بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ساحة سياسية

محمد محمود وخيانة الإخوان:

نتذكر قليلا.. لنفهم كثيرا

مر عامين على اندلاع موجة محمد محمود الثورية، والثورة المصرية تشهد عدة تقلبات تتضح على إثرها معسكرات الثورة والثورة المضادة على حد سواء. وفي الذكرى الثانية لمعارك محمد محمود نستحضر مواقف وأحداث امتدت على استقامتها في مشهدنا اليوم. إننا فقط سنستعرض توابع الأحداث لأن، ببساطة، تاريخ الثورة يصنعه ذاكرتها التي لا تنسى ولا تلين.

نتذكر أن حازم صلاح أبو اسماعيل الذي ادعى بُهتانا مؤازرة مطالب التحرير، لم ينل أبدا شرف تأييد الثوار في مواجهة بطش وقمع نظام لم يسقط بعد، وأن قزامة أدعياء الثورة لم تغفلها عين أمام مد شعبي هائل اجتاح 14 محافظة ليعلن انسحابه السريع، هو وأبناؤه، فور تدهور الأوضاع وخروجها عن الإطار الحرفي لمصالحهم. نتذكر أن قضايا الثورة التي دفع الثوار دما ثمنها لا تعدو سوى ورقة يجيد الجبناء من السياسيين الانتهازيين اللعب بها وقتما وكيفما شاءوا.

ونتذكر أيضا تصريحات صبحي صالح، القيادي بالجماعة، بأن قرار الإخوان في عدم المشاركة بأحداث محمد محمود لم يكن تقديراً خاطئاً، بل “حنكة سياسية”، وكأنها ليست “مصالح سياسية” باتت على وشك اقترابهم من الاستحواذ على السلطة، ليعلن محمود غزلان، المتحدث الرسمي باسم الجماعة، عن منح حصانة للمجلس العسكري، أبناء مبارك، ضد المساءلة مقابل تسليم السلطة، في الوقت الذي تتجرأ النائبة عزة الجرف بمنتهى الوقاحة وتصف ثوار محمد محمود بـ “كلاب الفلول”، ثم اسُتخدام مصطلح “مثيري الشغب” على الموقع الرسمي لجماعة الإخوان المسلمين، وتطاول البلتاجي ليصفهم ب”العناصر الإجرامية” الذين لا علاقة لهم بالثورة أو الثوار مطالبا قوات الداخلية بالتعامل معهم بكل قوة وحسم.

نتذكر، وربما نضحك على تصريحات المتحدث باسم الجبهة السلفية خالد سعيد ووصفه للأحداث بالـ “استفزازات” الهادفة لضرب استقرار البلاد والمؤسسات وعرقلة المشروعية الدستورية لاستفتاء مارس، قائلا: “فتش عن المستفيد”، لنجده اليوم يدعو إلى التظاهر بميدان التحرير إحياءا لذكرى أحداث محمد محمود متعللا ب”خصوصية المناسبة لدى الجبهة التي شاركت في الفعاليات” على حد قوله!

إننا لن ننسى أبدا تعليق المرشد العام للجماعة، محمد بديع، علي معارك محمد محمود بأنها “محاولة من البعض للتأثير علي العرس وإيقاد الفتنة”، لنتأكد أن العرس الديمقراطي والاستقرار السياسي الموعود هو الواجهة القبيحة التي تتستر من ورائها الثورة المضادة لتبرر كل الجرائم المُرتكبة، وهو الغطاء لاختزال انتفاضة الجماهير العريضة من مفهومها الاجتماعي العميق إلى مجرد مطالب سياسية يراهن فصيل سياسي على استحواذها.

سنتذكر أن بيان الإخوان المسلمين الذي جاء تعليقا على أحداث محمد محمود يدعو فيه الشعب المصري بالتيقظ لمحاولات إجهاض الثورة وإعادة إنتاج النظام البائد مرةً أخرى، لترويج دعوته بإجراء الانتخابات البرلمانية التي راهن عليها كثيرا، بأنه الغلاف التجاري لتنكره لكل المطالب الاجتماعية التي دفع الشعب دمه ثمنا لها ومازال يدفع. واليوم يخرج علينا جناب العريان الذي تنكر دوما لشعار “يسقط حكم العسكر” باعتباره “إهانة للقوات المسلحة”، ليحرض أتباعه على رفع نفس الشعار الآن، وهو نفسه مَن حرًض بشكل صريح لاعتداء الإخوان على معتصمي الاتحادية المطالبين بحقيق أهداف الثورة، وقتل العديد منهم.

اليوم وبعد أن فشلت الصفقة وأدرك الإخوان انتهاء مصالحهم، اتهم كل من عصام العريان ومحمد البلتاجي وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي بقتل المتظاهرين في أحداث محمد محمود الأولى ومئات المصابين. اليوم فقط يصرح العريان عقب جلسة محاكمته الأولى بأن السيسي والمخابرات الحربية “هم من قتلوا الثوار في أحداث محمد محمود وبورسعيد والحرس الجمهوري ورابعة، ولابد من محاسبتهم”. اليوم يتوعدون للمجلس العسكري، قائد الثورة المضادة، بعد أن انقلب تحصينه عليهم  وأدركوا أن كل المكتسبات التي حققوها بكراسي فوق دماء الشهداء لم تعد تجدي بظهير شعبي متضائل.

إحياء روح المعارك يذكرنا بالقضاء الذي أخلى سبيل قناص العيون في عهد مرسي، رغم ثبوت جرمه، بأنه نفس القضاء الذي أبرأ كل الضباط وأمناء الشرطة في قضايا قتل المتظاهرين في ثورة يناير، ولا عجب من تبرئة المتهم حسني مبارك وعلى وشك إخلاء سبيله وإطلاقه حرا في الوقت الذي يُحاكم فيه المجرم مرسي ومازال وزير داخليته يرتع خارج دائرة الاتهام. النظام العسكري الحاكم، وهو المجرم الكبير، يحاكم مجرماً أصغر، وهو محمد مرسي، ويحمّله جرائم الثورة المضادة كلها فوق جرائمه هو.

نتذكر أن وزارة الداخلية التي مارست أبشع أنواع العنف والتنكيل بالثوار، مازالت تنقضّ على أهداف الثورة في الإضرابات العمالية بالمصانع والاحتجاجات الطلابية بالجامعات تحت اسم “الحرب على الإرهاب” وتتخذ ذريعة الاستقرار لقمع مد ثوري على وشك الانفجار عاجلا أم آجلا.

نتذكر أن موجة محمد محمود الثورية كانت جزءا من مسار ثوري تخللته أحداث أكثر دموية بدءا من مجلس الوزراء مرورا بقتل معتصمي الاتحادية والهجوم على الاعتصامات العمالية، لكنها أيضا نجحت في تسليم العسكر للسلطة ثم إسقاط حكم الإخوان فيما بعد، وأثبتت أن الشرعية الوحيدة هي إرادة الشعب وليست شرعية ورقة في صندوق يمزقها الشعب بقوة إن لم تحقق أهداف ثورته.

برغم محاولات الخداع المستمرة، إعلاميا وسياسيا، في كل مراحل الثورة، استطاعت الثورة كشف قتلة وسفاحين حاولوا الفتك بها، ولصوص محتالين حاولوا تسلقها وسرقتها. والذكرى الثانية لملحمة محمد محمود تطرح علينا، بكل وضوح، أين تقع معسكرات الثورة القابضة على الجمر والتي تأبى إلا أن تنتزع كافة مطالبها في العيش والحرية والعدالة الاجتماعية.. معسكرات الثورة التي ربما لا تتمتع اليوم بالظهير الشعبي في ميادين مصر كما كان الوضع في موجات سابقة من الثورة، في ظل تأثير الثورة المضادة على قطاعات واسعة من الجماهير بضباب “الحرب على الإرهاب” وزيف وكذب انحياز العسكر وحكومة السيسي لمطالب الثورة.. لكن الأمر لا يدوم كما هو عليه دائما.. والجماهير التي علمتنا الكثير في الماضي، ستعلمنا المزيد في المستقبل.