بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

مؤتمر القاهرة والنضال ضد الإمبريالية.. الحركة لم تمت

في أعقاب الاحتلال الأمريكي للعراق، شهدت حركة معاداة الإمبريالية في مصر تراجعًا ملحوظًا. ترى سوزان عيسى أن مؤتمر القاهرة يمكن أن يمثل محطة على طريق استعادة تلك الحركة.

لم تكن موجة العداء للإمبريالية، التي شهدتها مصر في بداية الألفية الثانية، مقطوعة الصلة بحالة السخط الشعبي الواسع على سوء الأوضاع الاجتماعية وفساد واستبداد النظام. لذلك فإن اندلاع الانتفاضة الفلسطينية في سبتمبر عام 2000 قوبل باحتجاج شعبي واسع وغير مسبوق، انعكست في المظاهرات التي قام بها آلاف الطلبة في الجامعات والمدارس، وعشرات المؤتمرات في مقار الأحزاب السياسية، وحملة تبرعات للشعب الفلسطيني، وآلاف الأعلام الفلسطينية التي علقت على المنازل. وكان الغضب والحنق إزاء سلبية الحكام العرب، وعدم قدرتهم على اتخاذ أية ردود أفعال تناصر الشعب الفلسطيني، أو اتخاذ أي إجراء لوقف التطبيع مع إسرائيل وقطع العلاقات الدبلوماسية، مظهرًا بارزًا في تلك الحركة. وقد كان مفاجأة للنظام المصري، أن الدعاية الرسمية على مدار العقود السابقة والترويج للسلام المزعوم، والتأليب ضد الشعب الفلسطيني، إلى حد تحميله مسئولية الأوضاع البائسة التي يعيش في ظلها – كل ذلك – لم يترك أثرًا باقيًا في نفوس المصريين.

وخلال الفترة التالية للانتفاضة وحتى غزو العراق، شهدت الحركة الشعبية المعارضة للإمبريالية عددًا من لحظات الصعود والهبوط. فبعد خفوت الحركة في الأشهر التي أعقبت اندلاع الانتفاضة، عادت الحركة بشكل أكبر أثناء مذبحة جنين في إبريل من عام 2002، وفي الأشهر الأخيرة من نفس العام، ومع الاستعداد الأمريكي لشن عدوان على العراق، شهدت الحركة تصاعدًا وصل إلى ذروته يوم بدأت القوات الأمريكية غزوها للعراق في 20 مارس 2003. فلأول مرة منذ انتفاضة يناير 1977، احتلت الآلاف ميدان التحرير ليوم كامل وسط ذهول من قبل الدولة التي تحركت في اليوم التالي بحملة قمع واسعة تم القبض خلالها على مئات الأشخاص وتم التنكيل بالعشرات. وكان الارتباط في وعي الجماهير بين الإمبريالية التي ذهبت لاحتلال العراق، وبين النظام المصري، واضحًا، من خلال مهاجمة سيارات الشرطة وتدمير صورة مبارك الضخمة أمام مقر الحزب الوطني في التحرير.

وإذا كان ما حدث في 20 مارس هو لحظة الذروة بالنسبة للحركة المناهضة للإمبريالية، فإن الحركة أصيبت منذ احتلال العراق وحتى الآن بحالة خفوت واضحة. وكان ذلك يعود إلى عدد من العوامل. فأولاً، كان هناك شعور بالهزيمة واليأس إزاء احتلال العراق من جهة، واستمرار معاناة الفلسطينيين بسبب العدوان الإسرائيلي المستمر من جهة أخرى. في الوقت نفسه، أصبح هناك نوع من الإدراك أنه في ظل النظام الحالي، لن يمكن تقديم حتى أبسط سبل الدعم سواء للفلسطينيين أو العراقيين. فهذا النظام الذي يضطهد ويفقر شعبه، ويعتمد على الدعم الأمريكي من أجل البقاء، لا يمكنه اتخاذ أبسط الخطوات مثل أن يقوم بطرد السفير الإسرائيلي أو اتخاذ موقف واضح معارض للسياسة الأمريكية في العراق. ومن ناحية ثالثة، ظلت الحركات المعادية للإمبريالية، مقصورة على النخب وعرضة للصراعات العصبوية التي منعتها من تخطي حدود النخبة والتحول إلى حركات شعبية.

رغم التراجع الذي أصاب حركة العداء للإمبريالية نظرًا للأسباب السابقة، لم يؤد ذلك إلى انتهاء حالة التجذير الجماهيري. لكن ما حدث هو معكوس ذلك، حيث شعرت قطاعات من الجماهير بالحاجة إلى أن توجه المقاومة إلى الاستبداد والاستغلال في الداخل. لذلك كان تصاعد الإضرابات العمالية في العامين الماضيين، وتصاعد حركة الفلاحين في عدد من القرى أهمها سراندو وبهوت في النصف الأول من العام الماضي. وكان بروز هذه الحركات مرتبطًا بالظروف الاقتصادية الاجتماعية المتدهورة وتصاعد حدة الاستغلال من جانب الرأسمالية تساندها آلة الدولة. في نفس الوقت، ومع اقتراب الانتخابات البرلمانية والتأكد من عزم مبارك الحصول على فترة ولاية خامسة أو توريث الحكم، ظهرت الحركات المطالبة بالتغيير والرافضة لاستمرار مبارك في الحكم. وفي هذا السياق ظهرت حركة كفاية وغيرها إضافة إلى عدد من حركات التغيير التي عبرت عن قطاعات بعينها مثل المهنيين والشباب.

إذا كانت الفترة السابقة شهدت بروز حركة الديمقراطية التي ركزت على المطالبة بالإصلاح والتغيير في الداخل، فإن ذلك لا يعني أن حركة العداء للإمبريالية قد انتهت إلى غير رجعة، وأنه لا يمكن استعادتها عن طريق ربطها بحركة التغيير. ويمكن القول أن الأوضاع الإقليمية الحالية تشجع على عودة الحركة مرة أخرى. فما يجري في فلسطين بعد فوز حماس في الانتخابات ومساعي الدول الإمبريالية تجويع الشعب الفلسطيني وفرض الاستسلام عليه، إضافة إلى العدوان المتصاعد على الشعب الفلسطيني مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، والتي كان آخرها مهاجمة وتدمير سجن أريحا من أجل اعتقال زعيم الجبهة الشعبية، يجعل القضية الفلسطينية مرشحة للتصاعد مرة أخرى.

في هذا السياق يجيء مؤتمر القاهرة. فهو يمثل خطوة مهمة في الحركة المعادية للإمبريالية، ليس في مصر وحدها، وإنما في العالم. فقد بدأ المؤتمر في عام 2002، في ظل تصاعد العدوان الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني. ثم كانت معاداة الاحتلال الأمريكي في العراق وتأييد المقاومة العراقية المحور الرئيسي في الدورة الثانية للمؤتمر في 2003. وفي العام السابق مثل المؤتمر تجمعًا للمعادين ليس فقط للصهيونية والاحتلال الأمريكي للعراق، ولكن أيضًا للنشطاء المناهضين للسياسات المتوحشة للعولمة. وقد استطاع المؤتمر خلال السنوات الثلاث أن يجمع أعدادًا متزايدة من النشطاء وممثلي حركات المقاومة.

وإذا كنا ندرك أهمية استعادة الحركة المعادية للإمبريالية، فيبدو أمرًا حيويًا أن يجري الربط بين هذه الحركة وبين الحركة المناهضة للنظام. وهنا ينبغي التأكيد على الدور المهم الذي يمكن أن يلعبه المؤتمر في تحقيق ذلك. حيث أن تحويل المؤتمر من مجرد محفل لمناهضة الصهيونية والإمبريالية وتأييد حركات المقاومة، إلى منتدى اجتماعي مفتوح لكل المعادين للقمع والفقر والاستغلال، يمكن أن يمثل خطوة في اتجاه استعادة الحركة ضد الإمبريالية. وفي هذا السياق تأتي أهمية مشاركة كافة الحركات السياسية المطالبة بالتغيير واتساع