بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

شهداء الطائفية: «موت معلن»

في رواية للروائي الكبير جبريال جرسيا ماركيز بعنوان “قصة موت معلن”، تدور حول قصة شاب قرية بأكملها علمت بأن هناك من سيقتله ولكن دون أن يتحرك أحد، فقد استخفوا بالتهديد ووقفوا جميعاً ليشهدوا في وضح النهار مقتله. منذ ذلك الحين والقرية بأكملها تفوح برائحة هذا الشاب، ومهما حاول أهالي القرية إزالتها لا تزول فقد باتت تطاردهم في كل مكان.

تذكرت هذه القصة فور سماعي لمذبحة “أبو مسلم”، فقد وقف الآلاف من الأهالي يشاهدون تعذيب وحرق والتمثيل بجثة خمسة مواطنين شيعة، بل الأسوأ هو مشاركة عدد كبير منهم في الجريمة والتبرير لها. هذه ليست الحادثة الطائفية الوحيدة التي تحدث على مرئى وسمع الإعلام والآلاف من المصريين دون أن يحرك أحد ساكناً؛ فمذبحة ماسبيرو ذاعتها الفضائيات والإعلام الحكومي مع تحريض مباشر ضد أقباط مصر، وأيضاً لم يتحرك أحد. والسؤال البديهي الآن هو كيف وصلنا إلى هذا الحال؟

دعونا ننظر لكلمات شيوخ تيار الإسلام السياسي الأخيرة التي سبقت المجزرة والتي كانت في وجود الرئيس مرسي في ستاد القاهرة والتي اتسمت بتحريض مباشر على الشيعة دون إدانة من اأحد، ويستمر هذا الخطاب على كافة القناوات التي تنتمي لتيار الإسلام السياسي، وملصقات تحذر من خطر الشيعة معلقة على المحال وفي الشوارع كل هذا تقوده الطبقة الحاكمة وتدعمه، فلمَ الصدمة من مثل هذا العنف إإذا كان رموز الدولة تحرض علانية ضد الشيعة؟!

قد يندهش البعض من “الطائفية” المفاجئة والعنف لدى المصريين، ولكن الحقيقة أنها ليست مفاجأة، فعلى مر سنوات طوال أخذت الطبقة الحاكمة تغذي الأفكار الطائفية لدى الشعب المصري ورسخت أفكاراً مثل “ماتكولش عند مسيحي”، ناهيكم عن تسليح المسيحيين في الكنائس، لتخلق حالة من الشحن في المجتمع وتضيف إلى ذخيرة أسلحتها ضد الجماهير سلاح الطائفية.

وعندما وجدت الطبقة الحاكمة أن الشعب قد تجاوز هذه الأفكار – ولو بشكل مؤقت – في اعتصام التحرير الذي أسقط مبارك، عرفت أن استحضارها مرة أخرى ضرورة لاستخدامها، ضمن وسائل أخرى، لوأد الثورة وبث الفرقة بين صفوف الجماهير. وهكذا نجد تنامي لحدة الخطاب الطائفي والتحريضي من شيوخ التيار الإسلامي أولاً تحت رعاية المجلس العسكري والآن تحت رعاية مرسي.

وفي آخر خطاب للرئيس مرسي، بالرغم من طوله الفائق عن الحد، لم يكلف نفسه مدة دقائق معدودة أخرى ليعتذر أو يدين أحداث أبو مسلم، وهكذا لقى خمسة مواطنين مصرعهم بسبب خطاب الكراهية الذي أشرف هو بنفسه عليه دون أي إدانة أو اعتذار.. أو حتى رثاء لهم وعزاء لذويهم.

أما عن خطابه لأقباط مصر، فقد جاء كعادة كل خطاباته السابقة ومن قبلها خطابات مبارك، كلاماً أجوفاً يتحدث عن وحدة وطنية بينما يدعم نظامه الطائفية ويستخدمها كسلاح ضد أي حراك جماهيري.

مثلما بقيت رائحة بطل قصة ماركيز في أرجاء القرية لتذكرهم بصمتهم واستهتارهم، ستبقى رائحة شهداء كنيسة القديسين، وماسبيرو، وأبو مسلم، وغيرهم، لتذكرنا بمهامنا في القضاء على الطائفية وجذورها وصانعها. ستظل لتذكر كل ثوري يحلم بالكرامة والعدالة أن هناك خطر حقيقي يهدد ثورته وحلمه يجب أن نقتلع جذوره من عقولنا ونقتلع النظام الذي يحرض عليه.