"مينا دانيال يا ولد.. دمك بيحرر بلد"
عن اضطهاد الأقباط والثورة المصرية

بداية الثورة وشهورها الأولى
لم يكن غريباً أن تبدأ الثورة المصرية في يوم 25 يناير، وأن يشارك قطاع واسع من الأقباط في المظاهرات وأن يحتلوا الميادين مع رفاقهم في الثورة ضد نظام مبارك القامع للجميع والمستغل لكل الكادحين، والذي عانى منه الأقباط طويلاً في ظل نظام مبارك. تابعنا جميعاً ذهول العالم من الصور الآتية من الميدان بصلوات المسلمين يحميها مسيحيون وصلوات المسيحيين يحميها مسلمون كما تابعنا أيضاً عدم المساس بأي كنيسة طيلة الـ 18 يوم على الرغم من الغياب التام للشرطة بعد هزيمتها النكراء يوم 28 يناير أمام المتظاهرين. فالثورة ضد الاستبداد والاستغلال هي “كرنفال المضطهدين”، تسقط كل الحواجز التي تفرق بين البشر وتكشف قبح الطائفية والطبقية وتنتصر للقيم الإنسانية العليا من عدالة و مساواة وحرية.
وبتنحي مبارك وتسلم المجلس العسكري أمور البلاد، بدأت الهجمة الشرسة للثورة المضادة في التصاعد. ودوماً ما تلعب الثورات المضادة على حلقات الوصل الأضعف بين الصفوف الثورية، فكان من الطبيعي أن يشعل المجلس العسكري الطائفية مرة أخرى بشكل غير مباشر، أول الأمر من وراء ستار تيارات من الإسلام السياسي (خاصة السلفية منها). في تلك الأجواء، لم يكن غريباً أن يأتي استفتاء مارس حاملاً معه روائح الطائفية الكريهة، فتم اختزال الحوار الدائر حول التعديلات الدستورية على المادة الثانية من الدستور والتي لم تشملها أصلاً التعديلات، ومن ثم أطلقت منابر الكثير من المساجد تلك الحملة الشعواء بأن التصويت بـ “نعم” هو تصويت للإسلام وأن التصويت بـ “لا” هو تصويت ضده.
زاد هذا بالطبع من حدة الاستقطاب، وكان من ضمن نتائجه البغيضة عودة الإحساس بالاغتراب لدى الأقباط. نما هذا الإحساس وتزايد مع بداية هجمات متفرقة على الكنائس في أطفيح وإمبابة وغيرها، ومع تصاعد خطاب التحريض مرة أخرى من بعض شيوخ السلفية علناً على الفضائيات، مما دفع بعض المجموعات القبطية والقوى الثورية والديمقراطية لتنظيم مسيرة سلمية حاشدة من دوران شبرا إلى مبني ماسبيرو للمطالبة بحقوق الأقباط المهدورة وللمناداة بوقف الخطاب التحريضي ضدهم. وكانت المأساة، فقد قامت الشرطة العسكرية بمذبحة مروعة ضد المتظاهرين السلميين ودهست مدرعاتها الكثير منهم وأسقطت طلقات بنادق ضباطهم الشهداء. سقط 27 شهيداً على الأقل من الأقباط والمئات من المصابين على يد الشرطة العسكرية، والتي أراد المجلس العسكري من وراءها أن يسحق الحراك الثوري. وفي نفس الوقت أن يغازل تيارات الإسلام السياسي التي ينسق معها سياسياً بشكل علني والتي اكتفت بعار الصمت إزاء المذبحة إن لم تقف في صف العسكر.
لم تفتّ تلك المذبحة البشعة من عضد الثورة، واستمرت المقاومة ضد هجمة الثورة المضادة بقيادة المجلس العسكري وانضمت لها الكثير من الحركات القبطية، مثل اتحاد شباب ماسبيرو، وأصبح من رموز تلك المقاومة في المواجهات التالية العلم الشهير للشهيد مينا دانيال. لكن جاءت الانتخابات البرلمانية بمجلسي شعب وشورى أغلبيتهما من حزبي الحرية والعدالة والنور اللذان لم يتوقفا عن زيادة شعور الأقباط بالاغتراب عن طريق خطابهم المعبأ برائحة الطائفية الكريهة.
وبداية من الاستفتاء على التعديلات الدستورية والانتخابات البرلمانية وامتداداً إلى الانتخابات الرئاسية، دأبت القوى السياسية المختلفة على اختزال الصراع إلى صراع إسلامي/ علماني.
والثورة المستمرة
وصل مرسي لسدة الرئاسة، ومن ورائه مكتب الإرشاد، ليصبح جزءاً من الطبقة الحاكمة وليتخذ موقعه في قيادة الثورة المضادة. فبدأ بعدم المساس بالجمعية التأسيسية المعيبة لكتابة الدستور والتي وعد بتغييرها لتشمل كل طوائف المجتمع فاستمرت نفس الجمعية التأسيسية القديمة بغالبيتها من الإخوان والسلف الذين لم يفوتوا فرصة دون فرض طرحهم للمواد ورفضهم للتوافق، بذريعة أغلبيتهم البرلمانية المؤقتة والتي بـ “شرعيتها” فرضوا علينا دستوراً من المفترض أن يكون ممتداً. كان لهذا الإصرار على العناد أثره في الانسحابات المتتالية للقوى السياسية “المدنية”، وبالطبع لممثلي الكنائس المصرية الثلاث من الجمعية. سيذكر إذاً التاريخ بكل خزي تلك الواقعة التي قدم فيها الغرياني لمرسي مشروع الدستور المصري بعد بداية الثورة عن هذه الجمعية ممهوراً بتوقيع أعضائها الخالين من أي قبطي.
قام حكم الإخوان أيضاً بتكريم طنطاوي وعنان وقلدهما بأرفع الأوسمة متغاضياً عن جرائمهما في ظل نظام مبارك ومذابحهما في ظل تصدرهما لسدة الحكم بعد التنحي، ومنها مذبحة ماسبيرو، كما قام بالحفاظ أو تحريك كل جنرالات المجلس العسكري بل قام بتقوية تحالفه مع العسكر من خلال الدستور المشوه الذي لا يفرض أي رقابة على ميزانية القوات المسلحة ويترك الباب مفتوحاً لمحاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية، إلخ.
تحالف آخر قام به الإخوان مع رجال أعمال مبارك تبدى في الأيام الأولى لحكم مرسي وتفجر في الأيام الأخيرة بالمحاولات الحثيثة التي يقودها الملياردير الإخواني حسن مالك في التصالح مع زبانية الفساد ومصاصي الدماء من مليارديرات مبارك. الاستراتيجية الإخوانية واضحة في استمرار سياسات الليبرالية الجديدة التي تبناها نظام مبارك في مطلع الألفينات، بل وتنفيذ شروطها الأكثر إضراراً بملايين الفقراء من المسلمين والمسيحيين.
هذا التحالف المضاد للثورة وأهدافها زادت حدته بصدارة قيادات الإخوان للمشهد السياسي، ومن خلفهم ظهيرهم من شيوخ السلفية، وبثهم لخطاب ينضح بالطائفية ضد الأقباط، وضد الحريات العامة والخاصة، وتصاعد لتهديد مساحات حرية العقيدة والرأي والتعبير والإبداع. كل تلك العوامل فجرت موجة ثورية جديدة ضد مرسي وحكومة الإخوان، وفور صدور الإعلان الدستوري في 21 نوفمبر، نزلت فيها الملايين في محافظات مصر المختلفة منتفضة ضد الاستبداد واستمرار نفس سياسات النظام بل زيادة رقعة أضرارها. شارك في تلك الموجة المستمرة قطاع واسع من الأقباط والذين انضموا لمسيرة الثورة ضد السلطة وحركهم في ذلك فزع مبرر من سياسات وأداء سلطة مرسي ومكتب الإرشاد ومن ورائه السلفيين. لكن المهم رصده أن قطاع واسع أيضاً من الأقباط الذين انضموا للحراك الجماهيري الأخير كانوا من فقراء الأقباط الذين حركهم، كغيرهم من فقراء البلاد، الضغط المتصاعد على سبل معيشتهم واستمرار السياسات المتسببة في إفقارهم وبؤس حياتهم.
ما نراه ونطرحه كمخرج وحيد لتحرر جميع المضطهدين من القهر والظلم والاستغلال هو انتقال محور الصراع في المجتمع إلى محور “أفقي” بازدياد الوعي الجمعي بوحدة النضال بين فقراء المسلمين والأقباط في المصانع والغيطان والشركات والجامعات والنقابات والميادين وغيرها من المواقع المختلقة ضد الطبقة الحاكمة بأضلاعها من قيادات المؤسسة العسكرية وقيادات الإخوان مع ظهيرهم من شيوخ السلفية ورجال الأعمال. هذا الثالوث الشيطاني الذي تم برعاية أمريكية ومباركة صهيونية وتمويل خليجي، وتحميه في الداخل كلاب الداخلية المتشرسة الجاهزة لقمع أي انتفاض ضد هذا الحلف.
لكن وحتى الوصول لتك النقطة المتقدمة من الصراع الطبقي، فإن اليسار المناضل هو من يقف بمنتهى الحزم إلى جانب كل المساعي المطالبة بحقوق الأقباط ورفع التمييز عنهم، ورفض وفضح الخطاب التحريضي ضدهم، والوقوف بشراسة أمام المحاولات الدنيئة للتهجير القسري لهم من بلداتهم وقراهم، خاصة في ظل وصول تيارات الإسلام السياسي لمواقع متقدمة في منظومة الحكم وما نتج عن ذلك من تنامي ذات الإحساس بالاغتراب لدى الأقباط.





