بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

قانون سهل الكسر

أعدت اللجنة التشريعية بمجلس الشورى، بالاشتراك مع لجنة حقوق الإنسان، مشروع قانون جديد يضع قيوداً واسعة على حق الإضراب والتظاهر، بحيث يلزم من يريد تنظيم اجتماع عام أو تجمع سلمي بإخطار الجهات الإدارية المختصة قبلها بثلاثة أيام. وبموجب مشروع القانون يحق للشرطة حضور الاجتماع وفضه، كما يمنح القانون الجهات الإدارية حق تقرير مكان الاجتماع أو المظاهرة ولا يجوز تنظيم المظاهرات قبل السابعة صباحاً أو تمتد لبعد السابعة مساءاً.

واستمراراً في كذب قيادات الإخوان، نفى عصام العريان، نائب رئيس حزب الحرية والعدالة وزعيم الأغلبية بمجلس الشورى، في برنامج 90 دقيقة مساء الأحد، وجود مشروع قانون لتنظيم حق التظاهر، بينما تنشر صحيفة حزبه في عددها الصادر صباح اليوم الاثنين 31 ديسمبر مانشيت عريض يتصدر الصفحة الأولى: “ننشر ملامح مشروع قانون التظاهر قبل عرضه على الشورى”.

وصفة بالية

على عكس الكثير من الآراء والانطباعات، لا يبدو مشروع قانون “التظاهر والاعتصام” غريباً أو مفاجئاً؛ ففي مجلس الشعب دعا العديد من النواب الإخوان لـ”تقنين” التظاهر والإضراب والاعتصام لإخصاء تلك الحقوق الديمقراطية وتفريغها من مضمونها، ولا يفوّت مرسي مناسبة حتى يدعو فيها لإيقاف المظاهرات والإضرابات “الفئوية”، وتهديد من يقوم بها أحياناً، ويحذر من “العواقب الوخيمة” التي سيتعرض لها الاقتصاد، إلخ.

ولنا أن نتذكر في نفس السياق المرسوم الأول الذي بدأت حكومة المجلس العسكري مناقشته في 23 مارس وأصدرته في أبريل 2011 (القانون رقم 34 لسنة 2011 المعروف بقانون حماية المنشآت وحرية العمل) في محاولة لإرهاب الحركة الاجتماعية التي تفجرت إثر الثقة الرهيبة التي اكتسبها العمال والفقراء في أنفسهم بعد إسقاطهم لمبارك.

هكذا هي قوى الثورة المضادة دائماً، تريد تحجيم الحركة وخلال ذلك تسعى لإضفاء طابع شرعي على إجراءاتها القمعية. ولم يكن هذا النوع من الإجراءات التشريعية حديث العهد بعد قيام الثورة، بل لقد استخدمت الطبقة الحاكمة في مصر، على مدار تاريخها الحديث، مثل تلك القوانين في محاولات دائمة لتكبيل الحركة الجماهيرية، وتمرير مشاريعها الاقتصادية والسياسية معاً.

فقبيل الحرب العالمية الأولى، وضع الإنجليز إبان حكم الخديوي عباس حلمي القانون رقم 10 لسنة 1914 بشأن التجمهر تزامناً مع إعلان الأحكام العرفية، لتجنب أي “اضطرابات” اجتماعية أو سياسية أثناء فترة الحرب. لكنه لم يمنع الحركة الجماهيرية من التقدم وصولاً إلى ثورة 1919 التي بدأت بمظاهرات الطلاب وإضرابات عمال الترام وغيرهم. كما صدر أيضاً القانون رقم 14 لسنة 1923 الخاص بتنظيم الاجتماعات العامة والمظاهرات في الطرق العمومية والذي يتيح لقوات الشرطة إطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين، بهدف قمع الحركة الوطنية المناهضة للاحتلال. لكنه لم يفلح هو الآخر في إثناء الجماهير عن التحرك الذي بدأ في الانتعاش منذ منتصف الثلاثينات مروراً بانتفاضة الطلبة والعمال في 1946 وحتى نهاية الأربعينات.

وفي السبعينات، أصدر السادات القانون رقم 1 لسنة 1977 المعروف بقانون “أمن الوطن والمواطن” ليعتبر الإضراب جناية يعاقب عليها القانون بالأشغال الشاقة المؤقتة، وذلك بعد انتفاضة الخبز في يناير من نفس العام التي مثلت كابوساً أثار فزع السلطة في سعيها لتمرير سياسات الانفتاح الاقتصادي ونهب الفقراء. هذا القانون هو الآخر لم يمتد مفعوله طويلاً وبدأت الحركة العمالية، بعد فترة من الهدوء، في التصاعد مجدداً بشكل تدريجي منذ منتصف الثمانينات مروراً بكافة فترات الاحتجاج الضخمة بالتظاهر والاعتصام والإضراب حتى ثورة يناير.

حبر على ورق

مثله مثل قانون الضرائب الجديد الذي أعلنته رئاسة الجمهورية في 10 ديسمبر الماضي، يتوقف قانون التظاهر الجديد أيضاً على “نقاش مجتمعي” يُدار حوله قبل إقراره بشكل نهائي. فالسلطة تسعى من خلال قانون الضرائب إلى رفع أسعار العشرات من السلع الأساسية، الأمر الذي سيعمق من معاناة الفقراء المصريين والشرائح الدنيا من الطبقة الوسطى، وعلى سبيل الاحتياط تسعى في نفس الوقت لتطبيق قانون آخر يحظر احتجاجهم على هذه المعاناة.

ولعل الأمر الأكثر وضوحاً من ذلك هو حالة الفزع التي تسيطر على السلطة الحاكمة من نهوض الفقراء في مواجهة سياسات التقشف الاقتصادي، ولسان حال مرسي يقول: “إذا أردت أن تسرق عيش الفقراء، عليك أن تنزع حريتهم أيضاً”.

لكن تطبيق قوانين سرقة العيش وانتزاع الحرية تتوقف عملياً في المقام الأول على توازن القوى المتنازعة في المجتمع؛ فالحقوق لا تصادر أو تلغى بمجرد سن مرسوم أو بجرة قلم تسطر قانوناً جائراً، وما يمكنه ترجمة القوانين والتشريعات على الواقع هو التوازن بين حيوية الحركة الجماهيرية من ناحية، وقدرة السلطة الحاكمة على كبح جماحها من ناحية أخرى. ولنا في قانون المجلس العسكري لتجريم الإضراب عبرة؛ فقد سقط القانون عملياً عبر موجة هادرة من الإضرابات والاعتصامات العمالية بدأت بعد يوم واحد فقط بإضراب وتظاهر الآلاف من عمال غزل شبين الكوم، للمطالبة بعودة زملائهم المفصولين وغيرها من المطالب.. هكذا أيضاً لن يصبح قانون التظاهر والإضراب الجديد أكثر قيمة من الحبر الذي كُتب به.

وأخيراً، لم يكن مدهشاً أيضاً أن يكون مشروع قانون التظاهر هذا هو أول ما يُعرض للمناقشة في مجلس الشورى، فهم دائماً يغتصبون حرياتنا وينتهكون حقوقنا بإسم “مؤسسات الدولة” وبإسم “الديمقراطية”. وهذه هي نوعية القوانين التي تحيل إليها الكثير من مواد دستور الإخوان والسلفيين. نريد مضموناً جديداً وثورياً للديمقراطية، ديمقراطية لا تتوقف عند حد انتخاب المندوبين والنواب وتركهم يعبثون بمقدرات حياتنا في انتظار موعد انتخابات قادمة بعد سنين.. ديمقراطية الثورة تعني تدخل الجماهير التي صنعت الثورة بشكل مباشر في تشكيل وصياغة مضمون وتفاصيل الحياة الاجتماعية والسياسية.

ستستمر هذه الحالة من الكر والفر في معارك سياسية تحاول فيها السلطة تقييد التحركات الاجتماعية والسياسية وضرب الحقوق الديمقراطية في التظاهر والإضراب عرض الحائط.. لكن هذا الحائط هو الذي ستتهشم عليه قوانينهم وتشريعاتهم القمعية، الأمر الذي يفرض مسألة بناء حزباً ثورياً جذرياً في القلب من جبهة ثورية عريضة كضرورة شديدة الإلحاح لتوحيد النضالات الاجتماعية في المصانع والجامعات والأحياء وتسييسها من أجل الانتقال من الدفاع عن حقوقنا ومطالبنا إلى الهجوم على السلطة وانتزاعها من أيديهم.