بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ساحة سياسية

ندوة مركز الدراسات الاشتراكية:

عن مذبحة ماسبيرو واضطهاد الأقباط في مصر

التاسع من أكتوبر ذكرى مذبحة ماسبيرو التي انضمت لغيرها من المذابح في حق الشعب المصري، لأنه ثار وطالب بالحرية، وكشف أقنعة الكاذبين والقتلة والمتاجرين بثورته. مذبحة ماسبيرو هي جريمة لها أكثر من وجه فمنه السياسي والإعلامي والطائفي والمؤسساتي والديموغرافي بل وحتى التاريخي. ومع اقتراب الذكرى السنوية الأولى لشهداء ماسبيرو عقد مركز الدراسات الاشتراكية، يوم الثلاثاء 2 أكتوبر، ندوة تحت عنوان: عن مذبحة ماسبيرو واضطهاد الأقباط في مصر، بحضور كل من جاكلين إسكندر ناشطة ومدرسة تربية دينية، وكمال زاخر كاتب ومفكر ضد التمييز الديني، وسامح نجيب عضو المكتب السياسي بحركة الاشتراكيين الثوريين.

أوضحت جاكلين في بداية كلمتها أن تجربة 25 يناير تعني لها الكثير كمواطنة مصرية قبل ان تكون قبطية. وأن المشاكل التي تراكمت طيلة الثلاثون عاماً الماضية طالت الجميع ووحدتهم.. كل من ثار يوم 25 لم يكن له أي غرض شخصي، فقط جمعتهم نفس المطالب. “لأول مرة وأنا في ميدان التحرير شعرت إن هذه الأرض هي بلدي وبلدهم بالفعل، لم يفرقنا دين وجمعنا فقط حب الوطن”.

وأضافت جاكلين أنها بعد الثورة شعرت أن المجموعات القبطية أصبحت أكثر انفتاحاً عن ذي قبل، وعلى عكس ما يحدث داخل المجتمع الكنسي المنغلق على نفسه. لم نعد نشعر بالعزلة وأدركنا أن همنا في الوطن واحد ومشترك ولا يفرق بين أقباط أو مسلمين. وكلما توغلت داخل الاحياء الفقيرة أو تعاملت مع المجموعات العمالية ستدرك هذه الحقيقة أكثر، فالفقر والظلم لا يفرقان بين البشر على أساس الدين، بل يضغطا ويسحقا الطرف الأضعف.

أما بالنسبة لذكرياتها عن مذبحة ماسبيرو تحديداً قالت جاكلين: لم أشارك في يوم المسيرة، رغم حرصي على المشاركة في كل الفاعليات الثورية، لكنني كنت سعيدة أن الأقباط قرروا الخروج من أسوار الكنيسة. المسيرة مرت من امام منزلي، ثم شاهدت مشاهد دهس وهرس الأقباط عبر الشاشات. زوجي هرع إلى المستشفى القبطي بوصفه طبيب لتقديم المساعدة، حاول الدخول وفشل بسبب الزحام الشديد.عاد زوجي محملاً بالهموم ليس فقط من هول المأساة ولكن أيضاً لما رأه. أعداد غفيرة من المواطنين ملتحين ويرتدون الجلباب وبحوزتهم مولوتوف ويفتشون عن البطاقات الشخصية للمارة في حيز منطقة ماسبيرو، وذلك بغرض معرفة الأقباط ليقوموا بضربهم واهاناتهم. الحقيقة إن ما فعله الجيش لم يكن مفاجئاً لي. عندي تجربة شخصية مع الجيش حيث كان شقيقي ضابطاً وصل إلى ان أصبح قائد كتيبة ورغم أنه كان مشهود له باإخلاص وحسن الخلق ومعاملة الجنود معاملة حسن، إلا إنه تعرض للاضطهاد داخل الجيش حيث قدم فيه أحد الجنود شكوى بانه يمنعهم من الصلاة في أوقاتها، مما دفعه إلى الاستقالة من وظيفته. لكني أتسائل ما الذي حدث من يوم 25 يناير 2011 حتى الآن، أين وحدتنا التي رأينها داخل الميدان، ولمصلحة من شق الصفوف؟!

وأكد سامح نجيب في كلمته على أن مصر الآن تمر بلحظة إنتقالية صعبة جداً، مما يجعل بعض الناس يشعرون وكأن الثورة قد انتهت. وإن استبدال القيادات الفاسدة بالقيادات الجديدة المنتخبة هو نهاية المطاف. ولكن هذا غير صحيح بالمرة. الثورة المصرية لاتزال في بدايتها وهي إحدى  الثورات الكبرى الضخمة في التاريخ البشري. نحن نتحدث عن لحظات كان هناك فيها أكثر من 20 مليون مصري يحتجون في الشوراع، هذه التعبئة الجماهيرية الضخمة لا تحدث إلا في الثورات الضخمة التي تغير مسار التاريخ كالثورة الفرنسية، او الروسية، أو الإيرانية على اختلاف نتائجها. وهذا النوع من الثورات لا ينتهي في عام أو اثنين، لأن الجماهير لا تتخلى عن المكتسبات التي انتزعتها بسهولة، مثل احساسهم بالثقة وإيمانهم بضرورة التغيير وإيمانهم بحقهم في المساواة والعدالة والحرية. فالثورة المصرية ثورة تقليدية لعبت فيها الجماهير والطبقة العاملة الدور الأساسي. ولكن شارك فيها أيضاً الأقباط إلى جانب القطاعات المضطهدة الأخرى كالنوبيين والسيناويين والنساء، كل قطاعات المجتمع المظلومة تحركت في الثورة. وتلك القطاعات إلى جانب موجات الإضرابات العمالية لازالت تستكمل طريق الثورة، وتحركاتها دليل على أن الثورة لم تنته بعد وان استبدال مبارك بمرسي لم يعن نهاية الثورة على الإطلاق.

وأضاف نجيب قائلاً كي تهزم الثورة فهم بحاجة إلى هزائم بحجم الثورة نفسها. فالثورات المهزومة تعني مقتل عشرات الآلاف، واعتقال مئات الآلاف، تعني هجمة قوية من الثورة المضادة وهو الأمر الذي لم يحدث في مصر حتى الآن. ولكن هذا لا يعني أن قوى الثورة المضادة لا تستعد الآن لتوجيه مثل هذه الضربة للثورة. فدولة مبارك لاتزال قائمة – وغير صحيح أنها كانت دولة مدنية- دولة مبارك دولة طائفية حتى النخاع،  بكل مؤسساتها الشرطة، الجيش، المؤسسة التعليمية، بكل أجهزتها هي دولة قائمة على التمييز والطائفية إلى جانب كافة صور الفساد والاستغلال المعروفة. وحتى الآن لم تتغير تركيبة هذه الأجهزة، فإقاله طنطاوي أو عنان من الجيش واستبدالهم برئيس المخابرات هذا ليس تغييراً. والجيش لا يزال يسيطر على مصالحه الاقتصادية ولايزال يحتفظ بنفس تركيبته والحقيقة أنها إنعكاس لتركيبة المجتمع ذاته، فالجنرال هو رجل الاعمال الثري والعسكري هو المواطن المصري الفقير.

وأوضح نجيب أن التغييرات الاقتصادية التي حدثت في عصر مبارك مثل سياسات الخصخصة تزامناً مع خروج الدولة من الخدمات الصحية والتعليمية والمرافق ومن كل الخدمات الاساسية للمواطنين، عملت على تأجيج الطائفية. لأن مع غياب دور الدولة بحث المواطن عن البديل، فكان البديل بالنسبة للقبطي الكنيسة وللمسلم الجامع. تلك هي المؤسسات التي استطاعت ان تقوم بدور الدولة مما أدي إلى نشأة جدار ما بين الأقباط والمسلمين، بعد ما كانا يتلقيان الخدمات بشكل مشترك أصبحا منفصلين تماماً. هذا الانتقال الذي جوهره اقتصادي اجتماعي تحول إلى صراع على الهوية. فبسبب ضعف الارتباط بهوية المواطنة أو الارتباط الطبقي أخذت الهوية الدينية في التنامي، وهو أمرٍ مفيد للطبقات الحاكمة وللمتربحين من النظام. لذلك فإن الثورة المضادة دائماً ما تركز على الاقليات بمختلف انواعها لأنها الفئة الأضعف، فالنظام لا يستطيع مواجهة مليون متظاهر في التحرير، لكن يمكنه ضرب عشرة آلاف قبطي أمام ماسبيرو وبأقذر الأساليب. إن ما حدث  في ماسبيرو أمرا لم نره في عصر مبارك وهو نوع من التحريض الطائفي المباشر. والإعلام يحرض بشكل مباشر مدفوعاً من الدولة وبالفعل نزل السلفيون إلى ماسبيرو. إن ضرب الاقليات دائماً ما يجعل الجماهير ذات الوعي المتأخر  تعتقد أن المشكلة في وجود الأقليات وانها ليست ازمة دولة او نظام، لهذا سيستغل هذا الامر دوماً من قبل الثورة المضادة.

وختم نجيب كلمته قائلاً: يجب التأكيد على أهمية العلاقة بين التحرر الاقتصادي والتحرر الاجتماعي. فالعمال بينهم أقباط ومسلمون، رجال ونساء، وأسهل شيء يفعله صاحب العمل هو تقليب الرجل ضد المرأة أو المسلم ضد المسيحي. ومن الناحية الثورية لن تنجح الثورة دون تحرك كل القطاعات المضطهده والحديث عن إنجاز العدالة الاجتماعية اولاً ثم بعدها ستحل مشاكل الأقليات تلقائياً أمرأ خاطئاً. هناك دور رئيسي لشباب الأقباط ودونه لن تكتمل الثورة، لأن سلاح تقسيم المواطنين على أساس ديني هو سلاح تستخدمه الثورة المضادة ضدنا.

ثم تحدث كمال زاخر فبدأ بأنه يريد الحديث في هذه القضية بعيداً عن كونه مسلم او قبطي، ولكن بصفته مصري. وأضاف أن ثورة 25 يناير بمثابة الزلزال الذي وضع نقطة نهاية للجمهورية القديمة، لكن حتى الآن لم تتشكل الجمهورية الجديدة بعد، ولازلت محل جدال واسع. فالقادمون الجدد أياً كانت توجهاتهم، سيهدفون فقط إلى تحقيق مكاسب سريعة وكبيرة في أقصر فترة ممكنة، وهذا الأمر غالباً ما سوف يتسبب في وقوع حوادث، وهذه الحوادث عادة ما تصيب الأقليات.

وأوضح زاخر أن هناك مشاكل يعاني منها الأقباط وهناك حالة من حالات الترصد بلا شك، لكنها ربما لا تكون ممنهجة أو منظمة، أي أنها ليست آتية من الدولة بالمعنى الواسع للدولة. لكن بالطبع هناك مشاكل تواجه الاقباط ولن يتم حلها إلا بالاعتراف بها أولاً. والحقيقة أن مطالب القبطي الفقير هي نفس مطالب المسلم الفقير، فالقضية واحدة، القضية اجتماعية اقتصادية وليست قضية دينية على الإطلاق.

وأكد زاخر أن الازمة التي تواجه الأقباط هي أزمة التعامل معهم بصفتهم أقباط وليس بصفتهم مواطنين مصريين. إلى الآن لم يحدث تغيير فعلي لأن النظام ليس رئيس الجمهورية فحسب، هناك الصفوف التالية التي لاتزال كما هي. نحن نمر بمرحلة انتقالية، مرحلة صراع في كل أجهزة الدولة بين النظام القديم وبين الثورة. لذا يجب على الشباب إدراك أننا في مرحلة مرتبكة ويجب التعامل معها بهدوء وموضوعية ومن أهم هذه المقومات وضع المشكلات في حدودها الحقيقية. لذا يجب ألا ننشغل بقضايا الأقباط كونهم أقباط، ولكن كونهم مواطنين مصريين. يجب أن نعمل معاً من أجل إرساء قيم الدولة المدنية الحقيقية وقيم الحرية. مشكلات الأقباط لها حل بالقطع، لكن هذه الحقوق لن تنتزع بمعزل عن قضية المواطنة.