بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ساحة سياسية

التعديل الدستوري الجديد:

مزيد من الديكتاتورية.. مزيد من القمع

في خطاب “تاريخي” أمام مجلسي الشعب والشورى قبل أيام من انتهاء العام الماضي، خرج علينا مبارك بطرح لتغيير 34 مادة من مواد الدستور، بهدف “تحقيق التوازن بين السلطات وتعزيز حقوق المواطنين والحريات العامة” كما ورد في الخطاب. ومنذ ذلك الحين، أصبحت قضية التعديلات الدستورية هي محل الاهتمام الأساسي من قبل الأحزاب وحركات التغيير والمثقفين. ومن المرجح أن تظل كذلك حتى أبريل حيث يجرى استفتاء على التعديلات الدستورية قبل انتهاء الدورة الحالية لمجلس الشورى. وبالنظر إلى طبيعة التعديلات الدستورية المطروحة يمكن الوقوف على عدد من الملاحظات.

أكذوبة المواطنة

أول مايمكن ملاحظته بالنسبة للتعديلات الدستورية هو استخدام مسألة المواطنة من أجل تبرير إجراء تعديلات لا علاقة لها في الحقيقة بأي قيم خاصة بالمواطنة. فقد زعم مبارك أن التأكيد على مبدأ المواطنة هو أول الاعتبارات التي بنيت عليها فكرة التعديلات الدستورية قائلاً “كلنا مصريون .. كلنا أبناء لهذا الوطن .. وكلنا متساوون أمام القانون فى الحقوق والواجبات .. لاتفرق بيننا عقيدة أو دين”. وفي هذا الإطار فقد جاء تعديل المادة الأولى في الدستور للتأكيد على أن مبدأ المواطنة بدلاً من تحالف قوى الشعب العاملة، وأضيفت فقرة للمادة الخامسة المتعلقة بدور الأحزاب في النظام السياسي تقوم على “حظر أي نشاط سياسي أو حزبي أو قيام الأحزاب على أساس الدين أو الجنس أو الأصل” حيث أنه وفقاً لما ذكره مبارك “لا يصح في دولة يتيه تاريخها بوحدتها الوطنية‏,‏ وتفخر علي مر العصور بتماسك شعبها وصلابة بنيانها‏,‏ أن تتوزع مصالحها ومناهج العمل السياسي والوطني فيها إلا علي أساس المواطنة وحدها دون تفرقة بسبب الدين أو الجنس أو الأصل‏”.

ولعله لا يوجد ما يدعو للسخرية أكثر من تأكيد مبارك على مبدأ المواطنة. ذلك أن نظام مبارك هو أكثر النظم إهداراً لحقوق المواطنة ربما في تاريخ مصر الحديث. ففي عهد مبارك بلغ التمييز ضد الأقباط فيما يتعلق بالوظائف الحكومية – القيادية وغير القيادية—حدوداً لم يبلغها منذ نحو قرن من الزمن، وكذلك التضييق على حقوقهم في بناء دور العبادة، والتواطؤ الأمني مع ما يتعرضون له من أذى نتيجة العنف الطائفي المتكرر. من ناحية أخرى، فإن حقوق المواطنة الأخرى بالنسبة لكل المصريين مسلمين وأقباط، وهي الحق في التعليم والخدمات الصحية والعمل والحياة كريمة، وصيانة كرامة الإنسان، هي الآن في أكثر مستوياتها انحطاطاً.

لذلك فإن هذين التعديلين لا علاقة لهما من قريب أو بعيد بمسألة المواطنة. ولكن إذا كان تعديل المادة الأولى من الدستور يمكن تفسيره بأنه مجرد حديث أجوف يهدف إلى استبدال صيغة تحالف قوى الشعب العاملة التي تمثل شرعية النظام الناصري الذي انتهى بكافة مكوناته، بصيغة حديثة تتفق مع القيم العالمية السائدة، فإن إضافة الفقرة الخاصة بالأحزاب إلى المادة الخامسة يطرح العديد من التساؤلات. فأولا، قانون الأحزاب يحظر قيام أحزاب على أساس ديني، فما الداعي لوضع هذا الشرط في الدستور؟ وثانيا، إذا كان النظام حريصاً إلى هذا الحد على قيم المواطنة والدولة المدنية، فكيف يمكن التوفيق بين نص الدستور في مادته الثانية على “أن دين الدولة الرسمي هو الإسلام ومبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع” – وهي المادة التي أكد مبارك قبل أيام من التقدم بالتعديلات أنها لن تُمس— وبين حظر الدستور إقامة أحزاب على أساس ديني؟

تأمين الانتخابات

طالت التعديلات الدستورية طرق تنظيم الانتخابات البرلمانية والرئاسية. ففيما يتعلق بالانتخابات الرئاسية، استهدف تعديل المادة 76 تيسير الشروط المفروضة على الأحزاب للدفع بمرشحيها للانتخابات الرئاسية. والهدف من هذا التعديل واضح، حيث أن أياً من الأحزاب الرسمية لم يحقق نسبة الـ 5% من مقاعد البرلمان التي اشترطتها تعديلات المادة 76 التي أدرجت في عام 2005، وهو ما يعني أن انتخابات عام 2011 لن يشارك فيها سوى مرشح الحزب الوطني، الأمر الذي يحتم توفير منافسين وهميين لزوم تجميل الصورة.

أما التغييرات الأكثر أهمية فهي تتعلق بطرق تنظيم الانتخابات البرلمانية. فقد رأى مبارك تعديل المادة ‏62‏ بما يتفق مع أي نظام انتخابي يتجه المشرع إلي الأخذ به، وهو ما يسمح للمشرع بتعديل النظام الانتخابي مستقبلا‏.‏ ويمكن فهم هذا التعديل في ضوء الاتجاه إلى إحلال الانتخابات بنظام القائمة محل الانتخابات بالنظام الفردي، حيث أن التعديل يتلافى الطعن في دستورية نظام القائمة حال تطبيقه. وغني عن القول أن نظام القائمة هو الأفضل بالنسبة للنظام لأنه لا يسمح بمشاركة المرشحين كمستقلين.

التعديل الأساسي الثاني على طريقة تنظيم الانتخابات البرلمانية هو المتعلق بالمادة 88 التي تنص على الإشراف القضائي على الانتخابات، وذلك عن طريق ” توفير أسلوب الإشراف الذي يحقق كفاءة ونزاهة العملية الانتخابية‏,‏ والنطاق الذي يتيح لأعضاء من الهيئات القضائية الإشراف علي هذه العملية‏,‏ ويضمن إجراء الانتخابات في يوم واحد‏,‏ تجنبا لامتداد فترة الاقتراع لأيام طويلة وما ترتبه من آثار في المجتمع في ضوء تجارب الماضي”‏.

ومن الواضح أن الحديث عن أسلوب للإشراف يتيح لأعضاء من الهيئة القضائية الإشراف على الانتخابات يهدف إلى تمييع مسألة الإشراف القضائي بحيث تصبح غير ملزمة بالشكل الذي تمت به في الدورات السابقة، أي وجود قاضي في كل لجنة، أساسية كانت أم فرعية. أما المسألة الأكثر عجباً فهي الدعوة لإجراء الانتخابات في يوم واحد. فمن ناحية، يبدو غريباً للغاية أن يتضمن الدستور، الذي من المفترض أن يقتصر على المبادئ العامة، أمراً تفصيلياً مثل عدد الأيام التي تجرى فيها الانتخابات. لذلك فمن الواضح أن شرط اليوم الواحد يهدف إلى منع القضاة من الإشراف على العملية الانتخابية بكاملها، لأن عدد القضاة لا يمكن أن يغطي عدد اللجان الانتخابية. وتنبغي الإشارة هنا إلى أنه رغم كل السلبيات والتزوير والبلطجة التي شابت انتخابات عام 2005، فقد استطاعت المعارضة الحصول على نحو ربع الأصوات، ولم يحصل الحزب الوطني سوى على 38% من المقاعد، أصبحت 73% بعد انضمام قسم من المستقلين إليه.

تعزيز صلاحيات الرئيس

رغم أن الديباجة الواردة في خطاب مبارك إلى المجلسين تشير إلى أن أحد الأهداف الأساسية للتعديل الدستوري هي تقليص صلاحيات رئيس الجمهورية، فإن ما يطرحه يؤدي في الحقيقة إلى وضع مزيد من السلطات في يد الرئيس. فقد طالب مبارك بتعديل المادة 136 بما يتيح للرئيس حل مجلس الشعب بدون الحاجة لاستفتاء الشعب على قراره.

من ناحية أخرى، نص خطاب مبارك على طلب تعديل المادة 74 بما يسمح باستشارة الرئيس لرئيس الوزراء عند اتخاذه إجراءات سريعة في حالة وجود خطر ” يهدد الوحدة الوطنية” أو “سلامة الوطن” أو “يعوق مؤسسات الدولة عن أداء دورها الدستوري”. ويمكن الجزم بمدى زيف هذا التعديل في ضوء حقيقتين، الأولى أن رئيس الجمهورية له حق مطلق في إعفاء رئيس الوزراء، الذي يعد في الواقع مجرد موظف لدى رئيس الجمهورية. والحقيقة الثانية هي أن نص التعديل لم يشر إلى أي التزام على الرئيس بالأخذ في الاعتبار رأي رئيس الوزراء أو طريقة إدارة الخلاف بين الطرفين حال حدوثه.

أما التعديل الآخر بشأن رئيس الوزراء فهو في المواد ‏82‏ و‏84‏ و‏85‏ بخصوص من يحل محل رئيس الجمهورية عند قيام مانع مؤقت أو دائم أو عند اتهامه‏، فإنه يتضمن ‏”تعديل هذه المواد بما يسمح بحلول رئيس مجلس الوزراء عند تعذر حلول نائب رئيس الجمهورية,‏ دون أن يباشر من يحل محل الرئيس السلطات بالغة الأثر في الحياة السياسية‏,‏ كإقالة الحكومة وحل مجلس الشعب وطلب تعديل الدستور”. ومن الواضح أن هذا التعديل يهدف إلى تلافي المشكلات المتعلقة بإصرار مبارك على عدم تعيين نائب. ويذهب البعض إلى أن هذه المادة تهدف إلى تسهيل خيار التوريث عن طريق تعيين جمال مبارك رئيساً للوزراء في مرحلة مقبلة. وسواء كان ذلك صحيحاً أم لا، فإنه من المؤكد أن التعديلات الدستورية لو كانت تهدف حقاً إلى تقليص صلاحيات رئيس الجمهورية لكانت قد طالت المادة 77 التي لا تضع حداً أقصى لفترات تولي الرئاسة، وكذلك المواد 108 و148 التي تعطي الرئيس حق إصدار قرار بقانون والمادة 82 التي لا تلزم الرئيس باختيار نائب له.

إرهاب الدولة

تنص المادة 41 من الدستور على أن “الحرية الشخصية هي حق طبيعي وهي مصونه لا تمس وفيما عدا حالات التلبس لا يجوز القبض على أي أحد أو تفتيشه أو حبسه أو تقييد حريته بأي قيد أو منعه من التنقل إلا بأمر يستلزم ضرورة التحقيق وصيانة أمن المجتمع, ويصدر الأمر من القاضي المختص أو النيابة العامة.” ويرى مبارك أن أحكام هذه المادة قد تحول دون التصدي إلى أخطار الإرهاب، لذلك يطالب بإضافة مواد تكفل مكافحة الإرهاب. ومن المعروف أن مصر بها قانون للإرهاب هو القانون 97 لسنه 1992. لكن جعل قانون الإرهاب جزءاً من الدستور يقدم عدة مزايا لنظام مبارك. فهو أولاً يمثل مخرجاً أمام الضغوط المحلية والدولية الداعية إلى وقف العمل بقانون الطوارئ. وثانياً يجعل من القيود على حرية المواطنين مبدأ دستورياً، بدلاً من أن تكون مجرد قانون يمكن الطعن في دستوريته. أي أن الهدف النهائي كما يرى الكثير من المراقبين هو ترسيخ وتثبيت حكم الطوارئ ليصبح القاعدة لا الاستثناء، ومن ثم يطلق سلطة النظام في التنكيل بالمواطنين دون رادع.

النظام الاقتصادي

طالب مبارك بتعديل أحد عشر مادة من مواد الدستور “بما يحقق التلاؤم بين نصوصها وبين الأوضاع الاقتصادية والسياسية المعاصرة‏,‏ بحيث لا يفرض الدستور علي المجتمع نظاما اقتصاديا معينا لا يتأتي العدول عنه إلا بتعديل في نصوصه‏,‏ وتجنبا لما تنص عليه هذه المواد من عبارات قد تفيد في ظاهرها الانتماء لنظام اقتصادي بذاته يمكن أن يتجاوزه الزمن بما يفرزه من تطورات ومستجدات”. وفي الحقيقة، فإن هذا التعديل هو الأقل تأثيراً من بين التعديلات الدستورية المطروحة، لأنه في النهاية يمثل تحصيل حاصل. فالدستور الحالي بما فيه من مواد تتحدث عن الاشتراكية ومجتمع الكفاية وتحالف قوى الشعب العاملة، لم يمنع من تبني سياسات الليبرالية الجديدة عبر بيع ممتلكات الشعب، وتخلي الدولة عن دورها الاجتماعي، وإطلاق حرية القطاع الخاص في استغلال وقهر الطبقة العاملة، وهو ما كان نتيجته تزايد الفقر والبطالة والاستقطاب الطبقي.

تعديل الدستور.. لماذا؟

يسهل عند تأمل التعديلات الدستورية المطروحة، الوقوف على أهدافها. فلا شك أن الهدف الأول من هذا التعديل، كما يرى معظم المراقبين، هو القضاء على خطر الإخوان المسلمين، الذين اتضح خلال الانتخابات البرلمانية لعام 2005 أنهم أصبحوا يمثلون تهديداً حقيقياً لنظام مبارك. ومن هنا تضمنت التعديلات وضع مادة في الدستور تمنع تأسيس أحزاب على أساس ديني، و إنهاء الإشراف القضائي الكامل على الانتخابات، وفتح الباب أمام الأخذ بنظام القوائم بدلا من النظام الفردي.

أما الهدف الثاني فهو تحقيق الاستقرار لنظام مبارك خلال السنوات القادمة، عن طريق بسط سيادة الأجهزة القمعية للدولة وزيادة صلاحيات رئيس الجمهورية. وهو ما يسمح لمبارك بالترشيح لولاية سادسة إذا كان “في الصدر قلب ينبض” أو بالتمرير الآمن لخليفة مبارك سواء عن طريق سيناريو توريث الحكم لجمال مبارك أو أي سيناريو آخر. وأخيراً تأتي الأهداف المتعلقة بالاستهلاك المحلي والخارجي، حيث يرغب النظام في وضع نهاية للجدل الطويل حول تعديل الدستور ومواجهة الانتقادات الخارجية للنهج القمعي للنظام، والتي تتصاعد بين الحين والحين.

وأخيراً تشير وضعية حركة التغيير الديمقراطي في الوقت الراهن إلى أن التعديلات الدستورية المطروحة لن تجد مقاومة جماهيرية تمنع أو تصعب من تمريرها. لكن مع ذلك، فإن نجاح أو فشل الخطط الجهنمية لنظام مبارك الفاسد والمستبد تتوقف على ما يمكن أن تحققه هذه الحركة في السنوات المقبلة من جذب لقطاعات أوسع من الجماهير إلى المطالب الديمقراطية عن طريق الربط بينها وبين المطالب الاجتماعية والتفاعل مع نضالاتهم ضد الإفقار.