنة، وارتفاع معدلات التعذيب في السجون وزيادة عدد المفقودين المصريين في الخليج إلى عدد لايعلمه إلا الله، وتأتينا – وحتى الآن – تقارير تتحدث عن مسجونين هنا وحالات من إعدام وجلد هناك، ولا تجد كرامة المصريين والدفاع عنها يذكرها الإعلام والمسئولون إلا عند التحدث عن عرب شمال أفريقيا وألاعيبهم الدنيئة!

لا يختلف الموقف كثيراً الآن عن سابقه، إلا أنه قد صار أكثر احتداماً؛ فنحن بعد ثورة والجمهور لم يدخل المدرجات منذ مذبحة بورسعيد 2012 الأولى حتى الآن، وتتعالى صيحات الإعلام بأن الحلم الغائب منذ 24 سنة على وشك الضياع، ويصرخ إعلام الثورة المضادة أنها “الثورة هي السبب”. وفي هذه اللحظة بالتحديد يأتي ذلك “البطل” شاهراً حسامه، الفريق عبد الفتاح السيسي، ويعلن تحمّل القوات المسلحة عبئاً جديداً، ألا وهو تنظيم المباراة في استاد القاهرة وبحضور 100 ألف مشجع، والأهم هو حضور البطل المغوار لمؤازرة فريق بلاده على نهج ومنهاج معلمه مبارك، ويحدد ميعاد المباراة في 19 نوفمبر، أي في نفس يوم الذكرى الثانية لمذبحة “محمد محمود” ليصبح كل الداعين للتظاهر وفي وسط هذا الشحن والآمال المعلقة خونة لا يريدون الفرحة للمصريين، وبفكر لا يختلف كثيراً عن سابقه قررت الجزيرة – صاحبة الحقوق الحصرية في البث – إذاعة المباراة على القنوات المفتوحة نكاية في الحكومة المصرية التي تناصبها العداء منذ 30 يونيو حتى الآن.

إنه صراع الهيمنة الفكرية على عقول الفقراء والمتاجرة بالنشوة اللحظية للانتصار الوهمي، فلن يساهم صعودنا كأس العالم في خروج الفقراء من حالة الفقر ولا في رفع معاناة الحظر ولا أيٍ مما يعانيه الشعب المصري، ولكن فقط سوف يستفيد طرفي الصراع الدائر من حالة الشحن المتواصل للجماهير، فلو فازت مصر سوف نسمع “تسلم الأيادي” وصور السيسي تملأ الشوارع وسنرى مسيرات الإخوان ترفع صور “أبوتريكة”، ولو انهزمنا لا تستبعد أبداً أن تخرج علينا نظريات أن الإخوان كانوا يشجعون غانا ولهذا هبطت معنويات الفريق، أو أن اللاعبين رفضوا الانقلاب فلم يبذلوا مجهودهم اعتراضاً على عدم شرعية وزارة الانقلاب مثلاً.

ولهذا يجب على كل الثوار أن يسعوا إلى كسر تلك الحالة بكل طاقتهم، ولا نترك قوى الثورة المضادة تستغل تلك المساحة الواسعة في الدعاية ضدهم وضد الثورة، و”تحرير” الرياضة من سيطرة آليات السوق، وشركات الإعلانات، ورجال الأعمال، والدولة. فالرياضة فعل إنساني وليست سلعة…