بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ساحة سياسية

بين السطور

«نعم للدستور».. بين هستيريا الإعلام ودموية الثورة المضادة

تفوقت حملة الإعلاميين المسعورة لإقناع الشعب بالتصويت على دستور 2013 وبامتياز على حملة الإخوان المسلمين العام الماضي لتمرير دستور 2012، بل على كل الحملات الإعلامية المسعورة الأخرى التي توعدت بقدوم يوم القيامة مبكرا إذا لم نشارك أو نقول “نعم” في كل الاستفتاءات والانتخابات التي جرت منذ اندلاع ثورة في 2011.

ويعتمد سُعار وتهديد ووعيد صوت حال السلطة – المعروفين بالإعلاميين – على قوة دفع الموجة الإرهابية التي تقودها الدولة ضد أنصار جماعة الإخوان، وتستهدف في أساسها دفن البقية المتبقية من أى مكاسب لثورة 25 يناير وقمع جيل من الثوار. وبدورها فإن حملة الإعلاميين ونبرتهم الساخنة تصب الجاز على نار الثورة المضادة وتبرر كل جريمة جديدة يرتكبها النظام.

وللأمانة، فإن بعض الإعلاميين يعتمدون أحيانا على أسلوب لإقناع الناس بـ”نعم” لا يقوم فقط على الإرهاب الفكري، بل يمزج بانتهازية بين الترغيب والترهيب، ولكن بالطبع يميل هذا التكتيك في النهاية إلى التوعد باستخدام “الجزمة” ضد المعارضين سواء إخوان أو “الطابور الخامس”.

وستكفي هنا بعض الامثلة، لأن الكاتب يخشى على القراء (وعلى نفسه قبل القراء) من الإصابة بالغثيان أو التخلف العقلي إذا استطردنا في الاكاذيب وألاعيب الإرهاب الفكري لإعلاميي السلطة، والتي تفوق في عددها في أي نصف ساعة على الهواء قنابل الغاز التي أطلقها محمد إبراهيم في الشهور الخمسة الماضية.

في حوار إنساني وعاطفي أجراه مقدم البرامج (اليساري) يوسف الحسيني مع “المناضلة الناصرية” المستشارة تهاني الجبالي في برنامجه “اللي اسمه مش على مُسمى: السادة المحترمون”، استهل الحسيني اللقاء بالتأكيد على أنه رغم بعض التحفظات علي بعض المواد (لم يفُنط تلك المواد!) إلا أن المُنتَج النهائي أعظم من دستور الإخوان بجدارة. ثم قام الشاب اليساري (الابن البار ليسار الدولة) بتقديم الشكر، أولا للجنة الخمسين، ثم عمرو موسى الذي استطاع “تسهيل التوافق بين أعضاء اللجنة، قبل أن يوجه التحية الخاصة لحزب النور السلفي على وطنيته، وهم نفس الرجعيين الانتهازيين الذين أراد الحسيني فقط منذ أسبوع واحد إرجاعهم جحور الظلام التي زحفوا على ذقونهم منها.

وبعد الحديث عن أن الدستور يعني أن “شمس جديدة تشرق في سماء الوطن”، التقطت تهاني الجبالي خيوط كلمات الحسيني، المُنبهر برونق ودقة ديابجة مادة المحاكمات العسكرية لأي مدني تسول له نفسه أن يهاجم الجيش، وذكّرت سيدة القانون الحسيني بحتمية استخدام النظام الرأسمالي الحلول الدموية الصرفة في لحظة الثورة المضادة بأمانة وبجاحة: “ماتقولّيش يا يوسف محاكمات والكلام ده، لأننا في الحقيقة محتاجين نعمل زي أيام المماليك ونعلّقهم على باب زويلة و نخلص!”. واستخلصت هنا الفريق تاني تهاني السيسي إعجاب الحسيني (اللي كان مُنكشح على آخره) لينطلق زي رصاصة الخرطوش ليُنهي الدويتو الرومانسي بالإعلان لكل متعطش للدماء من المشاهدين أن “باب زويلة يقدر يشيل كتير”!

وننتقل لـ “الرجل الذي فقد ظله” – المعروف بالصحفي إبراهيم عيسى – والذي قرر أن يكون اللوجو على شاشة برنامجه: 25\30 – الذي يستخدمه ليلياً للتحريض – مُناصفةً – ضد الإخوان والطابور الخامس – (نعم للدستور). وتشعر أن الفنان الراحل عادل أدهم يهددك بالقتل في فيلم الباطنية عندما يعلن إبراهيم عيسى – حرامي حقوق الصحفيين في جريدته “التحرير” – يعلن أن “أي شخص عنده ذرة وطنية، أي شخص يؤيد ثورة 30 يونيو سيصوّت نعم ونعميىن كمان”.

ويؤكد عيسى أن “النزول بالتصويت بـ(نعم) لا يجب أن يكون بالضرورة حباً في مواد الدستور، بل لمجرد وفقط لمجرد كيد الإخوان والأمريكان”. وبسماجة دمه المعتادة، يعلن أن “التصويت الكاسح بنعم يعني (التعليم على) الخونة، بالضبط كده زي ما شيكابالا لاعب الزمالك بيقعد يرقص ويُذل في لاعب منافس بعد لاعب منافس ومابيجيبش جوان – يعني إذلال ومش مهم أي حاجة تانية”!

ثم نقف قليلاً عند الممثل الأول لـ “يسار الدولة” – وللعام الأربعين على التوالي – الدكتور رفعت السعيد والذي شن في حملته (80% مشاركة / 80% نعم) لتأييد الدستور هجوما بربريا على من يرفضون دستور العسكر.

ويكتب الدكتور رفعت – ولمن لا يتذكر فهو العضو المُعيّن في مجلس الشورى من قِبل حسني مبارك في أيامه الأخيرة – يكتب مقالا في “المصري اليوم” يبدأه بتحذير (رفاقي) لحَسِني النية ممن يفكرون بالتصويت بـ”لا” لاعتراضهم على مواد عديدة بالدستور: “حذار من تحول الغضب المشروع (من بعض المواد) إلى موقف غير مشروع فيقول الغاضب «لا» للدستور. وأتوجه إلى إخوتي العمال والفلاحين والمسيحيين والنساء، حذار من «لا» بل «نعم» لأنها تعني وبالدقة لا لحكم الإخوان، ولا للتأسلم ولا للإرهاب. وتعالوا جميعاً لنتناسى الغضب ولنعلن فى بهجة «نعم» لأنها ستؤسس لمصر ديمقراطية حرة عادلة غير متأسلمة”.

ثم يفقد رفعت أعصابه ويُكشر عن أنيابه ويشن هجوما ضاريا وبـ”الشلاليت” وبتشويه التاريخ، ضد الاشتراكيين الثوريين واليسار الذي يرفض دستور الفلول والعسكر – كما رفضنا العام الماضي دستور الإخوان والعسكر.

وبضربة معلم مُخضرم على مدار 30 سنة في التهليل لسلطة مبارك تحت غطاء أن الإخوان “فاشيين”، وبجدارة أستاذ متمرس في تزييف التاريخ لجيل حُرم من دراسة التاريخ، يرفع الدكتور رفعت الآلي في وجه الثوار ويطلق الرصاص:
“أما الآخرون من القوى التى ادعت الثورية، ورفعت أكثر الشعارات ثورية وسخونة، واتخذوا مسميات لا هي منهم ولا هم منها، كمن سموا أنفسهم «الاشتراكيين الثوريين» وهم لا يستحقون أي حرف من هاتين الكلمتين فلا هم اشتراكيون ولا ثوريون، فكيف لاشتراكي حقا أو نصف ثورى أن يعمل فى خدمة المخطط الإخواني، وأذكرهم بأن قديسهم تروتسكى قد فعلها إذ تحالف مع هتلر بينما جيوش النازي تغزو وطنه «الاتحاد السوفيتى» لأنه كان ضد حكم ستالين (وكانت به أخطاء كثيرة) والحجة هي هدم النظام الستاليني، ثم يبدأ تحرير الوطن من النازي. وينتصر الوطن ويهزم النازي ويبقى العار الأبدي في عنق التروتسكيين”.

يا دكتور، بادئ ذي بدء، لا قديسين عند الثوريين. يا دكتور، يا من تُزوّر التاريخ لجيل منعه مبارك ورجاله من دراسته، الثوري الروسي ليون تروتسكي دافع عما سُميَ بـ”اشتراكية” روسيا بعد هزيمة ثورة 1917 وأيد، بناءا على ذلك، الاتحاد السوفييتي ضد الفاشية وهتلر في الحرب العالمية الثانية. إذا كنت أنت اخترت الحكم العسكري كبديل لديكتاتورية الإخوان – فالثوريين من الاشتراكيين الثوريين و6 أبريل وجبهة طريق الثورة وغيرهم يرفضون الديكتاتوريتين ونتمسك بالنضال من أجل مجتمع ديمقراطي عادل. وإذا كنت أنت تُقدس الحكم العسكري فهذا هو زمانك!

لا يتسع المجال هنا للرد الطويل، إلا أني سأستعين بالكاتب الصحفي بلال فضل – أحد الأصوات القليلة التي ما تزال تدافع بإيمان عن 25 يناير في الصحافة التي تغتال الثورة معنويا كل يوم – وهو ينعي إلينا “المناضلين السابقين” قبل مماتهم:
“لكن، يوما ما سيكتشف المثقف أن تبريره لخطايا السلطة لن يؤمّنه هو وسلطته إلى الأبد، لأن ما يؤمّن أي سلطة فى الدنيا ليس إلا قدرتها على تغيير الواقع بشكل ذكي وفعال يُضعف موقف معارضيها دون حاجة إلى مبرراتية ولا مؤيدين، حتى لو كانوا مناضلين سابقين، لأن سكة الاستعانة بأصحاب سوابق النضال «اتهرست في كذا سلطة» ولم تنفع أصحابها أبدا”.

سنحتاج في مواجهة الثورة المضادة الدموية وإعلامها المُحرض على الدموية إعلاما ثوريا. الثوار في حاجة إلى إعلاما ثوريا يدخل كل مصنع ومدرسة وجامعة ومستشفى لتوضيح الحقائق ونظم الصفوف. سنحتاج في مواجهة نظريات ومُنظري الطبقة الحاكمة التي تحارب الثورة في كل المؤسسات التعليمية والصحفية والدينية، نظريات ومُنظرين ثوريين.

سنرفض هذا الدستور يا تهاني وإبراهيم عيسى ويا يوسف الحسيني، ويا “دكتور” رفعت، ونحن نعلم علم اليقين أننا سنكون الأقلية. إلا إننا أيضا نعلم أنها معركة مهمة لتنظيم الصفوف والاستعداد لمعارك قادمة لا محال في حرب طويلة.