بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

نظرة على البرامج الانتخابية

مع اقتراب انتخابات مجلس الشعب تصبح من الأهمية بمكان المقارنة بين البرامج الانتخابية للأحزاب والقوى السياسية التي سوف تشارك في الانتخابات. تقدم نور منصور قراءة في البرامج الانتخابية لثلاث قوى سياسية هي الحزب الوطني وحزب التجمع والإخوان المسلمون؟

بدأ خلال الأيام القليلة الماضية إعلان البرامج الانتخابية للأحزاب والقوى السياسية التي سوف تشارك في انتخابات مجلس الشعب المقرر إجراؤها في التاسع من الشهر الجاري. لكن هذه العملية لم تكتمل بعد، حيث أنه حتى كتابة هذه السطور لازالت البرامج التي تم إعلانها مقتصرة على حزب التجمع وجماعة الإخوان المسلمين والحزب الوطني. تحاول السطور القادمة تحليل جوانب الاتفاق والاختلاف بين تلك الاتجاهات من خلال تناول ثلاث قضايا هي رؤية كل الحزب حول جوهر مشكلة المجتمع وقضايا الإصلاح السياسي والإصلاح الاقتصادي.

حول أزمة المجتمع:

كان طبيعيًا أن ينعكس اختلاف الأطر المرجعية لتلك القوى على تصوراتها حول جوهر أزمة المجتمع المصري. ففيما يتعلق بالإخوان المسلمين، أفزرت المرجعية الإسلامية تصورًا أخلاقيًا دينيًا حول الأزمة ووسائل الحل. ذلك أن أزمة المجتمع المصري من وجهة نظر برنامج الإخوان هي “أزمة الأخلاق والضمير وغياب الإخلاص والأمانة” وهو ما يقف وراء الكثير من مشكلاتنا وأهمها “الفساد المستشري والذي يهدد أساس الدولة”. لذلك فإن قضية بناء الإنسان تتصدر برنامج الحزب، ويكون ذلك عن طريق “إعادة قضية التربية إلى المدارس.. وإطلاق حرية الدعاة المخلصين من أجل إحياء المبادئ الدينية والقيم الخلقية وإيقاظ الضمائر.. وتطهير أجهزة الإعلام من كل وسائل الهدم والفساد”.

على الجانب الآخر، يتبنى حزب التجمع رؤية مدنية تقوم على التنمية المستقلة. ويرى الحزب أن جوهر الأزمة يعود إلى “السياسات التي اتبعتها الأقلية الحاكمة على مدى الـ24 عامًا الماضية، وأن انحيازها للأغنياء على حساب الفقراء أدى إلى توقف التنمية وشيوع الفقر والبطالة”. لكن الحل بالنسبة للتجمع لا يكون عبر تحقيق تغيير جذري في النظام الاقتصادي الاجتماعي الراهن. فبالرغم من أن برنامج الحزب يشير إلى أنه يناضل من أجل تحقيق الاشتراكية، لكنها الاشتراكية المؤجلة حيث أن “الطريق إلى الاشتراكية سوف يطول لأنه يحتاج إلى مرحلة انتقالية.. لذلك فإن الحل يقوم على التنمية الاقتصادية المستقلة بالاعتماد على الذات ويقدم حزب التجمع برنامجها لها هو برنامج المشاركة الشعبية حتى تتمكن البلاد من إنجاز هذه المرحلة على أفضل نحو”.

أما بالنسبة الحزب الوطني، فإن تقدير حجم وطبيعة الأزمة يختلف بشكل أساسي عما سبق. فرغم أن برنامج الحزب يشير إلى البطالة والفساد، فإنه لا ينطلق من أن مصر تمر بأزمة حادة تتطلب نوعًا إجراء تغييرات سياسية مهمة، ولكن باعتبار أن المطلوب هو استكمال البناء الذي تم البدء في تشييده قبل ربع قرن، وذلك من أجل التصدي للمشكلات التي تعترض المسيرة “الناجحة” لنظام مبارك!

قضية الإصلاح السياسي:

يتفق التجمع والإخوان في المطالبة بإجراء تعديل دستوري شامل يحول مصر إلى دولة برلمانية ديموقراطية، يتم خلالها تقليص سلطات رئيس الجمهورية على أن يكون انتخاب الرئيس في ظل نظام الانتخاب الحر المباشر وألا تزيد فترة الرئاسة على مدتين متتاليتين. ويتفق الطرفان أيضًا في التأكيد على الحريات الديمقراطية وإلغاء حالة الطوارئ والإفراج عن المعتقلين وتوفير ضمانات الانتخابات الحرة النزيهة،… إلخ.

لكن يظل الاختلاف الرئيسي بين التجمع والإخوان حول مسألة الإصلاح السياسي، يتعلق بالنهج العلماني للأول والديني للثاني. فيؤكد برنامج حزب التجمع على ضرورة: “إطلاق حرية تشكيل الأحزاب السياسية.. وأن يكون الحزب مفتوحًا لعضوية جميع المصريين بلا تمييز بسبب الجنس أو اللون أو الدين وأن يلتزم الحزب بقواعد العمل الديموقراطي في إطار دستور مدني”. ويعتبر برنامج الإخوان المسلمين أن الإصلاح السياسي يقوم على: “أن يكون نظام الدولة نظامًا جمهوريًا برلمانيًا دستوريًا ديموقراطيًا في نطاق مبادئ الإسلام”. وفي مقابل الدستور المدني الذي يطالب به التجمع، يطالب برنامج الإخوان بـ: “تعديل القوانين وتنقيتها بما يؤدي إلى تطابقها مع أحكام الشريعة الإسلامية باعتبارها المصدر الرئيسي للتشريع إعمالاً لنص المادة الثانية من الدستور”.

أما الحزب الوطني، فهو لا يطرح إحداث تغيير جذري في طبيعة نظام الحكم، أو العلاقة بين السلطات، أو إطلاق حريات التعبير. فبرنامج الحزب يتضمن عبارات مطاطة تحتمل العديد من التأويلات مثل رقابة المواطن على أداء الحكومة من خلال: “تقوية دور المجالس الشعبية المحلية، وتقوية دور الجمعيات الأهلية، وتفعيل دور المحافظات.. وحق المواطن في المشاركة في صنع مستقبل بلاده، وحقه في المشاركة واختيار برلمان قوي يوازن سلطة الحكومة ويتولى الرقابة عليها ومساءلتها.. واختيار حكومة تشارك رئيس الجمهورية في ممارسة عدد من اختصاصاته التنفيذية المهمة، وحق المواطن في المشاركة من خلال أحزاب ذات قواعد شعبية وذات رؤى واضحة لقضايا الوطن وآماله وحقه في المشاركة من خلال مجتمع مدني نشيط وفعال، ومن خلال سلطات محلية قوية أكثر اتصالاً بقضاياه.. على أن يتم تعزيز ذلك كله من خلال إصلاح دستوري وتجديد تشريعي وتعزيز حرية الرأي والتعبير..”.. إلى آخر الرطان المعهود في وثائق الحزب الوطني، الذي لن نجد له أية دليل في الواقع الحي طوال أربعة وعشرون عامًا من حكم مبارك.

القضايا الاقتصادية والاجتماعية:

يتسم برنامجي الحزب الوطني والإخوان بقدر كبير من الوضوح في الرؤية الاقتصادية والاجتماعية. فبالنسبة لكل منهما، يتمثل جوهر حل الأزمة الاقتصادية في تشجيع الاستثمارات سواء كانت مصرية أو عربية أو أجنبية، وذلك من خلال رفع القيود التي تعوق حرية الاستثمار ومنح حوافز الاستثمار مثل الإعفاءات الجمركية والضريبية. ويتفق الجانبان على المضي قدمًا في عملية الخصخصة التي يشترط الإخوان أن تقوم هذه العملية على “برنامج مدروس يتسم بتقييم عادل للمشروعات العامة وشفافية كاملة مع الحفاظ على حقوق العمال”. كما يتفق كل من الحزب الوطني والإخوان على تشجيع الصناعات الصغيرة والعمل على تشجيع الصادرات وتيسير إجراءات التصدير”. ومع اتفاق الحزب الوطني والإخوان على مشروع تنموي قائم على نظام حرية السوق، يتكلم الإخوان عن تضييق الفجوات بين المستويات الدنيا والعليا للأجور والعدالة في توزيع عوائد الإنتاج. هكذا سنرى بوضوح في برنامجي الوطني والإخوان دفاع متشدد عن الليبرالية الجديدة، مصحوبًا ببعض الرطان عن حقوق الفقراء.. هكذا دون أية محاولة لتقييم الكوارث الاجتماعية التي أحاقت بفقراء المصريين نتيجة لتطبيق هذه السياسة طوال السنوات الماضية.

في مقابل هذا الوضوح الفج في رؤية الحزب الوطني والإخوان الاقتصادية والاجتماعية، يتسم البرنامج الاقتصادي والاجتماعي لحزب التجمع بدرجة كبيرة من الالتباس والتناقض. يرى حزب التجمع كما تمت الإشارة أعلاه، أن التنمية الشاملة بالاعتماد على الذات هي أساس مواجهة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية، وذلك باعتبار أن “العبء الأساسي في التنمية يقع على الدولة وليس القطاع الخاص.. وذلك دون استبعاد جهود القطاع الخاص المنتج”. ويدعو الحزب إلى: “قيام الدولة بدور مباشر في الاستثمار وعدم الاكتفاء بتهيئة مناخ ملائم للقطاع الخاص والتخلص من سياسة الاعتماد المفرط على السوق عبر إعطاء دور فاعل للتخطيط القومي الشامل ليكون له التأثير الأكبر، وذلك مع عدم استبعاد آليات السوق في حل بعض المشكلات، والحفاظ على ما تبقى من القطاع العام.. وقيام الدولة بإعادة توزيع الدخل لصالح الفقراء ومحدودي الدخل من خلال سياسات الضرائب والدعم والأجور”. وتثير هذه الطروحات العديدة من الأسئلة، فكيف يمكن خلق اقتصاد جديد يقوم على دور القيادي للدولة دون ذكر أية إشارة إلى إمكانية التأميم، وما معنى التخلص من الاعتماد المفرط على السوق؟ وكيف يتحقق اعتماد غير مفرط؟ وكيف يمكن إعادة توزيع الدخل لصالح الفقراء دون المساس بنمط الملكية السائد؟ أما فيما يتعلق بالبرنامج الزراعي للحزب فهو لا يقل غرابة، إذ أن الحزب لا يطالب حتى بالتراجع عن قانون تحرير الإيجارات الزراعية الذي شرد ملايين الفلاحين، والذي وقف الحزب ضده عندما تم تطبيقه في عام 1997.