بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

انتفاضة القضاة ومأزق النظام

شهدت الأزمة بين القضاة والدولة تصعيدا غير مسبوق مؤخرا. تشير نور منصور إلى تطورات الأزمة مؤكدة أنها تعبر عن حالة التخبط التي يعيشها النظام المصري الذي يكتسب المزيد من الأعداء يوما بعد يوم.

تأتي الأزمة الأخيرة بين الدولة القضاء لتضيف بعدا جديدا للأزمة الخانقة التي يعيشها النظام الحاكم في مصر، والذي أصبح كثير من الناس يعتبرون أنه في حالة احتضار. ورغم أن الأزمة بدأت قبل ما يزيد عن العام، فإنها شهدت تصعيدا غير مسبوق خلال الأيام الماضية. ويمكن القول أن الخلاف بين القضاة ممثلين في نادي القضاة، الذي يضم نحو ثمانية آلاف قاض، والدولة ممثلة في وزارة العدل وجلس القضاء الأعلى التابع لها، بدأ مع تصاعد ضغط القضاة خلال العام الماضي من أجل إقرار قانون جديد للسلطة القضائية يحقق مزيدا من استقلال القضاء في مواجهة وزارة العدل والمجلس الأعلى للقضاء، حيث يطالب القضاة بأن تكون أغلبية أعضاء المجلس بالانتخاب لا بالتعيي، كما يطرحون ألا يُمد السن لأعضاء الهيئةالقضائية بعد الثمانية والستين، لا السبعين كما يطالب المجلس الأعلى للقضاء.

لكن الأزمة بين القضاة والدولة أكتسبت أبعادا جديدة خلال فترة الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، حينما طالب القضاة بضمانات كافية للإشراف على الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وهددوا بعدم الإشراف على الانتخابات في حالة عدم تحقيق هذه المطالب. لكن الحكومة عزفت عن تقديم تلك الضمانات. وتصاعدت الأزمة خلال الانتخابات البرلمانية في سبتمبر وأكتوبر من العالم الماضي، حينما لجأ بعض القضاة –وأهمهم المستشارة نهى الزيني— إلى فضح عمليات تزوير وقعت في الدوائر التي كانوا يشرفون عليها، وهو ما كان بمثابة لطمة غير متوقعة بالنسبة للحكومة ومزاعمها حول نزاهة الانتخابات.

وما يلفت الانتباه هنا أنه بدلا من السعي للتحقيق في عمليات التزوير المنسوبة إلى بعض القضاة، قامت الحكومة بتأديب بعض القضاة ممن كشفوا تورط زملائهم في التزوير. ومن ثم فقد قرر وزير العدل بناء على طلب من النائب العام تحويل مستشارين ونائبي رئيس محكمة النقض، هما هشام البسطويسي ومحمود مكي إلى مجلس الصلاحية وهو بمثابة مجلس تأديب يضم سبعة قضاة ويترأسه رئيس مجلس القضاء الأعلى التابع لوزير العدل. ويُخوَل مجلس الصلاحية اتخاذ قرار بإحالة هؤلاء القضاة إلى التقاعد أوتحويلهم لوظائف إدارية إذا رأي المجلس أنهم قاموا بانتهاك قواعد المهنة ولم يعدوا مؤهلين للاستمرار في العمل. وكانت التهم الموجهة إلى هؤلاء القضاة هي الإساءة لسمعة القضاء لأنهم أعلنوا أسماء القضاة الذين شاركوا في عملية تزوير الانتخابات، ولأنهم تحدثوا إلى القنوات الفضائية في أمور السياسة. وإزاء هذا الإجراء غير المسبوق في تاريخ القضاء المصري – والذي استدعى إلى ذاكرة القضاة ما عرف بمذبحة القضاة التي وقعت عام 1969 –حينما تم إحالة 127 قاضيا من المعارضين للنظام الناصري للتقاعد— قام القضاة باعتصام في ناديهم بالقاهرة، تلاه أعتصامات تضامنية في نوادي القضاة في الأسكندرية وعدد من المدن.

وكان طبيعيا أن تكتسب حركة القضاة تعاطفا واسعا من قبل الجماهير، خاصة وأن القضاء يعد من وجهة نظر الكثيرين المعقل الأخير الذي لم تستطع الدولة الفاسدة هزيمته بعد. وفي ظل ذلك، بدأت حركة التغيير بفصائلها المختلفة في الإعراب عن تضامنهم مع القضاة، فاعتصم عشرات الأشخاص أمام نادي القضاة في القاهرة.

ولاتزال تداعيات الأزمة بين النظام والقضاة تتوالى، حيث تعرض رئيس محكمة شمال القاهرة لضرب مبرح من ضابطين للشرطة أثناء قيامه بتصوير قوات الشرطة في تعديها على المعتصمين أمام نادي القضاة. وبعد ذلك بأيام قليلة – وتحديدا في 26 إبريل— اندفعت جحافل الأمن بالآلاف في مشهد مهيب –يعتقد من يراه أن القاهرة قد تعرضت لغزو خارجي— وذلك بغرض التصدي لنحو عشرين شخصا عادوا للاعتصام أمام نادي القضاة، واعتدت عليهم بالضرب وألقت القبض على ما يزيد عن عشرة أشخاص، قررت نيابة أمن الدولة حبسهم خمسة عشر يوما على ذمة التحقيق. وكان اليوم التالي هو موعد أولى جلسات المحكمة التأديبية التي عقدت في مقر محكمة النقض، حيث تم تأجيل المحاكمة إلى الحادي عشر من مايو القادم. وفي نفس الوقت جاء انعقاد الجمعية العمومية لنادي القضاة بحضور نحو ثلاثة آلاف قاض، والتي قررت الاستمرار في الاعتصام لحين الاستجابة لمطالب القضاة. وكما كان متوقعا، واجه الآلاف الذين جاءوا للتضامن مع القضاة هراوات الأمن في انتظارهم وألقي القبض على العشرات الذين لم يعرف مصيرهم حتى كتابة هذه السطور.

وإذا تأملنا في دلالات تلك الأزمة، نجد أن أول ما تعنيه أن الدولة لا تدخر جهدا في اكتساب مزيد من الأعداء كل يوم. فهي لم تكتف بمعاداة العمال والفلاحين وقوى المعارضة بمختلف أطيافها، والشباب العاطلين عن العمل، ولكنها سعت إلى اكتساب عداء قطاعات من داخل النظام. ذلك أن القضاة، الذين لا يمكن إنكار مواقفهم الشجاعة العديدة للدفاع عن الحريات الديمقراطية، يظلون في النهاية جزءا من النخبة الحاكمة، ولا يمكن بأي حال اعتبارهم ضمن القوى الجماهيرية الذين لهم مصلحة في التغيير الجذري والذين يمكن أن يتخذوا مواقف حاسمة في الدفاع عن هذا التغيير. ومن ثم فعندما يصل بالقضاة الأمر إلى حد الاعتصام والتهديد بإضراب جزئي، فإن ذلك يعني أن النظام بلغ من القمع درجة لا يمكن السكوت عليها حتى من قبل بعض أجنحة هذا النظام نفسه. أما الدلالة الثانية فهو حد الإفلاس والتخبط الذي وصلت إليه الدولة المصرية في تلك المرحلة. فعندما يتعرض أحد القضاة إلى اعتداء بدني وحشي من قبل جهاز الشرطة، فإن ذلك يعني أن تعامل الدولة مع الأزمات أصبح يتسم بدرجة من الانفلات وعدم القدرة على التمييز. ولذلك يتساءل الكثيرون، ألم يكن من الأفضل أن تسعى الدولة لاسترضاء القضاة عبر تمرير قانون السلطة القضائية الذي يضمن لهم قدرا أكبر من الاستقلالية، بدلا من أن تتخذ سياسة استفزازية تضيف إليها المزيد من الأعداء؟ إن الإجابة المنطقية هي نعم، لكن لو كنا بصدد نظام لم يفقد توازنه. غير أن ما نواجهه الآن هو نظام يسعى باستماته من أجل البقاء، في ظل أزمة اقتصادية طاحنة وفساد وقمع غير مسبوق، وما يولده ذلك من غليان شعبي واسع.

ويمكن القول أن الكيفية التي سوف تنتهي بها أزمة القضاة سيكون لها تأثيرا مهما على حركة التغيير، على الأقل في الأجل القصير. فإذا انتصر القضاة في معركتهم، سيعطي ذلك زخما للحركة ويمثل مصدر إلهام للساعين من أجل التغيير. وعلى العكس لو انتصرت الدولة، فسوف يؤدي ذلك إلى حالة من الإحباط واليأس – ولو مؤقتا— خاصة في ظل المكانة الخاصة التي يمثلها القضاة في نظر القطاعات الأوسع من الشعب، والتي تعتبرهم أحدى القوة المهمة المدافعة عن الحريات. غير أن ما أصبح محل شك كبير من قبل الأغلبية من المهتمين بمصير هذا البلد هو قدرة النظام المصري على الاستمرار في ظل هذا الغضب الشعبي الذي يتصاعد يوما بعد يوم.