بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

نظرة طبقية على ظاهرة التحرش بالنساء

قبل شهور قليلة أصدرت محكمة جنايات القاهرة حكما غير مسبوق في تاريخ القضاء المصري يقضي بسجن المواطن شريف جبرائيل (27 عاما) وتغريمه مبلغا قدره 5000 جنيها مصريا، وذلك بسبب تحرشه بنهى رشدي مخرجة الأفلام الوثائقية. ويعد هذا الحكم الأول من نوعه في قضايا التحرش الجنسي في المحاكم المصرية.

تأتي هذه الأحكام القضائية وسط اهتمام إعلامي وجماهيري ونشاط محموم من النشطاء السياسيين والمدافعين عن حقوق المرأة ومنظمات المجتمع المدني، هذا بالإضافة لوسائل الإعلام الرسمية والمستقلة التي أفردت مساحات كبيرة لمناقشة وتحليل هذه الظاهرة ومعرفة أسبابها ووسائل التصدي لها.

ووسط هذه الضجة الإعلامية ظهرت العديد من حملات التضامن ودعوات لندوات ولقاءات على الإنترنت والفيس بوك، كما برزت العديد من الأصوات، خاصة من مراكز حقوق المرأة التي تدعو لسن قوانين لتجريم التحرش الجنسي وتغليظ عقوبته حيث أنه “لا يوجد نص لتجريم التحرش فى القانون المصري حتى الآن.”

يمكن القول بأن هذا الاهتمام الآخذ فى التزايد قد بدأ بعد أحداث التحرش الشهيرة بالفتيات بوسط البلد أثناء عيد الفطر قبل الماضي، وهو الحدث الذي صوره وكشف أحداثه شباب المدونين، إلى أن تفجّر الوضع بعد أحداث التحرش الأخيرة بالمهندسين وما أثارته وقائع قضية المخرجة نهى رشدي من اهتمام.

لكن لابد أن نذّكر أنفسنا أن ظاهرة التحرش الجنسي ليست جديدة أو غريبة على المجتمع المصري. فالتحرش الجنسي لم ينشأ مع تحرشات وسط البلد أو المهندسين. فقد نشر مؤخرا المركز المصرى لحقوق المرأة تقريرا يشير إلى أن 83% من المصريات على الأقل و98% من الأجنبيات يتعرضن للتحرش الجسدي أو اللفظي، إلا أن القليل جدا منهن يقررن الإبلاغ عن تعرضهن للتحرش. وهناك دراسات أقدم تؤكد أن 62% من الرجال اعترفوا بالتحرش الجنسي مرة على الأقل.

التحرش واضطهاد المرأة

يمكن النظر لموضوع التحرش الجنسي من عديد من الزوايا والأوجه. وقد كتبت عنه الكثير من الكتب والمقالات. ولكن الشىء المتفق عليه أن هذه الظاهرة تمثل أحد أشكال اضطهاد المرأة، أي تعد جزءا من ظاهرة أوسع هي ظاهرة قهر النساء والاضطهاد الواقع عليهن.

يحمل فعل التحرش، سواء كان لفظيا أو بدنيا، في طياته استهانة واستهزاء بالمرأة، وهو يقوم على نظرة تحصرها فقط كجسد يمكن امتلاكه أو النيل منه، وهو ما يعكس نظرة دونية عميقة يمكن اقتفاء أثارها تاريخيا فى جذور المجتمع الطبقى وبدايات تكونه. فمنذ بدء ظهور الملكية الخاصة فى بدايات المجتمعات الطبقية ومنزلة المرأة فى المجتمع آخذة في الاضمحلال أمام السيطرة المطلقة للرجل، حتى انتهى الأمر بها إلى أن أصبحت أحد ممتلكاته الخاصة.

من هنا يمكننا أن نفسر سر انتشار ظاهرة التحرش الجنسي فى جميع أنحاء العالم، المتقدم منه والنامى على حد سواء، مع الاختلاف بالطبع فى الحدة والشكل وطريقة نظر المجتمع لهذه الظاهرة وتعامله معها. فمثلا فى ألمانيا خلصت إحدى الدراسات إلى أن نصف النساء اللاتى تم استجوابهن من بين 300 امرأة تعرضن إلى شكل من أشكال التحرش الجنسي، إما باللمس أو بالتعرض لألفاظ تخدش الحياء.

هكذا تستمر ظاهرة التحرش حتى فى الدول الرأسمالية المتقدمة. فبالرغم من الحرية الجنسية النسبية والتحسن النوعى فى حياة النساء وزيادة حقوقهن المكتسبة، إلا أن تلك المجتمعات بالرغم من تقدمها النسبى مقارنة بمجتمع متخلف ومأزوم كالمجتمع المصرى، لا تزال تعاني من التمييز ضد المرأة كظاهرة لا تقدم لها الرأسمالية سوى بعض التحسينات الشكلية والهشة.

وبالرغم من كون التحرش الجنسى أحد مظاهر اضطهاد المرأة فى مجتمعاتنا المعاصرة، وبالرغم من صحة الاستنتاج القائل بأن التحرير النهائي للمرأة والقضاء على كل صور اضطهادها يأتي بالقضاء على المجتمع الطبقي والملكية الخاصة، إلا أن ذلك لا يعنى الوقوف موقف المتفرج من معاناة النساء الحالية والانتظار حتى يأتى “التحرير النهائي” على يد المجتمع الاشتراكى اللاطبقى. على العكس يجب الوقوف مع النساء بقوة وحزم في معركتهن “الراهنة” ضد التحرش وفي التصدى للمتحرشين وملاحقتهم وشن الحملات من أجل الوقوف ضد هذه الظاهرة والقضاء عليها إن أمكن.

وجهة نظر

لكن يجب أن يتسع منظور الماركسيين والاشتراكيين عن غيرهم في هذا الموضوع. حيث أن القصة لا تنتهي عند هذا الحد. فهناك نقطتان إضافيتان من المهم الانتباه لهما، الأولى أنه مع التصدى الحازم والواجب لهذه الظاهرة، وذلك بالتصدى للمتحرشين ومحاسبتهم، لابد أيضا من فضح الأسباب الكامنة التي تدفع بظاهرة التحرش الجنسى، الجماعي بالذات، للازدياد والانتشار بهذا الشكل الوبائى فى المجتمع المصرى. وذلك يتطلب فضح التردي في الأحوال الاقتصادية والاجتماعية وانتشار الفقر والبطالة وتأخر سن الزواج وغيرها من نتائج سياسات النظام الحاكم وأجندته النيوليبرالية، وذلك يتطلب العمل دائما على الربط بين هذين المحورين فى المجالين النظرى والعملي، مع الانتباه بالطبع لعدم الوقوع في شراك التفسير الميكانيكي الضحل والتبرير لأفعال هؤلاء المتحرشين.

النقطة الثانية، وهى الأهم، تتعلق بالظروف والملابسات التي أدت لتزايد الاهتمام الإعلامي من قبل وسائل إعلام الدولة البرجوازية وبعض منظمات المجتمع المدني بهذه الظاهرة في هذا التوقيت بالذات. نحن نطرح هذا التساؤل على أساس من اقتناعنا بدور الطبقات الحاكمة في استخدام وسائل سيطرتها الفكرية والإعلامية للتأثير على الجماهير وكسبهم لأفكار لا تعكس بالضرورة مصالحهم الحقيقية. فكما قال ماركس “الأفكار المسيطرة هي أفكار الطبقة الحاكمة”.

من هنا يمكننا التساؤل عن سر الاهتمام المفرط بظاهرة التحرش الجنسي في وقت لا تحظى فيه صور أخرى لاضطهاد المرأة أكثر حدة وبشاعة بربع هذا الاهتمام. أضرب هنا مثالا بظاهرة الاغتصاب والاعتداء على الأطفال وزنا المحارم، وكلها ظواهر منتشرة ومتفشية فى المجتمع المصرى (في إحدى الدراسات الصادرة عن المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية هناك أكثر من 2000 حالة اغتصاب سنويا، وهو ما يعني أن هناك أكثر من 6 حالات اغتصاب تحدث فى مصر كل يوم.)

لا يمكن تبرير مثل هذا التناقض إلا بالنظر للظروف الموضوعية والملابسات المرتبطة بالحوادث التى أدت إلى الرواج الإعلامي لظاهرة التحرش. فالمثير للاهتمام أن الحوادث الثلاثة السابق ذكرها وقعت في أحياء الطبقة الراقية (كما يطلق عليها)، أي في أماكن مثل المهندسين، تحديدا شارع جامعة الدول العربية، ووسط البلد، وهي أماكن تهتم بها الدولة وتحرص على صورتها فيها، من منطلق الحفاظ على حد أدنى لصورة الدولة المتحضرة أمام العالم، وهي أيضا أماكن للسكن والترفيه للكثير من أبناء الطبقات والشرائح العليا. ومن هنا يمكننا أن نرى أن ما حدث تم اعتباره تجاوزا وتعديا على هذه الصورة الوهمية المفترضة.

وهنا لنا أن نتساءل إذا ما كانت كل هذه الضجة الإعلامية سوف تحدث إن كان فعل التحرش هذا قد تم في واحدة من المناطق الشعبية أو العشوائية، مع العلم طبعا أن فظائع أكبر بكثير تحدث في تلك المناطق يوميا.

إن المطالع للجرائد اليومية لا يمكنه إلا أن يلحظ حادثين أو أكثر يوميا يتعلقان بمشاجرات أو حتى قتل بسبب المعاكسات أو التحرشات اللفظية والبدنية بالنساء. ولكن بما أن هؤلاء النساء من رواد أو قاطني الأحياء الشعبية أو العشوائية، لذا فلا ينتج عن التحرش بهن سوى خبر صغير في صفحة الحوادث، وقد لا ينشر هذا الخبر من أصله.

وهكذا يمكننا الكشف عن الخلفية الطبقية للحملات والدعوات التي تقودها أجهزة الإعلام وبعض المنظمات الحقوقية. فهي تقصر نظرتها بشأن كرامة النساء والحفاظ على حقوقهن الإنسانية، على نساء الطبقات العليا والشرائح المتميزة لنساء الطبقة الوسطى، تلك الشرائح التي تتعاطى الإنترنت وترتاد شوارع المهندسين ووسط البلد. هكذا تم تصوير فضائح التحرش بالمهندسين ووسط البلد على أنها هجوم من الرعاع والمهمشين على “أولاد الناس”، وهكذا تم تصوير الحل لهذه الفضائح على أنه ردع هؤلاء الرعاع حماية “لبناتنا”. وعلى الوجه المقابل لم نر نفس المجهود للدفاع عن نساء الطبقات الشعبية والعشوائيات اللواتى تتعدى أعدادهن، ومأساتهن، أضعاف مضاعفة أعداد ومأساة نساء الطبقات الوسطى العليا وما فوقها.

ثم أن كل الحوارات الدائرة حول التحرش وآثاره ومخاطره، لم تطرح أبدا أخطر وأسوأ وأبشع أنواع التحرش: التحرش فى أماكن العمل من جانب أصحاب الأعمال والملاحظين والمشرفين على النساء والفتيات العاملات الفقيرات. هذا النوع هو الأسوأ على الإطلاق والأكثر انتشارا على الإطلاق، وهو يرتبط بالاستغلال الطبقي، حيث يتحرش رجال الطبقات الأعلى بنساء الطبقات الأدنى اعتمادا على سيطرتهم الطبقية على النساء. ومع ذلك فلا أحد يذكره أو يهتم به!

هذا التحرش من النوع الأخير لا يمكن حله بتكثيف التواجد الأمني في الشوارع، أو بالردع الأخلاقي، أو حتى بارتداء الفتيات لملابس أكثر حشمة ووقارا (كما يروج البعض لحلول ساذجة ومقطوعة الصلة بأصل المشكلة). هذا التحرش يحدث من أصحاب العمل والمديرين للمرؤوسات من العاملات والموظفات وللخادمات فى المنازل.

العاملة والموظفة والخادمة التى لا تخضع لأهواء رئيسها، تتعرض للتنكيل والاضطهاد والطرد. فهي إن رفضت الخضوع لهذا المدير أو ذاك لمرة، ربما لا تجد لنفسها سبيلا للعمل في مكان آخر إن لم تقبل الخضوع لأهواء مدير آخر في مكان آخر! فلا أحد – من بين الكادحين – يمكنه أن يتوقف عن العمل، ولا أحد يمكنه في ظل انتشار البطالة أن يأمل بالانتظار أن يجد عملا مناسبا لا يتضمن سخافات ورزالات من المديرين والمشرفين وغيرهم.

لماذا يتم السكوت على هذا النوع من الاضطهاد؟ لأنه صادر عن الطبقات المسيطرة ضد نساء الطبقات الأدنى. لذا لا نسمع عنه بنفس التواتر، ولذا لا تُفرد له صفحات الجرائد أو تُجيّش له الحملات، بالرغم من كونه الأقسى والأخطر.

فى هذه الحالة يتجلى بصورة أوضح الارتباط بين الاستغلال الرأسمالي للعمل المأجور واضطهاد المرأة. وفي رأينا أنه من هنا بالذات يجب أن تكون البداية لأي عمل حقيقي للدفاع عن حقوق المرأة. فلابد أن يدافع الاشتراكيون عن ربط الحملات التي تتبنى حق المرأة فى السير فى الشوارع بأمان وحرية والتصدي لكل من يتحرش بها، بحملات موازية تطالب بحماية المرأة في أماكن عملها وردع أي محاولة لاستغلالهن جسديا، هذا مع محاولاتنا الدؤوبة لتنظيم النساء العاملات في أماكن العمل للوقوف معا للدفاع عن حقوقهن بأنفسهن. عندئذ فقط يمكن القول بأننا نسير فى الطريق الصحيح لبدء مقاومة أي تمييز ضد المرأة.