بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

انتفاضة بدو سيناء.. تكشف المستور

أدى تحرك قبائل سيناء ضد سياسة العنف والتنكيل والقمع المتبعة معهم إلى لفت الأنظار إلى واقع مخالف تماما لذلك الذي عمل نظام مبارك على تصديره وترويجه عن شبه الجزيرة لعقود. فلم تخجل حاشية هذا النظام أبدا من ترديد أن سيناء هي ثمرة نجاحات الحكومات المصرية المتعاقبة، سواء على مستوى استرداد الأرض أو تعميرها أو جذب المستثمرين والسائحين إليها. أما الهدف الموجود نصب أعين كل هؤلاء فقد كان على الدوام « خدمة أبناء هذا الوطن»!”

ورطة النظام

فجأة وبدون سابق إنذار، سوى بديهية طفح الكيل في لحظة ما، يتظاهر ويعتصم حوالي أربعة آلاف سيناوي لمدة أربعة أيام متصلة، في أعقاب إطلاق الشرطة للنار على اثنين من البدو (قبيلة السواركة) والتسبب في قتلهما. وتتردد أنباء حول طلب المتظاهرين من جيش دفاع العدو الإسرائيلي بالسماح لهم بالدخول إلى الأراضي المحتلة كلاجئين أو تمريرهم إلى دولة ثالثة. هذا بالإضافة إلى سدهم للطريق تماما من قرية الماسورة (غرب رفح) إلى قرية المهدية (جنوب رفح)، أي مسافة 3 كيلومترات، الأمر الذي يعني عمليا محاصرة معسكر القوات الدولية الموجود بتلك المنطقة. فضلا عن إغلاق معبر العوجة الحدودي بوسط سيناء -المعبر الذي يستخدم في تمرير الصادرات المصرية إلى العدو الإسرائيلي والواردات الإسرائيلية إلى مصر- بواسطة مسلحين وباستخدام شاحنات.

أمام هذه السابقة القادرة على زلزلة صورته محليا وإقليميا وعالميا، لم يجد النظام مناص من التراجع، بدءاً بإرسال نواب من الحزب الوطني وأعضاء من مجلس الشورى، إلى اعتراف المسئولين بوجود تجاوزات أمنية، انتهاءاً بتغييب وزارة الداخلية تماما عن عملية التفاوض وتكليف «جهاز أمني آخر رفيع المستوى» بإدارة الحوار مع القبائل، التي رفضت التعامل مع أجهزة الشرطة. وبين عشية وضحاها تغيرت صورة المواطن السيناوي، التي حصرت في خمس اختيارات لا سادس لهم لسنوات مضت. فلم يعد السيناوي إما تاجر المخدرات أو المهرب أو العميل أو الإرهابي أو جميعهم معا. وأصبحت مطالب قبائل سيناء مشروعة تماما ومشاعرهم وطنية صرفة والأحداث المتصاعدة من 25 29 إبريل الماضي ليست سوى «زوبعة في فنجان» سببها اختلاف التقاليد والعادات البدوية!

لكن هذا النوع من الأكاذيب لن ينطوي على أحد هذه المرة. فالأحداث جسام، والاحتقان واضح، وورطة النظام ملموسة. فبعد استبعاد جهاز الدولة الرئيسي الفاعل في سيناء والمتمثل في وزارة الداخلية من المفاوضات التي استهدفت تهدئة القبائل الثائرة، كيف لأحد أن يصدق أن «مصلحة المواطنين» كانت أبدا على أجندة هذا الجهاز. وبعد طلب الحكومة لمهلة 60 يوما لتلبية مطالب القبائل على إثر تلويحهم بورقة الضغط «إسرائيل»، كيف يمكنها أن تدعي بعد ذلك حرصها على «الأمن القومي»؟

الواقع، هو أن شبه جزيرة سيناء هي أفضل نموذج يجسد مدى قمع واستغلال وعنصرية نظام مبارك. فالمواطن السيناوي حاله كحال السواد الأعظم من فقراء مصر من حيث ضيق الحال وقلة موارد الرزق، لكنه أيضا يعاني من الخصوصية التاريخية للمكان الذي يقطنه، والتي تجبره على العيش داخل دائرة لا تنتهي من الاشتباه الأمني.

دور الدولة في سيناء

لعل أبلغ قصة تجسد الدور الذي تلعبه الدولة المصرية في سيناء هي ذاتها الواقعة التي لعبت دور المفجر للأحداث الأخيرة. فقد أظهرت التحقيقات أن المجني عليهما خليل سليم سلمي وسليمان حسين حميد لم يقتلا نتيجة للاشتباه في كونهما مهربين، نظرا لركوبهما سيارة لا تحوي لوحة معدنية، كما ذكرت مصادر الداخلية في البداية. فإطلاق الرصاص كان على يد قوة تأمين موكب محافظ شمال سيناء وزوار منطقة الوسط، وليس أي جهة أمنية منوطة بإلقاء القبض على المهربين. أدى ذلك إلى ترك المصابين حيث كانا في العراء والاستمرار في خطة تأمين الموكب المجهز لاحتفالات «اليوبيل الفضي» –مرور 25 عاما– لتحرير سيناء. ببساطة، الحكومة تتخلص من «الواغش» كي تقيم احتفالاتها بالنصر «على نظافة»!

هذا النوع من القتل بدم بارد ليس بجديد، ولكنه جزء لا يتجزأ من سياسة اضطهاد منظمة ترى في سيناء منتجع سياحي وفي قبائل سيناء مطاريد. فقد أعلنت مديرية الأمن بشمال سيناء عن مقتل 30 شخص من المطلوبين أمنيا والهاربين في جبل المغارة وجبل الحلال (المأوى التاريخي للمطاريد من تجار المخدرات والسلاح بوسط سيناء، والمكان الذي تحول بعد تفجيرات طابا إلى ملجأ للهاربين من تهم الإرهاب) على أثر مداهمات واشتباكات أمنية حتى تاريخ مايو 2006. وبالطبع، أجهزة الأمن دائما ما تقتطع من الأرقام الحقيقة لتأكد على أياديها البيضاء. أما بالنسبة للأحكام الصادرة غيابيا فحدث ولا حرج، حيث أن الثلاث قبائل المشاركة بشكل أساسي في الاعتصام وحدها –السواركة وطرابين والتياهة– تطالب بإعادة محاكمة 200 شخص. كل ذلك فضلا عن سياسة العقاب الجماعي التي أبتدعها العدو الإسرائيلي والتي يطبقها النظام المصري بحذافيرها مع بدو سيناء مع حدوث أي تفجير، بالاعتقال العشوائي وتوسيع دائرة الاشتباه. تلك السياسة التي أسفرت عن إلقاء القبض على 3000 شخص ما بعد تفجيرات طابا في أكتوبر 2004.

عزلة البدو وغضبهم

في الأغلب لا تكون الأرقام كاشفة بالقدر الكافي لمدى معاناة الناس تحت وطأة الفقر وانعدام الخدمات. لكن في حالة بدو شمال سيناء فالوضع أسوأ بكثير لعدم توافر القدر الكافي من المعلومات من الأصل. استنادا إلى القليل المتوافر بتقرير التنمية البشرية لعام 2005 نجد أن 21% من بدو شمال سيناء يعيشون بلا أنابيب مياه نقية وصرف صحي. أما بالنسبة لباقي سكان الشمال، بحسب تصريحات محافظ شمال سيناء اللواء أحمد عبد الحميد لجريدة الوفد بتاريخ 30 إبريل الماضي، «مياه الشرب 3 أيام موجودة و3 أيام مش موجودة». بصرف النظر عن وقع حديث المحافظ عن أمر بالغ الأهمية كالبنية التحتية وكأنه خبير أرصاد جوية يتتبع عملية هطول الأمطار، تتجاوز الظروف المعيشية لبدو سيناء حدود مسؤولية الأفراد.

فالاضطهاد منظم وشديد الفجاجة ويصبح جليا بمقارنة الأوضاع في جنوب سيناء، حيث منتجعات الأكابر (شرم الشيخ ودهب والغردقة)، بشمالها، حيث البدو المصريين. ففيما يخص نسبة الوحدات الصحية إلى عدد السكان: توجد 21 وحدة صحية لكل 100 ألف مواطن بالجنوب، بينما لا يتجاوز عدد الوحدات الصحية لنفس العدد 4.5 وحدة صحية بالشمال. وفي الوقت الذي تصل فيه نسبة المتسربين من التعليم الابتدائي والإعدادي بالجنوب إلى 7.5%، تزيد النسبة عن 66% في الشمال.

وفي عودة لكلام سيادة المحافظ، الذي برر تردي الأوضاع المعيشية -على حد قوله- بشمال ووسط سيناء بـ «الانتفاضات التي لا تشجع المستثمرين على بناء البنية التحتية»، فسواء كان قصده الانتفاضة الفلسطينية الباسلة أم انتفاضة بدو سيناء الأخيرة، تظل النقطة الكاشفة هي تخلي الدولة المصرية عن كافة مسؤولياتها الاقتصادية والاجتماعية، وتركها للمستثمرين، مع اكتفائها بإعادة إنتاج حالة الاستنفار الأمني في سيناء. تجدر الإشارة هنا إلى أن أول تبني للدولة لمشروع تنموي في سيناء جاء في عام 1994، أي بعد مرور 12 عام كاملة على «تحرير سيناء». في ذلك العام ظهر المشروع القومي لتنمية سيناء، بعد طول انتظار، على أجندة النظام وكان من المفترض أن يوفر عائد يقدر بـ69 مليار جنيه وأن يساعد في توطين 2.3 مليون سيناوي بالشمال. بحسب الخطة الموضوعة حينها، كان يتعين على القطاع الخاص أن يتولى مهمة إعمار سيناء وإنعاشها اقتصاديا بتقديم 36 مليار جنيه، وهو ما لم يحدث بالتأكيد، بينما تساهم الدولة بـ 2 مليار فقط! ما حدث في الواقع هو ضخ استثمارات بالبلايين لإقامة مشاريع سياحية –منتجعات وقرى وفنادق– تجعل من بدو سيناء مقدمين للقهوة والشاي البدويين، وفي أحسن الأحوال المأكولات، أو رعاة للخيل والجمال التي يمتطيها السائحين.

كما زاد تجريد البدو من أراضيهم ومصادرتها بهدف بيعها للمستثمرين على طبق من فضة. فعلى سبيل المثال، لا الحصر، قامت وكالة التطوير السياحي بإزالة سبع مخيمات للبدو من على وجه الأرض من أجل إقامة «الريفييرا المصرية» بالجنوب. وفي هذا الصدد، يقول أشرف الحفني، عضو حزب التجمع في سيناء وأحد مؤسسي جمعية الدفاع عن حقوق المواطن السيناوي (الجمعية التي أنشأت في أعقاب تفجيرات طابا بهدف التصدي لبطش أجهزة الأمن) وأحد المشاركين في اعتصام البدو الأخير، إن الدولة اكتفت ببناء الطرق وأنها كانت قد بدأت بإنشاء بعض المدارس وكليتين، هما كلية تربية وكلية زراعة. لكن، كل ذلك توقف تماما لصالح إنشاء مدارس ومعاهد خاصة، تستهدف جذب الناس من خارج سيناء إليها، بالإضافة إلى جامعة خاصة أنشأها حسن راتب، أحد رجال لجنة السياسات بالحزب الوطني الحاكم. أما فيما يخص حجم المتضررين من بدو سيناء من عدم اعتراف الدولة بملكيتهم لبيوتهم ومزارعهم، فيختصر أشرف الحفني الموقف بالقول بإن «جميع بدو سيناء متضررين والاستثناء الوحيد في الشمال هي أرض مشروع أسمنت وسط سيناء، المصنع الذي يقوم بتصدير الأسمنت للعدو الإسرائيلي، وأرضه المملوكة لحسن راتب».

سيناء، ما بعد التحرير، ليست سوى كعكة لمحاسيب النظام، يتملكون الأراضي بأرخص الأثمان ويتمتعون بإعفاءات ضريبية ويقيمون مشاريع تستقطب عمالة لا تستوعب بالضرورة بدو سيناء. أما المهن المحدودة المتاحة للبدو كالزراعة في رفح والعريش، والصيد بالمناطق الساحلية، فلم تقم الدولة حتى بأضعف الإيمان في هذا الصدد. بحسب الحفني، بنك الائتمان الزراعي لا يقدم أي تسهيلات أو قروض للمزارعين، ففي النهاية لا يوجد عقد ملكية بحوزة البدو. أما بالنسبة لحال الصيد، فهو في «غاية السوء» بسبب حظر وزارة الداخلية للصيد بالمناطق المجاورة للمنتجعات السياحية، وتهم التهريب التي أصبحت كالسيف المسلط على أعناق البدو. أما بحيرة البردويل التي كانت مصدرا لرزق العديد من القبائل، فقد حظرت الدولة الاقتراب منها. يضيف الحفني، «نحن لا نأكل السمك فهو غالي جدا علينا. أيام الاحتلال كان سمك الدنيس والبوري بـ 60 قرش و65 قرش».

حقيقة «السيادة المصرية» في سيناء

بعيدا عن طنطنة النظام في احتفالاته على وتيرة «سينا رجعت كاملة لينا ومصر اليوم في عيد»، يروي أشرف الحفني قصة يعرفها جيداً المواطن السيناوي، الذي يصر النظام على التعامل معه باعتباره إما خائن أو خارج عن القانون أو مشروع إرهابي. ففي عام 1969 عرض موشي دايان الحكم الذاتي على زعماء قبائل سيناء. بحسب الحفني، «أراد دايان أن يصبح مشايخ القبائل تابعين لإسرائيل مقابل منحهم حكم ذاتي. وقالوا له ماشي علشان يحدد موعد ويعقد مؤتمر كبير تحضره الصحافة العالمية. وبالفعل كان لهم ما أرادوا وعقد المؤتمر الذي أسماه البدو بـ «مؤتمر الحسنة» في وسط سيناء، ورفض البدو بشكل مفاجيء أمام العالم بأسره عرض العدو الإسرائيلي وأصروا على أنهم جزء لا يتجزأ عن مصر».

بعد هذه القصة وقصص أخرى كثيرة، رفض فيها البدو القبول بالجنسية الإسرائيلية طوال سنوات الاحتلال من 1967-1982، يصر النظام على التعامل مع البدو باعتبارهم غدارين بطبعهم وليس لهم أمان –نفس الشعور الذي أصاب، لا محالة، منظمي مؤتمر الحسنة من الإسرائيليين! فلا يحق للمواطن السيناوي الالتحاق بكلية الشرطة أو الكلية الحربية. أما تقاليد البدو في اختيار شيوخهم -التي أدت في وقت مضى إلى ظهور زعماء تصدوا لمحاولات العدو الإسرائيلي إجهاض حق مصر في سيناء- فقد أصر النظام على إقصائها، بجعل الموافقة الأمنية الشرط الرئيسي لتقلد شيخ القبيلة لمنصبه. يتضح هذا التغيير في هيكل القبائل في واقع عدم حضور غالبية شيوخ القبائل لاعتصام البدو الأخير، فعلى حد قول أشرف الحفني هؤلاء «مع المخابرات والحكومة».

وبسؤال الحفني عن القبيلة التي طلبت العودة إلى الأراضي المحتلة في عام 1999، فيقول إن هذه هي قبيلة العزازمة ذات الجذور الفلسطينية والتي لديها أملاك بمنطقة «بير سبع» بجنوب فلسطين، «أرادوا الرجوع إليها لأنهم مش قادرين يعيشوا والأمن مكفر سيئاتهم». ويضيف حول تعامل الحكومة مع المحررين من الأسرى قائلا، «موسى رويشد اتهم أكثر من مرة بتهم حيازة سلاح وتهريب. أما محمود سواركة، الذي يطلق عليه البدو اسم مانديلا العرب، لأنه قضى حوالي 25 سنة بالسجون الإسرائيلية، فهو يعيش بانتظار الإذاعات الحكومية. فالحكومة لم تمنحه بيت أو عمل ولم تساهم حتى في إيجاد عمل لأولاده أو بناته».

باختصار، حولت السيادة المصرية سيناء إلى منتجعات ومقر لعقد المؤتمرات السيئة السمعة بشرم الشيخ وممرا لغاز وأسمنت يذهب إلى العدو الإسرائيلي، وما يعانيه المواطن السيناوي من عنصرية ما هو إلا نتاج لحرص النظام على أمن وسلامة العدو الإسرائيلي، مع وجود 45 كيلومتر من الحدود المفرغة تماما من الجيش – طبقا لاتفاقية كامب ديفيد.

واليوم، يستمر البدو في حشد قواهم عبر مؤتمرات تطوف سيناء للتأكيد على حقوقهم كمواطنين في تلك البقعة الكاشفة لسياسات نظام مبارك الداخلية والخارجية.