بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

قانون الخلع.. فقراء المصريات بين اضطهاد الأزواج واضطهاد الدولة

أثار قانون الخلع عند إقراره قبل خمس سنوات ضجة هائلة بين من رأوه خطوة كبيرة لتحرير المرأة، ومن اعتبروه نذيراً بانهيار الأسرة المصرية. تشير هالة دحروج إلى أن الخلع جاء ليخدم مصالح المرأة الغنية دون أن يحقق شيئا لغالبية نساء المجتمع الفقيرات.

“طلقني، طلقني، طلقني” تصرخ البطلة في وجه البطل الذي يقوم بدور زوجها في الفيلم أو المسلسل، لكنه يرد عليها الرد الكلاسيكي في مثل هذه المواقف “نجوم السماء أقرب لك. سأعذبك وأطلع عينك، ولن أمنحك حريتك”. ومن هنا تبدأ رحلة الألف ميل. لكن الحكومة المصرية بدأت في السنوات القليلة الماضية، الاستجابة لمطالبة استمرت عقوداً وبُحت فيها أصوات عدة، حتى إن بعضهن انتقل إلى الرفيق الأعلى بحكم السن، بعد ما أفنين حياتهن في المطالبة بقدر أكبر من الالتفات إلى عذابات المرأة المصرية الراغبة في الطلاق.

قطرات الغيث التي بدأت تلوح وتتساقط من سماء العدالة أسفرت عن حق المرأة في “الخلع” ومحاكم الأسرة التي تهدف إما إلى الصلح أو الإسراع في إجراءات الطلاق. فقد اضطر النظام المصري إلى إجراء تعديلات يمكن أن توصف بأنها مهمة على قوانين الأحوال الشخصية، ليس فقط بهدف تجميل وجهه أمام الإدارة الأمريكية والمنظمات الحقوقية العالمية التي طالما اتنقدت أشكال التمييز ضد المرأة، ولكن أيضا استجابة لمطالب النساء من الطبقة العليا الداعين إلى تسهيل عملية الحصول على الطلاق، بعد أن أصبحت قوانين الأحوال الشخصية الحالية غير متناسبة من النفوذ والمكانة التي حققتها الكثير من تلك النساء.

لذلك، فقد قررت الحكومة في عام 2000 العمل بنظام الخلع الذي يسمح للمرأة بالطلاق شريطة تنازلها عن مستحقاتها المالية لدى الزوج إضافة إلى رد المهر الذي دفعه عند الزواج. وبداية لا يجب التقليل من أهمية هذه الخطوة. فالاستفادة من قوانين الخلع لا تقتصر على نساء الطبقة العليا، ذلك أن القانون مثل مخرجاً لشرائح عديدة من نساء الطبقة الوسطى اللاتي كن تقضين سنوات طويلة قبل الحصول على الطلاق أياً كان حجم الإساءة أو القهر الذي يتعرضن له من الزوج. غير أن ضرورة التنازل عن الحق في أي أصول مملوكة للزوجين وعن الحق في أي إعالة في المستقبل، تجعل هذا الخيار مقصوراً على من تستطعن الإنفاق على أنفسهن فقط دون الاعتماد على الزوج. ومن ثم، فإنه لا يمكن القول أن القانون أنصف النساء الفقيرات، اللاتي تمثلن غالبية نساء المجتمع.

في الوقت نفسه، يمكن القول أن القانون سعى إلى تحقيق نوع من الإصلاح الشكلي لا الجوهري. فالحكومة قد سعت لتيسير الإجراءات على المرأة دون أن تتصدى للب قضية التمييز بين الجنسين، وحاولت معالجة بعض عواقب التفاوت في إمكـان الحصول على الطلاق، مثل أحكام المحاكـم التي لا تنفذ، وفترات التأخير الناجمـة عن رفع قضايا منفصلة للحصول على النفقة، وتكلفة إعالة الأطفال…إلخ، عن طريق إضافة الخلع الذي أصبح بمقتضاه هناك نظامان للطلاق يسيران في خطين متوازيين غير متكافئين. ولم تبذل الحكومة أية محاولة للتصدي للقوانين والتفسيرات القائمة على التمييز، والتي تقبل وقوع العنف ضد المرأة، وتشترط الطاعة لتقديم النفقة بعد الطلاق، وتحرم المرأة من حضانة أطفالها، وتتركهم دائماً يواجهون خطر التشرد. بالإضافة إلى ارغامها للنساء، حتى ضحايا العنف منهن، على محاولة الصلح مع أزواجهن، والتي تتطلب عند نظر قضايا التطليق للضرر، أن تقدم الشاكية الفقيرة أدلة على وقوع الضرر أكثر من الأدلة التي تقدمها الشاكية الغنية. والغريب في هذا الأمر أنه إذا تقدمت المرأة بطلب للطلاق بسبب تعرضها للإهانة والضرب وكانت الزوجة تنتمي لطبقة فقيرة لا يحكم لها بالطلاق نظرا لنص قانون ـ غاية في الطبقية والعنصرية ـ يقضي بأنه لا يقع عليها ضرر إذا عوملت كما يعامل مثيلاتها، أي من هن في نفس طبقتها ومستواها الاجتماعي. فإذا كان الضرب هو سلوك طبيعي في بيئتها الاجتماعية فلا يحق لها أن تطالب بمعاملة أفضل من التى تعامل بها بنات طبقتها!!

والأمثلة على ذلك في سجلات المحاكم والمراكز الحقوقية لا حصر لها. إحدى الحالات المسجلة لدى المنظمات الحقوقية لسيدة في الأربعين من عمرها، متزوجة من رجل مدمن للخمر والمخدرات دخل السجن عدة مرات. وقد قالت في تقريرها لإحدى المنظمات إنه يعتدي عليها بالسباب عندما يسكر، ووصفت أسباب تفضيلها الخلع قائلة: “لقد طلبت الخلع رغم أنني أستطيع الحصول على كل شيء “في الطلاق للضرر” إلا إنه يستغرق وقتاً طويلاً. وأنا أعلم أنني لن أستطيع أن أحصل على أي شيء “في النهاية” على أية حال”.

والأكثر من ذلك، أنه حتى الهدف الأساسي من الخلع، وهو الإسراع بعملية الطلاق، لم يتحقق على أرض الواقع بنفس الشكل الوارد في القانون. فالخلع كثيراً ما يستغرق وقتاً أطول كثيراً من فترة الستة اأشهر المفترضة. وكان يُظن بأن الخلع أسرع من الطلاق للضرر، وذلك، إلى حد ما، لأنه يلغي حق الزوج في استئناف حكم التطليق أمام محكمة أعلى درجة. ولكن هذا الإطار الزمني لم يُراع مطلقاً ولم يثبت أنه إطار زمني واقعي للكثيرات. فالمنـازعات الناشبة حول مبلغ الصداق المدفوع والمردود، إلى جانب عدم رغبة بعـض القضاة في الحكم بطلاق الخلـع، قد أفرغت فترة الشهور الستة من معناها. لذلك فينما كانوا يقولون إن الخلع لن يستغرق إلا ستة أشهر على أقصى تقدير أصبحت بعض القضايا تستغرق ثلاث سنوات. ويعود ذلك غالباً إلى أن الزوج يقول إن المهر أكبر مما هو عليه في الواقع، أي ما أتفق عليه الطرفان. ومعظم المصريين ومن جميع الطبقات يسجلون مبلغاً رمزياً، في عقد الزواج هو جنيه مصري واحد ويطعن الزوج في ذلك قائلاً إنه دفع مبلغاً أكبر. والقاضي يمهله بعض الوقت لإحضار شهود. ولكنه يقول للقاضي إن الشهود مرضـى. ويقول رجال آخرون إن “القائمة” (أي قائمة الأثاث المنزلي الذي تملكه الزوجة والتي وقعها الزوج قبل الزواج) كانت في الواقع المهر المدفوع. وهكذا يستمر تعطيل الإجراءات.

وقام مركز المساعدة القانونية للمرأة المصرية بدراسة لمدة عام كامل عن الخلع، من مارس 2000 حتـى مارس 2001، ومقارنة عدد طلبات الخلع المقدمة بعدد القضايا التـي حكمت فيها المحاكم فعلاً في سـت محافظات (مـن 26 محافظة) في مصر. وانتهت الدراسة إلـى أن نسبة ضئيلة منها قد صدرت بشأنها أحكام في غضـون عام واحد. وفي محافظة قنا مثلاً، لم يصدر الحكم بصدد أي قضية من القضايا المرفوعـة وعددها 85. أما في سوهاج، فلم تصـدر الأحكام إلا فـي نسبة 2.3 في المائة مـن طلبات الخلع التي بلغ عددها 223 طلباً. وكانت النسبة في الفيوم تتجاوز 1.5 في المائة من 131 طلباً. وكانت النسبة أكبر في محافظة الجيزة أي 6.9 في المائة من عدد الطلبات البالغ 1199، وازدادت النسبة في محافظة القاهرة التي شهدت تقديم أكبر عدد من الطلبات (2695). إذاً لم تصدر أحكام في غضون فترة العام إلا في أقل من 14 في المائة من الطلبات.

ومن المفروغ منه أن قوانين الخلع لم تشر من قريب أو بعيد إلى المشكلات اللاتي تعانيها النساء الفقيرات بعد الطلاق. فما زال الامتناع عن دفع نفقة الزوجة وإعالة الأطفال مشكلة حادة في مصر. ورغم القانون الذي صدر في عام 1985 ويطالب بحبس الرجال الذين يمتنعون عن دفع إعالة الأطفال في غضون ثلاثين يوماً من صدور حكم المحكمة. وكان عجز الحكومة عن تنفيذ أحكام النفقة وإعالة الأطفال التي تصدرها المحاكم هو العامل الذي حفزها إلى إصدار قرارها بنقل مسؤولية هذه المدفوعات إلى جهة أخرى. وكان بنك ناصر الاجتماعي، وهو كيان حكومي، يتولى في الماضي توزيع مبالغ النفقة وإعالة الأطفال على كل من لم ينفذ الحكم الصادر لصالحها، ثم يقوم البنك فيما بعد بتحصيل تلك المبالغ من طليق تلك المرأة. ولكن البنك توقف آخر الأمر عن توزيع هذه الأموال بسبب العنت الشديد الذي يلاقيه في تحصيل المبالغ اللازمة من الأزواج، خصوصاً من يعملون في القطاع الخاص أو القطاع غير الرسمي.

إذاً فالتعديلات التي وقعت علي قانون الأحوال الشخصية ـ كما هو الحال دائماً ـ لا تخدم سوى الطبقات القادرة علي رد المهر والتنازل عن مؤخر الصداق. وهذه مسألة طبيعية في ظل حقيقة أن النظام الذي يقوم علي خدمة ورعاية الأغنياء ورجال الأعمال وسيدات الأعمال أيضا هو نظام معاد للفقراء من الرجال والنساء. ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل أنه يعلي من مساحات القمع التي يستخدمها الرجل الفقير للتنفيس وللإحساس بوهم السلطة علي زوجته فتسن القوانين التي يعذب بها الرجال النساء في أروقة المحاكم وجنباتها، بينما ترمي الدولة من حين لآخر ببعض التعديلات الوهمية التي لا تغني ولا تسمن من جوع. وبالطبع لا ترى الدولة أنها مسئولة عن حماية المطلقات، ولا كفالة حياة كريمة ودخل مناسب لهن، بما يمكنهن من الحياة بعد الطلاق ولا يجبرهن علي الاستمرار في حياة كريهة لا تطاق مع زوج قاهر مستبد. والحل دائماً لمن تريد أن تطلق نفسها أن تدبر حياتها بنفسها وقبل ذلك أن ترد المهر وتتنازل عن مؤخر الصداق. كيف تتمكن امرأة فقيرة معدمة من دفع هذا الثمن مقابل حريتها؟!

هناك عبارة شهيرة تقول “إن تحرر المرأة وغيرها من المضطهدين مرهون بتغير المجتمع بأكمله، مجتمع ضد التمييز وضد الاضطهاد بأشكاله المختلفة هو المجتمع الذي يمكن للمرأة فيه أن تحصل علي حريتها وحقوقها كاملة”.. هذه العبارة صحيحة بالفعل، فلن تتحرر المرأة قبل أن يتحرر المجتمع.. لكنها في الحقيقة لا تعني شيئاً لملايين النساء الفقيرات والمعدمات اللواتي يتعرضن اليوم وفي كل لحظة لاضطهاد أزواجهن مضافاً إلى فقرهن وسوء أحوالهن. علينا ألا نقف مكتوفي الأيدى، وننام مرتاحين البال في انتظار النظام الذي سيغير وضع المرأة ويرد لها حقوقها. بل علينا النضال لانتزاع أشكال وإجراءات إصلاحية تمضي قدماً في اتجاه كسب المرأة لقضيتها، ودعوة جماهير النساء الفقيرات وتعبئتهن للنضال ضد ما يتعرضن له من قمع واضطهاد. نعم على كل الاشتراكيين، وكل من يناضلون من أجل قضايا المرأة، أن يجعلوا معركة تحرير النساء جزءاً رئيسياً من النضال الاجتماعي ضد الاستغلال والاستبداد والقهر، وأن يسعوا إلى تعبئة النساء الفقيرات في لجان تضامنية تناضل من أجل فرض مطالبهن وانتزاع حقوقهن.