بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ساحة سياسية

المأزق اللبناني ..

عندما يسقط المواطن من أجندة الساسة

لا تختلف أولويات المواطن اللبناني في جو الانتخابات الحالي كثيراً عن اهتمامات أي مواطن في أي بلد آخر. فمصالحه تكمن في قضايا عيشه اليومية ومحاولة تأمينها، أما الحديث عن السياسة الخارجية والعلاقات الخارجية للدولة فهي لا تندرج على رأس القائمة، وتبقى الهواجس حول الأمن وغلاء المعيشة، وارتفاع أسعار البنزين والمازوت، وانقطاع الماء والكهرباء، تحرك المواطن في رؤيته للمستقبل بعد الانتخابات الرئاسية.

من ناحية أخرى فالمواطن اللبناني لا ينتخب الرئيس مباشرة، بل ينتخب مجلس نيابي ويولي أحزاب سياسية للإدلاء بصوته.

إن الحوار السياسي القائم بين الطرفين والذي أدى حتى الآن إلى فراغ سياسي في سدة الرئاسة اللبنانية لا يحتوي في أجندته على قضايا ومشاكل المواطن العادي. يتجلى هذا بوضوح في المواصفات المطروحة للرئيس الجديد والتي تركز على ماضيه السياسي وعلاقاته بالأمريكان والسوريين، وبتقربه من بكركي (مقر الكنيسة المارونية)، ولكن ماذا عن مدى قربه من قضايا الشعب التي هي في تدهور ملحوظ؟ ماذا عن مشروعه الإصلاحي، عن سياسته الاقتصادية / السياسية، عن خبرته في هذه المجالات؟ لا جواب.

طبعاً تفاصيل القضايا المعيشية تعالج في مجلس الوزراء، ولكن رئيس الدولة اللبنانية، وإن قد ضعفت صلاحياته بعد تعديل الدستور في مؤتمر الطائف، مازال يلعب دوراً أساسياً وقيادياً في إصلاح البلد جنباً إلى جنب مع الحكومة والبرلمان.

إن الخطاب السياسي في المنابر الإعلامية يختلف عن الخطاب اليومي الشعبي الذي يحكيه الناس، سائقي التاكسي، البقال، النادل. الخطاب اليومي للمواطن العادي محوره الكهرباء التي مازالت في انقطاع يومي ولا شيء يدعو للتفاؤل،و سعر المازوت الذي ارتفع وهو مادة أساسية للتدفئة في فصل الشتاء في المناطق الفقيرة والمناطق الجبلية.

للأسف هناك فجوة بين مطالب المواطن ومصالح الأحزاب التي تمثله في البرلمان. والإعلام يقع أيضاً في هذا الفخ، فهو يكرس إمكانياته ومنابره للسياسة ويبتعد عن أخبار المواطن العادي.

على سبيل المثال هناك تركيز في الإعلام وحديث الساسة بعد حدوث الفراغ عن “الإحباط في المجتمع المسيحي” والانقسام بسبب عدم وصول رئيس مسيحي إلى السلطة حتى الآن، وعن الخوف من إضعاف دور المسيحيين السياسي في لبنان. لكن هذا المجتمع المسيحي الذي يقطن معظمه في المناطق العالية، هل أحد يتساءل إذا كان سوف يبرد هذا الشتاء، كغيره من فقراء الريف بسبب ارتفاع سعر المحروقات؟

في سياق آخر يتركز الحديث اليوم حول فشل التسوية وعن إمكانية بروز مواقف أو مبادرات سياسية جديدة حتى يمكن الوصول لتسوية. والسؤال المطروح هل هناك خلل في فهم المشكلة؟ لهذا السبب الآليات المطروحة لن تجد سبيلاً للحل؟ إن مصطلح التسوية ليس دقيقاً، المطلوب مصالحة بين الفريقين السياسيين، ومحاولة ردم الهوة بينهما على المستوى الخطابي والشعبي والسياسي والثقافي.

فعوضاً عن التركيز على مواصفات الرئيس وقلبه الكبير الذي يحوي جميع الأطرف، ومهاراته الجمبازية (الصورة وكأنه يجب على الرئيس الوقوف والمشي على خيط رفيع يفصل بين عالمين متناقضين، والكل خائف وينتظر في أي طرف/فريق سيقع)، يجب على الطوائف اللبنانية أن تتصالح وتتحاور.

إن العقدة الداخلية اليوم متعلقة بعلاقة الطوائف في السياسة والدولة. الدستور ليس قادراً على الحل، وسوف يكون هناك إخراج دستوري لأي حل ترتضيه الطوائف، والانتخاب أيضاً ليس حلاً بحد ذاته فهو يأتي نتيجة الحل ولا وقت لكي نعطي الثقافة الديموقراطية حجم أكبر من حجمها الطبيعي، فإن ثقافتنا طائفية حتى الآن. حتى العسكر غير قادرين على الحل السياسي فهم يتمكنون من ضبط الأمن، ولكن عسكرية سياسية (أي انتخاب قائد الجيش لسدة الرئاسة) ليست كافية لملء الفراغ.

إن الفراغ السياسي اليوم يجسد عدم اتفاق الفريقين الأساسيين في لبنان، وهو يوضح أكثر مستقبل المرحلة بحيث أنه إن لم يتم التوافق بين اللبنانيين فسوف يحاول فريق ملء الفراغ لوحده، وندخل في لعبة الإلغاء السياسي والتحول من صراع لا عنفي إلى مواجهة في الشارع. هذه المواجهة بدأت ملامحها تظهر في شوارع طرابلس، خصوصاً وأن هناك أطرافاً على هامش الصراع قد تغتنم الفرصة لمزيد من الفوضى خدمة لمصالحها.

أخيراً عندما نتمعن في قراءة الدستور اللبناني يتضح أن الميثاق الوطني المبني على التوزيع الطائفي جاء كخطوة انتقالية / مرحلية في أوائل القرن الماضي.

لقد أتى مؤتمر الطائف ليكرس من جهة هذا النظام الطائفي، ومن جهة أخرى ليقر باتخاذ إجراءات لتحقيق إلغاء الطائفية السياسية وفق خطة مرحلية، وتشكيل هيئة وطنية برئاسة رئيس الجمهورية.

في عهد الوصاية السورية تم استعمال الطوائف لتحقيق السيطرة في إطار سياسة فرق تسد. أما اليوم فعلى النظام الطائفي أن يخرجنا من الفراغ أولاً، ولكن يجب علينا الاعتراف بالمشكلة الطائفية وموجة تطييف كل شيء في البلد والسعي لحلها. حتى المباديء الوطنية كالمقاومة وسلاحها وعلاقتها بالدولة اندرجت في الصراع الطائفي، كأن المسألة هي فريق / طائفة مسلحة ضد طوائف أخرى وهذا تحريف للواقع ولفكرة المقاومة ضد الاحتلال.

على عاتق الرئيس الجديد مهمات ومشاريع ليست مدرجة حتى الآن في أجندته أو بروفايله للأسف الشديد.