بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

انتفاضات الفقراء وحقوق الإنسان

شهدت مصر خلال هذا العام انتفاضات جماهيرية عفوية محلية عديدة، حدثت فيها اشتباكات عنيفة بين الجماهير وقوات الأمن، قتل فيها 6 مواطنين، وجرح المئات، 25 منهم إصابتهم خطيرة، وتم إلقاء القبض على اكثر من 245 شخص.

وقد أصدرت المنظمة المصرية لحقوق الإنسان تقريرا في نهاية شهر سبتمبر حول هذا الموضوع، بعنوان: “الأبواب الموصدة …ومخاوف مرحلة جديدة من العنف الاجتماعي”، رغم الدور التي يلعبه هذا التقرير في فضح الطبيعة القمعية للنظام وتسليط الضوء على هذه الانتفاضات، إلا انه يتعامل مع القمع والعنف الموجه تجاه الحركات الجماهيرية الاحتجاجية على أرضية قانونية، وحقوقية، متجاهلا عن عمد الأرضية الطبقية لهذه الأحداث، وهذا هو جوهر الشر في كل مراكز حقوق الإنسان في مصر.

الصراع الطبقي وتصاعد الغضب الجماهيري
تسعى الرأسمالية المصرية بدأب لدمج نفسها سريعا في الرأسمالية العالمية، الأمر التي يعنى تكثيف الاستغلال لكافة قطاعات الجماهير، من عمال وفلاحين وفقراء مدن، وتخلق هذه الظروف أساسا موضوعيا لتصاعد سريع في الغضب والاحتجاج الجماهيري، رغم أن هذه الاحتجاجات التي تشتعل من وقت لآخر لم تأخذ بعد شكل المقاومة الجماهيرية المنظمة، حيث لا تزال حركة الجماهير تتسم بالعفوية والانفجارات الجزئية والمتفرقة.

ولكن دروس انتفاضات هذه العام كبيرة الدلالة فهي تؤكد بقوة إلى أي مدى وصل الغضب والسخط بين قطاعات واسعة من الجماهير الفقيرة والمضطهدة وهذه الانتفاضات المحلية الصغيرة ترسم لوحة كاملة لبشاعة استغلال النظام الرأسمالي وللقمع الدموي لأجهزة الشرطة.

في قرية دمرو بمحافظة كفر الشيخ في شهر يوليو انتفضت الجماهير الفقيرة بسبب عدم توصيل مياه شرب للقرية ويصف مدرس من سكان القرية الوضع قائلا:”إن مرتبي الشهري 150 جنيها فقط.. اشترى مياه بحوالي 80 جنيها وادفع 100 جنيه إيجار للشقة التي اسكن فيها!! ومع ذلك فالمياه التي نشتريها بأموالنا سيئة للغاية وأنا مصاب بمرض الكبد بسبب هذه المياه التي اشربها مخلوطة بمياه الصرف الصحي ومعظم الأهالي يقومون بغلي المياه قبل شربها خوفا من الموت من العطش” وعندما تحرك الأهالي ضد هذا الوضع واضربوا عن الطعام وتظاهروا مطالبين بالمياه تصدت لهم قوات الأمن بإطلاق كمية هائلة من القنابل المسيلة للدموع والرصاص المطاطي وأصيب اكثر من59 بينهم 9 مصابون إصابتهم خطيرة واعتقلت 42 من سكان القرية.

في الوقت التي تتفاخر البرجوازية فيه بإنفاقها المليارات على البنية الأساسية يموت الفقراء من العطش والمرض -من شرب المياه الملوثة- بالفعل قامت البرجوازية خلال السنوات الماضية بإنفاق اكثر من 230 مليار جنيه على البنية الأساسية ولكن تلك البنية التي تخدم احتياجات وتوسع الرأسمالية من اتصالات وكباري ومد آلاف الكيلومترات من الطرق السريعة بينما لا تزال أحياء وقرى بكاملها في كل محافظات مصر تعيش بدون مياه شرب وصرف صحي وغيرها من الخدمات الأساسية وهذا هو جوهر عملية الاستغلال الرأسمالي فالمليارات من الجنيهات تنفق على الدوام لصالح الأغنياء بينما الملايين من العمال والفقراء الذين يخلقون هذه المليارات بكدحهم يظلون مع ذلك محرومون من الخدمات وتعساء.

وفي منطقة الفواخرية بمصر القديمة وقرية القرنة بالبر الغربي بالأقصر وقرية الجراية بمحافظة الشرقية اشتعلت انتفاضات عفوية واشتباكات عنيفة بين الجماهير في تلك المناطق وقوات الشرطة احتجاجا على أوامر إزالة منازلهم واكشاكهم وقتل في هذه الانتفاضات 4 (من سكان القرنة) وأصيب العشرات من الجماهير بالرصاص الحي لقوات الشرطة بينهم 15 مصاب إصابتهم خطيرة واعتقل اكثر من 134 وتم تشريد سكان هذه المناطق دون الحصول على أي تعويضات.

بعد عملية مقتل عشرات السياح في الدير البحري بالأقصر على يد الجماعات الإسلامية الراديكالية في نوفمبر العام الماضي يمكننا أن نفهم لماذا قررت الدولة سريعا وبعنف إزالة منطقة القرنة بالأقصر فهي قريبة من المناطق السياحية وأغلبية سكانها من الفقراء وهكذا مشروع تطوير القاهرة الفاطمية هو في جوهره إزالة الأحياء الفقيرة من هذه المنطقة الأثرية لاستغلالها سياحيا من ناحية وللقضاء على قنبلة الأحياء الفقيرة التي من المكن أن تنفجر وتهدد السياحة والنظام في أي لحظة فالغضب والسخط من الفقر وتردى أحوال المعيشة بركان من البارود في هذه الأحياء وأغلبية أعضاء الجماعات الإسلامية الراديكالية يسكنون بها.

إن الدولة تسعى إلى القضاء على أحياء الفقراء خاصة في العاصمة والمناطق السياحية فهي تنظر إلى هذه الأحياء على أنها أورام سرطانية يجب استئصالها بأي طريقة وإذا عرفنا أن هذه الأحياء المطلوب إزالتها يسكنها أغلبية سكان العاصمة وإذا أخذنا في اعتبارنا أن ثلاثة قرارات إزالة فقط كي تنفذ اقتضت من قوات الأمن عدد من القتلى وعشرات الجرحى والمصابين أمكننا أن نتوقع اتساع دائرة المواجهة بين الدولة والجماهير الفقيرة لتتحول هذه الأحياء إلى ساحة صراع طبقي دائم بين الشرطة والفقراء ويتم التحضير لبداية المعركة بالفعل هذه الأيام في حي منشية ناصر التي يسكنه اكثر من مليون نسمة.

وفى مدينتي بلقاس (محافظة الدقهلية) والحامول (محافظة كفر الشيخ) في شهر إبريل وأغسطس على التوالي اشتعلت انتفاضتين بسب مصرع مواطنين داخل قسمي شرطة المدينتين نتيجة التعذيب على يد ضباط الشرطة وانتفضت الجماهير الفقيرة وأشعلت النار في رموز الدولة مطالبة بمعاقبة الجناة فعاقبتهم قوات الأمن المركزي وقوات الأمن الخاص وحاصرت المدينتين وحولتهما إلى ثكنة عسكرية وأطلقت كالعادة القنابل المسيلة للدموع بكثافة والرصاص المطاطي واستمرت المعركتين بين الجماهير والشرطة لعدة ساعات كانت حصيلتهما عشرات المواطنين الجرحى والقبض على 78 شخص.

إن الدولة-أي دولة- هي تنظيم للعنف بقصد قمع طبقة من الطبقات والبرجوازية تدافع عن مصالحها وثرواتها بكل قواها فالشرطة والجيش وكبار الموظفين في خدمة الطبقة البرجوازية لأنها الطبقة الحاكمة فعندما تكون هذه الطبقة في أزمة ركود اقتصادي ولا تستطيع تقديم خدمات للجماهير تستخدم القمع بصورة شرسة لصعوبة تكثيف معدلات استغلال الكادحين فعبر القمع وحده يمكن تأمين أرباحها وربما يقل القمع في فترات الانتعاش الاقتصادي عندما تكون الدولة قادرة على تقديم تلك الخدمات بمعنى آخر فإن درجة حدة القمع مرتبطة بحالة الصراع الطبقي بين صعوده وخفوته.

منظمات حقوق الإنسان وتدعيم الرأسمالية
في حين تضع مراكز ومنظمات حقوق الإنسان أمامها مهمة تحسين آلة الدولة يسعى الاشتراكيون الثوريون إلى مهمة تحطيمها والقضاء عليها فهذه المنظمات تلعب دورا مزدوجا في تدعيم النظام البرجوازي فمن ناحية تلعب دور الخادم الأمين التي يدق جرس الإنذار للبرجوازية بضرورة تعديل بعض القوانين كحل وحيد لاستيعاب الغضب الجماهيري المتصاعد في لحظة ما ومن ناحية أخرى تحرف حركة الجماهير ضد النظام الرأسمالي في طريق النضال القانوني الوهمي فالمشكلة دائما في القوانين وطريقة تطبيقها فالقمع والاستغلال ما هو إلا سلسلة من الانتهاكات للقوانين والشرعية والمواثيق الدولية “فقانون التجمهر اعتداء على الشرعية وحقوق الإنسان”،”والإفراط في إطلاق الرصاص على الجماهير جريمة بلا عقاب”.. أي أن المشكلة هي أن جهاز الشرطة من وجهة نظر مثل هذه المنظمات حينما يطلق النار بصورة عشوائية على الجماهير- بهدف بث الرعب في قلوبهم وقتل حركتهم- في انه تجاوز الإطار القانوني التي يحكم ممارسته وتكون المعركة المقدسة هي كيف نعيد جهاز الشرطة لرشده ليكون في خدمة الشعب عن طريق التقارير والندوات والمؤتمرات الأمر التي يسمح بإعادة التوازن بين السلطة والشعب وعلى حد قول التقرير “إن إساءة معاملة المواطنين وقتلهم على يد رجال الشرطة -والتي أصبحت ظاهرة متكررة- تفتح الباب أمام اشتعال الغضب الشعبي وتمثل تهديدا صارخا للسلام والأمن الاجتماعي وانتهاكا صارخا لمبادئ حقوق الإنسان”!! مفهوم طبعا هنا أن المقصود بالأمن الاجتماعي أمن البرجوازية والسلام الاجتماعي خضوع الطبقة العاملة وجموع الفقراء للقمع والاستغلال الرأسمالي.

الانتفاضات التي اشتعلت هذه العام تعكس بشكل عملي ومكثف- اكثر من أي فترة في السنوات الماضية- موقف الجماهير من السلطة وسياستها ورموزها فالجماهير تدرك شيئا فشيئا أن الرأسماليين ينهبونها ويسلبونها والشرطة تقمع كل محاولة للدفاع عن حقوقها لكي لا تتمكن من النضال ضدهم.

هذا الوعي الجنيني أرضية خصبة لتقبل الدعاية الاشتراكية الثورية فالقضاء على الرأسمالية وحده هو التي يستطيع أن يخلصهم من الفقر والبؤس والقمع والاضطهاد فالاشتراكية تستطيع أن تعطيهم كل ما هو ضروري لهم.

إن انتفاضات الفقراء مهما كانت قوتها لا تستطيع بمفردها تغيير النظام الرأسمالي الطبقة العاملة هي وحدها التي تستطيع أن تفعل ذلك نظرا للدور التي تلعبه في عملية الإنتاج ومن هنا فهذه الانتفاضات الصغيرة ستتجمع فقط في سيل جارف عندما تكون الطبقة العاملة – عبر حزبها الثوري – قادرة على نظم الجماهير الفقيرة تحت رايتها للنضال ضد البرجوازية والإطاحة بها.