بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عن القَسَم والجِزَم ودروع البرلمان

علق الكثيرون على الجلسة الأولى للبرلمان التاريخي بعد الثورة بأنها لم تأت على “المستوى اللائق” من حيث التنظيم أو الهيبة والانضباط. وكان بالطبع أداء رئيس الجلسة الذي أصابته لوثة فرح لجلوسه على مقعد فتحي سرور، ولو لبرهة، لافتاً للأنظار إذ أخذ يطلق النكات والقفشات ويخطئ في قراءة الأرقام، ولكن الجدل الحقيقي ثار حول “عدم التزام” البعض باليمين الدستورية وانقسم الناس بين مشجع لأولئك أو هؤلاء ومتحسر على احترام اليمين الدستورية السهلة البسيطة.

والأمر من وجهة نظري أن مجريات الأمور في تلك الجلسة وشت بتناقض عميق بين رغبة شديدة في الإبقاء على النظام القديم بحذافيره تشبثاً بالاستقرار ووراثة المجلس من أصحابه القدامى من ناحية والتغير الجذري في المشهد السياسي برمته.

لقد أريد لهذه الجلسة أن تنم عن الاستقرار والاستمرار، أن تشير إلى بداية المجرى الطبيعي للأمور، ولكنها أفصحت عن مجلس شعب على كف عفريت ستتنازعه قوى عاصفة من داخله وخارجه، يحكمه التناقض الأساسي بين الرغبة في الاستقرار والضغوط الشعبية التي أتت به والتي تحيط به.

لقد طُلب من النواب تأدية اليمين الواردة في الإعلان الدستوري الذي لم نُستفتَ عليه، وهي ذاتها الواردة في دستور عام 1971 ونصها “”أقسم بالله العظيم أن أحافظ مخلصا على سلامة الوطن والنظام الجمهوري، وأن أرعى مصالح الشعب، وأن أحترم الدستور والقانون” وهي ذاتها اليمين الواردة في دستور 1964 مع تغيير طفيف في ترتيب الكلمات. تلك اليمين السحرية الجوفاء التي تربط ما بين عهود عبد الناصر والسادات ومبارك بكل نكساتها وخيباتها أرادوها أن تستمر بعد الثورة رمزاً دالاً على استمرار النظام نفسه.

على أي دستور أقسموا؟ الإعلان الدستوري؟ هل أصدر الشعب هذا الدستور؟ من يعدله؟ من قام بتعديله دون الرجوع إلى أحد؟ إن ذلك القسم لا يعني في سياقه إلا الإقرار بسلطة المجلس العسكري في إصدار وتعديل الإعلانات الدستورية.

وهذا من مجلس ينتظر منه وضع الدستور (أو انتخاب هيئة وضعه، أو الهيئة التي تشارك في وضعه، من داخله، أو من خارجه، لا يدري أحد!) أم يقسمون على الدستور القادم؟ وهنا يحق لأحدهم أن يضع شرطه الخاص: “فيما لا يخالف شرع الله”، ويجب على آخرين أن يشيروا في قسمهم إلى ما أتى بهم جميعاً إلى هنا: الثورة، ويقسم على استكمالها. انفجرت القشرة الرقيقة الزائفة من التوافق العام حول المجرى “الطبيعي” لبداية البرلمان وظهرت تناقضات جلية.

في أروقة المجلس العسكري كانت قوانين جديدة قد سُنت ولم يتم الإعلان عنها (فقط لتعريف البرلمان بمقامه إن كان لدى أحد شك) والتحضير لإلغاء حالة الطوارئ (إلا في مواجهة البلطجة) بعيداً عن البرلمان أيضاً، بل بمنحة شخصية من المشير.

وفي الخارج كانت ثلاث مسيرات تتوجه إلى المجلس للمطالبة بسقوط حكم العسكر ونقل السلطة للمدنيين وتذكير النواب بأهداف الثورة. وكان الإخوان المسلمون يحتشدون حول المبنى فرحين بما أوتوا ومانعين الآخرين من الوصول إليه. لا شيء “طبيعي” في هذا المشهد!

(2)
يوم 25 يناير 2012 تدفقت الملايين إلى ميادين التحرير تهتف بسقوط حكم العسكر وتعلن بضخامة أعدادها تعمق الثورة لا استمرارها فحسب. وكان الإخوان قد أعلنوه مناسبة للاحتفال وقالوا إنهم سيحمون الميدان والمنشآت الحيوية! بضربة واحدة سفه الإخوان آمال الجماهير في استكمال الثورة وشوهوا النازلين إلى الميدان. ممن تحمون الميدان أو المنشآت؟ عندما كان الثوار يُقتلون في مذبحتي محمد محمود ومجلس الوزراء كان الإخوان يرمونهم بأنهم يسعون إلى تعطيل الانتخابات البرلمانية!!

وكان يوم الجمعة 27 يناير اليوم الذي رفع فيه الناس في ميدان التحرير الجِزَم في وجه الإخوان. عارض الإخوان في الميدان الهتافات المنادية بسقوط العسكر وعندما كانوا يريدون إسكات الآخرين كانوا يشهرون ميكروفوناتهم العملاقة ليذيعوا القرآن.

لقد كان مشهداً عسيراً على التصديق. كانوا يشوشون على الآخرين بالقرآن! لا يمكن تخيل رمز أكثر تعبيراً عن استخدام الدين كسلاح لإسكات المعارضين! نحن معنا المذياع ونحن نشغل القرآن وأنتم ستسكتون. ولكن الناس لم تسكت بل هتفوا ضد الإخوان وبأنهم والعسكر يد واحدة وبأن “دي ثورة، دي مش حفلة“.

فكانوا يشغلون الأغاني الوطنية التي سأمناها وكان وقعها على الأذن مثلما كانت في عهد مبارك: وسيلة لإسكات المعارضة بمنطق أن مصر حبيبتي وأن “ما شفش الرجال اللي ما عداش على مصر”. وظل الحال هكذا حتى الحادية عشرة مساء عندما بدأت منصة الإخوان ترفع هتاف “يسقط حكم العسكر” حتى لا تخسر المزيد من الناس، فسقطت في أعين أكثر.
بالنسبة للإخوان الثورة كانت! والآن وقت الاحتفال. والآن يعود كل شيء إلى طبيعته. عجلة الإنتاج. الاستثمار. العلاقات الدولية التي يجب أن نحافظ عليها، والمعاهدات الدولية التي أعلنوا الاحتفاظ بها.

لقد كانت جماعة الإخوان، نتيجة لانخراطها في شبكة مصالح النظام الرأسمالي المحلي والدولي، دائماً في تناقض مقيم بين معارضة نظام مبارك وفساده وقمعه من ناحية وخشية التغيير الجذري من ناحية أخرى. بعبارة أخرى تناقض بين رغبتها في التغيير ورغبتها في الاستقرار.

نجاح الانتفاضة في إسقاط مبارك فتح لهم عهداً جديداً، وكان الحراك الثوري يمثل دفعاً لهم للأمام وإن انطوى على تناقض آخر: استمرار الثورة يقوي مركزهم في العملية السياسية ولكنه بالتأكيد، وبالتعريف، يهدد الاستقرار (وهكذا كانت مواقف الجماعة المعادية للإضرابات والاعتصامات).
لقد حققت الثورة لهم الحلم الذي طالما راودهم وراوغهم، السيطرة على البرلمان، ولا حاجة لمزيد من الثورة الآن. من الآن سيعتبر الإخوان تعمق الثورة واستمرارها في مواجهتهم شخصياً.

(3)
الثلاثاء 31 يناير، توجهت مسيرات إلى مجلس الشعب تطالب بسقوط حكم العسكر ونقل السلطة إلى المدنيين لتواجه بدروع بشرية من جماعة الإخوان! يتقمصون دور الأمن المركزي، يمنعون المتظاهرين من الوصول إلى المبنى، فهو لهم!

المفارقة أن أكثرية الجماهير المحتشدة تريد الوصول إلى البرلمان تطالبهم بتسلم السلطة! ولكن هذه الفكرة تفزعهم. فهم لا يتصورون التطاول على المجلس الأعلى وأخذ صلاحية من صلاحياته (ناهيك عن محاكمة أعضائه).

إنهم يخافون جماهير الثورة. إن حالة الذعر التي تملكتهم جعلت البعض منهم يهذي بضروب من الهلاوس ويرمي الثوريين بأشنع التهم الملفقة، مثل النائب الإخواني جمال حشمت الذي قال إن الدروع البشرية منعوا المتظاهرين “من إراقة دمائنا”.

إنه يصف مظاهرات مطالبة بالديمقراطية من شأنها في كل الأحوال أن تقوي مجلس الشعب في مواجهة السلطة العسكرية!

أما محمد البلتاجي فقد كشف عن أكثر من ذلك عندما قال إن “من حق الجماهير أن تحمي مؤسساتها وأن تخشى من تكرار سيناريوهات تكررت خلال الشهور الأربعة الماضية”، وقال إن المسيرات التي خرجت بداية من أحداث مسرح البالون وحتى أحداث مجلس الشعب اليوم “جميعها مدبرة لتعطيل الديمقراطية”. بالنسبة للبلتاجي، الثورة من يونيو 2011 وحتى اليوم مؤامرة لتعطيل الديمقراطية.

إن المفارقة هي أن الإخوان سيطروا على البرلمان بسبب الثورة ولكن أسوأ وقت لهم للوصول للسلطة هو وقت الثورة!! فالجماهير لم تثر لتأتي بفصيل أو آخر للبرلمان، لكنها ثارت من أجل العيش والحرية والعدالة الاجتماعية تنشدها وتواجه من يقف في وجه تحقيقها. لم يمر أكثر من أسبوع على توليهم السلطة التشريعية وانكشف الكثير من عدائهم للقوى الثورية ووقوفهم في وجه مطالب الجماهير. ورأيي أن السنة القادمة ربما ستكون أسوأ سنة في تاريخ الإخوان، لا لأنهم سيكونون في المعتقلات، بل لأنهم في السلطة. ستمزقهم التناقضات: فالإخوان كجماعة وإن ارتبطت قياداتها بمصالح الرأسمالية الكبيرة فقواعدها وحلقاتها الواسعة ليست كذلك، بل تنتمي إلى الطبقات الوسطى والفقيرة، وسوف تظهر التناقضات بينهم في ظروف كهذه. والكثير من شباب الإخوان سيحبطون من امتناع قياداتهم عن اتخاذ تدابير الإصلاح الجادة. وقد رأينا في السنة الأولى للثورة الجماعة تفقد عدداً كبيراً من خيرة شبابها بسبب وقوف قيادتها ضد تقدم الثورة. والأهم هو التناقض الذي سيظهر بين الجماعة وبين الملايين الذين انتخبوها وينتظرون من البرلمان الذي أتوا به أن يحقق لهم مطالبهم. والأهم على الإطلاق هو التناقض بين من أصبحوا يفزعون من فكرة استمرار الثورة وبين الملايين ممن سبيلهم الوحيد للعيش والحرية والعدالة الاجتماعية هو استكمال الثورة.