بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

أنفلونزا الطيور

لم تكد الأنباء تتوارى عن الانتشار المفزع لمرض الالتهاب الرئوي “سارس” حتى كثر الحديث عن أنفلونزا الطيور باعتبارها الخطر الوبائي المحيق بالبشرية. يشير فادي عوض إلى أن هذا الخطر هو مهدد أساسا لفقراء العالم.

أنفلونزا الطيور هي مرض يصيب الطيور فقط، وأحيانا الخنازير، وذلك نتيجة للإصابة بسلالات معينة من فيروس الأنفلونزا (A). ورغم أن المرض محصور في الطيور والخنازير إلا أنه بشكل دوري يتغير الفيروس ويصبح قابلا إلى الانتقال للإنسان. وأحيانا يتحول إلى وباء عام ينتشر على مستوى العالم، إذا ما ارتبط انتشاره بظهور فيروس أنفلونزا جديد لم يكن جسم الإنسان قد تعرض له في السابق. وقد تم اكتشاف هذا المرض لأول مرة في إيطاليا سنة 1878 في الدجاج وسمي حينها “طاعون الدجاج” لسرعة انتشاره والهلاكات العالمية التي سببها. ثم شهد القرن العشرين ثلاثة جوائح عامة انتقل فيها المرض إلى الإنسان بشكل وبائي، حيث مات من 40 إلى 50 مليون شخص على مستوى العالم في عام 1918 بسبب ما عرف باسم الأنفلونزا الأسبانية وهو نوع من فيروسات الأنفلونزا الوبائية تطور بصورة مختلفة حتى عام 1957 ليعرف بالأنفلونزا الآسيوية. وحدثت العدوى في بدايتها في الصين وتسببت بوفاة 70 ألف شخص في الولايات المتحدة فقط، ثم انتشر بين البشر بصورة وبائية للمرة الثالثة في عام 1968 وعرف باسم أنفلونزا هونج كونج. بينما حدثت هلاكات عالية بين الحيوانات خلال العشرين سنة الماضية في أستراليا عام 1975 وانجلترا في عام 1978 وأمريكا عامي 1983-1984 وأيرلندا في نفس العام، وباكستان في عام 1994، أما في جولته الأخيرة فقد ظهر المرض بشكل وبائي في هونج كونج عام 1997-1998 و2003 وفي كوريا في ذلك العام. وشهد عام 1997 عودة لإصابة الإنسان بالمرض حيث سببت السلالة H5 N1 حدوث 18 حالة منها 6 وفيات.

وقد أعلنت منظمة الصحة العالمية أن تفشي هذا الفيروس كان الأكبر والأشد منذ منتصف عام 2003 بين الدجاج. وفي ديسمبر 2003 تم العثور على حالات عدوى بشرية بين أولئك الذين تعرضوا للطيور المريضة. ويضيف بيان منظمة الصحة العالمية أنه منذ ذلك الحين تم التأكد مختبريا من حدوث ما يزيد على 100 حالة بشرية في أربعة بلدان آسيوية (كمبوديا، اندونيسيا، وتايلاند، وفيتنام). وقد توفي أكثر من نصف المصابين، وحدثت معظم حالات الوفاة بين أطفال وشباب كانوا أصحاء فيما سبق. ومن المعرف أن هناك 15 سلالة من فيروس أنفلونزا الطيور A تختلف فيما بينها حول شدة إحداثها للمرض، وتشير الدراسات إلى أن السلالة H5N1 هي أكثرها خطورة، لذلك فهي محور الحديث عن أنفلونزا الطيور، أو بمعنى آخر الطبعة الجديدة من الفيروس والمرشحة للانتشار بشكل وبائي. وقد تم عزلH5 N1 لأول مرة من الطيور البحرية في جنوب أفريقيا عام 1961. وتعتبر الطيور البحرية والبرية المهاجرة في مختلف أنحاء العالم بمثابة الحاضن لهذا الفيروس والذي يتواجد في أمعائها ولهذا تشكل هذه الطيور مصدر العدوى الطبيعي حيث يتواجد الفيروس أيضا في كل من لعابها، وإفرازاتها، وفضلاتها. ومن الملاحظ أن غالبية هذه الطيور لا تظهر عليها أي أعراض نتيجة إصابتها بالفيروس، في حين أن انتقال هذا الفيروس من هذه الطيور إلى الطيور الداجنة عن طريق مخالطتها، وهو أمر وارد الحدوث بقوة، يسبب في تفشي عدوى المرض بسرعة بين الطيور الداجنة والتي سرعان ما تموت خلال 24 ساعة. وكان نتيجة إصابة قطاع الدواجن بالفيروس انتشار الوباء منذ منتصف ديسمبر 2003، وقد شملت الأوبئة تسعة دول في القارة الآسيوية وهي: كوريا، وفيتنام، واليابان، وتايلند، وكمبوديا، ولاوس، واندونيسيا، والصين، وماليزيا.

كما ساعدت الطيور المهاجرة الحاملة للفيروس في نقله إلى كل من روسيا، وكازاخستان، ومنغوليا، ورومانيا، وتركيا في بدايات عام 2005. وتجدر الإشارة هنا إلى أن كلا من اليابان وماليزيا استطاعتا السيطرة على المرض تماما مما يؤكد أنه من الممكن السيطرة على هذا المرض في بداياته.

خطر أنفلونزا الطيور على الإنسان

في الحقيقة هناك نوعان من الأخطار تواجه الإنسان من هذا المرض، الأول أن هذا الفيروس قد اكتسب فعليا القدرة على الانتقال للإنسان بعد أن كان محصورا في الطيور، كما أن إصابة الإنسان عادة ما تكون شديدة وسريعة التطور. فبعد أعراض زكام بسيطة يتطور المرض إلى إصابة بالتهاب رئوي حاد يعقبه فشل في العديد من وظائف أعضاء الجسم، وقد وصلت الوفيات إلى نحو 51% من المصابين. أما الخطر الثاني، فيكمن في إمكانية تطور فيروس H5 N1 ليتمكن من الانتقال بشكل أسرع بين البشر. وعلى الرغم من عدم ثبوت قدرة الفيروس على الانتقال من إنسان إلى آخر، إلا أن هناك العديد من الحالات التي يعتقد أن الفيروس قد تمكن فيها بالفعل من الانتقال بين إنسان وآخر.

تحول المرض إلى جائحة

الجائحة هي الكلمة المنتشرة كثيرا هذه الأيام في الحديث عن أنفلونزا الطيور، ويقصد بها تحول المرض من شكل الإصابات الفردية أو المحدودة إلى التوسع والانتشار ربما في كل مناطق العالم. وهذا متوقع بالطبع مع أنفلونزا الطيور، فالفيروس الجديد H5 N1 ينتقل بين البشر عن طريق التنفس مما يساعد على انتشاره بصورة كبيرة جدا خاصة مع تطور وسائل المواصلات وكثرة الانتقال الدولي، والذي لا يمكن حظره إلا في فترات زمنية محدودة.

ويعتقد الباحثون بالأساس أن الفيروس قد يستطيع الانتقال بسهولة بين البشر بإحدى طريقتين: 1- في حالة إصابة الإنسان بفيروس أنفلونزا الإنسان وأنفلونزا الطيور بنفس الوقت، فيحدث تبادل جيني بين هذين الفيروسين ونتيجة لذلك يتكون فيروس أنفلونزا جديد قادر على الانتقال بسرعة وكذلك على إحداث الجائحة. 2- بشكل متدرج من عمليات الطفرة التكيفية عن طريق العدوى المتلاحقة للإنسان فتزيد قدرة خلايا الفيروس بالارتباط بالخلايا البشرية وهنا يتكون فيروس قادر على إحداث إصابات خطيرة ولكن أقل من الطريقة الأولى.

أنفلونزا الطيور والفقراء

حذر بنك التنمية الآسيوي والبنك الدولي ومنظمة الصحة العالمية من الخسائر الفادحة التي ستنجم عن انتقال أنفلونزا الطيور للبشر بشكل وبائي. وقدر البنك الدولي هذه الخسائر بنحو 800 مليار دولار مشيرا إلى أن الخطر الأساسي هنا سيكون في تغيب العمال عن عملهم. ورغم المحاولات الكثيرة لإظهار أن المرض مرشح للانتشار في كل مناطق العالم بما في ذلك المناطق الغنية، فهناك نوع من التعتيم يحيط بالفئة التي سيصيبها المرض أساسا وهي فئة العمال الذين يتعاملون مع الطيور المصابة بشكل مباشر وقد يصل في الكثير من الأحيان إلى حد مشاركتهم المسكن والمنامة.

وحتى هذه اللحظة فإن الوسيلة الأكثر إتباعا لمحاربة المرض هي التخلص من الطيور المصابة بدلا من توفير اللقاحات الواقية من المرض، وذلك رغم انعقاد العديد من المؤتمرات الطبية والسياسة لمناقشة كيفية الحد من انتشار هذا الفيروس. وهذا بدوره يثير الشكوك، حيث أن المصادر الطبية والخبراء يؤكدون وجود نوعين من اللقاح كان من الممكن الإفادة منهما في هذه الأزمة، لكن شركات الأدوية الكبرى في الولايات المتحدة قد أوقفت إنتاج هذه الأدوية بحجة أن هناك شكاوى طبية منها. ولا يخفى على أحد دور مافيا الدواء ورغبتها بالانتفاع بأقصى صورة ممكنة من الأزمة حتى ولو بتأجيل إيجاد حل للكارثة المحيقة بالبشرية وانتظار اللحظة التي تمكنها من تحقيق أكبر مكسب ممكن، في حين تسعي بعض شركات الدواء الهندية لتطوير مصلا واقيا ضد الأنفلونزا.

هذه المحاولات تتم قبل الانتشار الفعلي للمرض، لكن ومع انتشاره فلعل الرأسمالية العالمية ستتعامل معه بالطريقة التي تعاملت بها مع جائحة الأنفلونزا في عام 1918 عندما انتشر الوباء بين عمال المناجم في أفريقيا وكان الخيار عزل الأفريقيين المرضى في الحجر الصحي كما يؤكد ثونتون المؤرخ الاجتماعي الشهير. هكذا تعاملت الرأسمالية مع الوباء في 1918، وها هي تعلن اليوم أن الخطر في انتقال المرض يأتي أساسا من كثرة السفر عبر الدول خاصة بين هذه الطبقات العاملة والمسئولة عن انتشار المرض بين الطبقات الأخرى. وهكذا قد يؤدي انتشار أنفلونزا الطيور إلى موجات جديدة من العنصرية في مواجهة العمال المهاجرين.