بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

انتخابات مجلس الشعب

خصصت أوراق اشتراكية القسم الرئيسي من “الملف” هذا العدد لقضية الانتخابات البرلمانية، المسألة الأهم على الساحة السياسية المصرية منذ الانتخابات الرئاسية التي أجريت في السابع من سبتمبر الماضي. ومن ثم فقد بدا مهما أن نشير هنا إلى موقف الفكر الاشتراكي من الانتخابات البرلمانية، ولماذا تحرص الأحزاب الاشتراكية الجذرية في العالم على المشاركة في تلك الانتخابات وحدود النتائج التي يمكن أن ينتظرها اليسار المناضل من العملية الانتخابية.

من الناحية التاريخية، اتخذت الأحزاب الاشتراكية ثلاثة مواقف إزاء المشاركة في البرلمان. تمثل أول هذه المواقف في رفض المشاركة في الانتخابات البرلمانية باعتبار أنه من المستحيل إحداث تغيير حقيقي عبر البرلمان، وأن المشاركة في الانتخابات البرلمانية تمثل نوعًا من الانتهازية لأنها تعزز النزوع الإصلاحي لدى الأحزاب الاشتراكية التي تستهدف التغير الجذري. وكان دائمًا الرد على هذا الطرح بأنه إذا كان من المسلم به استحالة إحداث تغيير جذري يقوم على التخلص من الفقر والاستغلال عن طريق البرلمان، فإنه من الضروري استخدام الأدوات التي يتيحها المجتمع الرأسمالي من أجل الدعاية للأفكار الاشتراكية، كما أن رفض المشاركة في الانتخابات البرلمانية تؤدي إلى العزلة وترك الحلبة خالية أمام القوى المعادية للجماهير لنشر أوهامها عن جدوى التغيير بالبرلمان.

أما الموقف الثاني فهو الموقف المعاكس لذلك الذي يبالغ في أهمية النجاحات البرلمانية ويرى فيها غاية في حد ذاتها باعتبار أن انتصار الاشتراكية يمكن أن يتحقق عن طريق الحصول على الأغلبية البرلمانية. وقد تم تبني هذا الموقف في بداية القرن العشرين من جانب الحزب الاشتراكي الديموقراطي الألماني الذي استند إلى شعبيته الجارفة في الدعوة إلى إمكانية تحقيق الاشتراكية بالفوز في الانتخابات. ولقي هذا الاعتقاد قبولاً بعد ذلك بعشرات السنين، في ظل ظروف مختلفة تمامًا في تشيلي في بداية السبعينيات، حينما نجح المرشح الاشتراكي الليندي في الانتخابات البرلمانية، واعتبر ذلك دلالة على إمكانية تحقيق الاشتراكية عن طريق البرلمان. غير أن النتيجة في الحالتين كانت مدمرة. ففي ألمانيا تبين وهم الاشتراكية عن طريق البرلمان عندها تم القضاء على إمكانيات تحقيق الثورة الاشتراكية والتنكيل بالحزب الاشتراكي الديموقراطي وقيادته من جانب اليمين، وفي تشيلي نظمت الطبقة الحاكمة والجيش وبيروقراطية الدولة انقلابًا بالتعاون مع المخابرات الأمريكية في عام 1973 بزعامة العمل أو جستو بينوشيه، وجري اغتيال الليندي والإطاحة بالحكومة الاشتراكية وشهدت البلاد سنوات من القمع والاستغلال لم يسبق لها مثيل.

في مواجهة هذين الموقفين، برز موقف ثالث تبناه الحزب البلشفي الروسي في أوائل القرن الماضي وتتبناه اليوم العديد من قوى اليسار المناضل في العالم. ويقوم هذا الموقف على رفض الموقفين السابقين، وطرح المشاركة في الانتخابات البرلمانية، لا باعتبارها وسيلة لتحقيق الاشتراكية، أو بديلاً عن الارتباط بالجماهير في المصانع والأحياء والريف، أو هدفًا رئيسيًا للأحزاب الاشتراكية الجذرية، بل كمنبر للدعاية الاشتراكية وفضح الأوهام الإصلاحية. فمن يتبنون هذا الموقف واثقون من أنه حتى لو استطاعوا الحصول على الأغلبية البرلمانية، فإن ذلك لن يكون انتصارًا للاشتراكية. فالطبقة الحاكمة سوف تلجأ إلى مؤسساتها الوفية مثل الشرطة والجيش وبيروقراطية الدولة وتوحد هذه المؤسسات ضد البرلمان، إذا قام بإجراءات تمثل تحديًا حقيقيًا لنظام الاستغلال الرأسمالي الراهن. من ناحية أخرى فإن المشاركة في الانتخابات البرلمانية تتيح إمكانية استخدام الحملات الانتخابية في الدعاية في أوساط لم يكن الحزب يمكنه الوصول إليها واستخدام البرلمان كمنبر للدعاية لأفكار التغيير الجذري.

انطلاقًا من الموقف الأخير تأتي مشاركة اليسار المناضل في الانتخابات البرلمانية الحالية، التي تتيح الفرصة للدعاية لفكرة الاشتراكية التي اختفت من القاموس السياسي لسنوات طويلة بفعل عوامل دولية ومحلية عديدة، دون أن يصاحب هذه المشاركة أية أوهام حول إمكانية التغيير الجذري عن طريق البرلمان.