بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

صعود الحركات الإسلامية وأسئلة اليسار الحرجة

لا تعدو هذه المقالة أن تكون نوعا من التفكير بصوت عال. فالموضوع حافل بالألغام وغالبا ما تجري مناقشته وفق أحكام مسبقة وتعميمات نظرية يتم على أساسها “سبك” المواقف السياسية العملية. ومن ثم فإن الكاتب يرى أن البداية الصحيحة قد تكمن في إعادة طرح الأسئلة بطريقة يتصور أنها قد تكون منتجة.

يجد اليسار المصري – والعربي أيضا – نفسه أمام التباس خطير مع ظاهرة صعود الحركات السياسية الإسلامية. فهناك من ناحية خوف مشروع على مستقبل الديمقراطية والدولة المدنية التي نريدها لبلدنا. وهناك من ناحية أخرى خوف من الانكفاء أمام العولمة الرأسمالية والأمركة والصهيونية والدولة الاستبدادية التابعة والفاسدة. ذلك لأن اليسار لم ينجح بعد في شق طريق ثالث بديل تُعبّأ القوى التقدمية والديمقراطية حوله.

وتحضرني هنا مقولة ماو تسي تونج “علينا أن نرفض كل ما يقبله العدو، وأن نقبل كل ما يرفضه العدو”! ورغم المنطق الشكلي الواضح في هذه العبارة، فإنها تقوم على المراهنة على الحدس السليم إزاء القضايا الملتبسة.

فاجأتني في الآونة الأخيرة نغمة “جديدة” سمعتها من بعض القيادات اليسارية المصرية والفلسطينية والعربية، تنسب للإسلام السياسي (وهو الاصطلاح الذي أفضل عليه: الحركات السياسية الإسلامية) التسبب في تراجع وتشوّه العملية الثورية في بلداننا، وفي مقدمتها عملية الدمقرطة. ولا شك عندي أن هذا الصعود يحمل معه أخطار الانقسام العمودي في المجتمع، والمواقف الرجعية من الحداثة، وتحدي الدولة/الأمة لمصلحة هوية دينية معينة توجد فوقها، ناهيك عما يجلبه هذا كله من تشوه والتباس في قضايا النضال الوطني والديمقراطي والاجتماعي والثقافي.

لكن يجب أن نذكر أيضا أن صعود الحركات السياسية الإسلامية، بكل توابعه الثقافية، هو من مظاهر ونتائج احتجاز التطور الديمقراطي، وكبح النضالات الشعبية الديمقراطية والاجتماعية، والخمول الذي أصاب حركات اليسار العالمي والمحلي في العقدين الأخيرين. أي أن هناك علاقة جدلية وتغذية متبادلة بين الجانبين.

بل إن جلّ مراكز الأبحاث والتحليلات السياسية الموضوعية تتوقع أن تأتي عمليات محتملة للدمقرطة في البلدان العربية بحكومات إسلامية في الأمدين القريب والمتوسط. وهي بالتأكيد معضلة صعبة، فكيف ندعو للديمقراطية ولا نتقبل نتائجها؟

يتصور البعض حل هذه المعضلة يمكن في الانضمام إلى الدعوة لحظر قيام الأحزاب على أساس ديني. ولكن ألا يضعنا هذا في جانب السلطة التي تريد أن تستأثر بالدين لمؤسساتها الرسمية مثل الأزهر وأيضا الكنيسة الأرثوذكسية؟ وإذا سلمنا بمبدأ الحظر ألن يمتد هذا منطقيا وعمليا إلى حظر أحزاب أخرى على أسس عقائدية أو طبقية.. وهلم جرا؟ ثم إذا وقع الحظر فهل ينفي هذا وجود الكثير من هذه التنظيمات كأمر واقع، وبعضها تعد عضويته بمئات الألوف؟ وألن يؤدي إقصاء الإسلاميين عن عملية الدمقرطة إلى تزايد الميول الانقلابية والانعزالية لديهم على حساب الميل للاندماج في عملية ديمقراطية يجب أن تقوم على أساس المواطنة؟ وأخيرا ألن يعفيهم هذا الإقصاء من الحرج التاريخي بسبب عدم طرح برامج عملية قابلة للنقد والاكتفاء بشعارات شديدة العمومية؟ بل ألن يكسبهم هذا المزيد من القواعد الجماهيرية؟

غير أننا نجد أنفسنا أمام معضلة مقابلة: ما هو الضمان لألا تنحرف الديمقراطية على أيديهم إلى التصويت الحر مرة واحدة إلى الأبد؟ إذن نحن أمام تحد تاريخي لبناء أسس دستورية عليا لا تسمح لفعاليات الديمقراطية بالانقلاب على الديمقراطية نفسها. ولا شك أن هذا التطور يتطلب الكثير من الجهد، ويحتاج إلى وقت غير قليل حتى يصبح من الأسس الراسخة في المجتمع.

عموما هذا النوع من القضايا لا يصح أن يناقش في فراغ أو تجريد، وإنما في سياق عالمي وإقليمي ومحلي، اقتصادي واجتماعي وسياسي وثقافي. فمثلا هناك ما تسمى العولمة النيوليبرالية بقيادة أمريكية يهيمن عليها “المحافظون الجدد” الذين تعتبر الصهيونية المسيحية أخطر قطاعاتهم. وهذه العولمة تمارس أقلمة جديدة في العالم، تترجم في منطقتنا إلى السعي من أجل بناء منظومة إقليمية “جديدة” تتجاهل حقائق التاريخ والثقافة والجغرافيا السياسية، من أهم شروطها أن يصبح الكيان الصهيوني “القاطرة الإقليمية” للاندماج في العولمة القائمة، بينما تتحول النظم العربية التابعة إلى أجرام تدور في فلكها، وفي النهاية تنسج تشابكات اقتصادية بين النخب الاجتماعية في الإقليم تحول دون تبلور تحالفات شعبية للمقاومة.

من المؤكد أيضا أن العولمة بمواصفاتها الحالية – على الأقل – تنطوي على أبعاد ثقافية، وإلا ما كان البعض في “أوروبا القديمة” يناضل ضد التنميط الثقافي “الأنجلو- سكسوني”. ومن ثم فمن المنطقي والعادل أن تكون هناك صور عديدة لمقاومة العولمة النيوليبرالية ثقافيا، مهما كان رأينا في هذه المقاومات باعتبارها “رجعية” أو “مشوّهة” أو حتى “غير إنسانية”. في هذا الحال هل يكتفي اليسار بوضع “مقاييس إجبارية” لمقاومة العولمة وفق منظوماته الفكرية والقيمية الخاصة التي لا يعترف بما عداها أو يتفهم منطقها ومنطلقاتها الخاصة هي الأخرى، أم سيكتشف اليسار أن من واجبه أن يتفاعل جدليا مع كافة صور المقاومة الأخرى؟

سؤال آخر مهم: نلاحظ في الآونة الأخيرة الاهتمام الاستثنائي في خطاب تيارات اليسار العالمي بالخطر الذي تمثله “الأصولية الإسلامية”، وفي الوقت نفسه لا نجد الكثير الذي يقال عن الأصولية الأقوى والأخطر بما لا يقاس في العالم أجمع، ألا وهي أصولية اليمين المسيحي في الولايات المتحدة، والتي توجّه الآن أقوى ترسانة عسكرية عرفتها البشرية. وهي الأصولية التي تعتبر إقامة دولة إسرائيل هي “المعجزة الإلهية” في القرن العشرين، ومن ثم انهيار اللاهوت الذي اعتبر أن الكنيسة قد حلت محل “شعب الله المختار”، فها هو “شعب الله القديم” قد عاد من الشتات في أكثر من مئة بلد كي يجسد الحق التوراتي لليهود في فلسطين، وحيث لا حقوق لغيرهم فيها لعدم وجود نص مقدس يعطيهم هذا الحق. وهذا كله في إطار إعداد المسرح للمجيء الثاني للمسيح، حتى أصبحت العربدة الصهيونية تعتبر “من عمل الرب”، وبالتالي فإن “أمريكا مباركة طالما تبارك إسرائيل”. ترى أليس لهذا نتائج على أرض المواجهات السياسية والثقافية قبل الدينية؟ وأرجو أخذ كلامي هذا في حيز التفسير لا التبرير.

وأرى أن نسأل أنفسنا بكل صراحة: ما هو السيناريو المحتمل الذي كان سيتخذه المشروع الإمبراطوري الأمريكي/الصهيوني في العراق وفلسطين ولبنان لو لم تكن هناك تلك “المقاومات المتخذة سمتا إسلاميا”؟ هل كان ليتمدد أم ليتعثر؟ وهل وقف اليسار في تلك البؤر نفسها الموقف السليم من المشروع الإمبراطوري؟ من المخجل استدعاء مواقف شخصيات مثل حميد مجيد موسى وإلياس عطا الله وكريم مروة. فقبل أن يتصدى اليسار بالتحليل والتقييم عليه أولا أن يسأل نفسه عن التضحيات والمعطيات التي قدمها كمشروع بديل للمقاومة الإسلامية بكل مخاطرها وتعقيداتها.

لست من أنصار تفسير أية ظاهرة بعامل واحد، فما بالنا بظاهرة شديدة التعقيد كظاهرة الحركات الإسلامية المتصاعدة. فلا يمكن مناقشتها بمعزل عن أزمة الحداثة منذ مقدم الاستعمار إلى بلداننا والتي تفاقمت في ظل العولمة النيوليبرالية بشروطها الحالية التي نعرفها جميعا. ثم برامج التكيف الهيكلي التي أفرزت الإفقار والتهميش بمعدلات لم يعرفها من قبل تاريخنا الحديث، والتي كان من نتائجها اتساع الشعور العام بالاغتراب واليأس وسط قطاعات عريضة من الشباب، ومن ثم تزايد عمل آليات التكيف الشخصي والجمعي عن طريق اللجوء إلى الماضي والتسامي عن واقع كئيب. خذ أيضا الدعم الكبير من جانب الإمبريالية العالمية والرجعيات العربية للحركات الإسلامية في إطار استراتيجية الحرب الباردة، وحتى عندما دب التناقض الدموي بينهما وبين هذه الحركات منذ أواخر القرن الماضي فيجب ملاحظة أن هذه التيارات “تراكمية” وأن معدلات دوران العضوية فيها أقل بكثير جدا من معدل دوران العضوية في الحركات اليسارية مثلا، فنمو الحركات الإسلامية بقوة “القصور الذاتي” يستند إلى موروث ثقافي عمره مئات السنين.

ورغم ذلك كله فإنني أرى أن السبب الرئيسي في ما نراه هو الفشل المحقق الذي لحق بالحركات اليسارية والمشروعات “الشعبوية” والوطنية. وعلينا ألا نكتفي برؤية الصورة خارجنا، وأن نبحث عن العلل الحقيقية في تاريخنا وطبيعتنا وبرامجنا وتحالفاتنا وأساليب عملنا وطريقة إدارة الحوار بين اتجاهاتنا وأجيالنا.

يتميز اليسار “الحقيقي” والعضوي عن أي تيار سياسي آخر بأنه الأكثر قدرة وجرأة على نقد الذات، وهذا من أهم مظاهر نبله وشعوره بالمسئولية، شريطة أن يصبح النقد موضوعيا وبعيدا عن جلد الذات أو جلد رفاق الدرب الآخرين.

ولعلي أركز هنا على بعض أوجه النقد دون غيرها. وأولها أنني ألاحظ مسايرة بعض تيارات اليسار العربي للطريقة التي يتناول بها هذا الموضوع. ففي الوقت الذي نرى الكثير جدا مما يكتب ويقال عن “الأصولية” الإسلامية وموقفها من الآخر والعصر…، إلى حد الإيغال في نقد النص وتاريخ الدولة والفكر الديني الإسلاميين، لا نجد قدرا مماثلا من نقد الأصوليتين المسيحية واليهودية (رغم تاريخهما وواقعهما العدوانيين)، ولا تصديا لفكرة عنصرية آخذة في التصاعد في الغرب فحواها أن التراث اليهودي/المسيحي هو أساس ما يسمى بـ”الحضارة الغربية”. فقد فُرضت علينا هواجس كبّلت تفكيرنا، مثل خشية الوقوع في “معاداة السامية”! أو الخوف من إيذاء أقليات دينية بيننا تعاني من مشكلات حقيقية. صفوة القول أن تناول طرف واحد من “الأصوليات” العالمية بالنقد ينطوي على انتقائية غريبة لا تليق بنا، وتضعنا ضمنيا في سلة واحدة مع خطاب “صدام الحضارات”، بينما واجبنا هو نسف هذا الخطاب من أساسه.

ومن مظاهر مسايرة الأوروبي أيضا أن بعض اليساريين العرب يكتفون بإدانة ولعن العدوان الإمبريالي/الصهيوني صبح مساء، ثم يصمتون أو يحجمون عن تأييد المقاومة لأنها تنطلق من منطلقات أخرى، ولم نتوصل حتى الآن إلى طريق التعامل السليم معها على المستوى التكتيكي، وألا نقف في تصورنا للوطنية عند حدود التصور الاقتصادوي الذي يختزلها في وطنية السوق، أو المنطلق السيادوي الذي يختزلها في مظاهر الاستقلال السياسي لدول عربية نعرف تماما ما هي عليه، بينما نلفظ تماما التفكير الجدي في إمكانيات الوطنية الثقافية مهما كانت آراؤنا في منطلقاتها.

وأمضي قدما في النقد لأتناول ظاهرة بالغة الضرر وسط اليسار العربي، مضمونها استشراء عقلية المقايضة التي تأمل في تحقيق الديمقراطية (مختزلة في الانتخابات وبعض المنجزات الليبرالية) حتى لو كان الثمن هو التفريط في السيادة أو القبول بالتدخلية الإمبريالية أو التهاون في قضايا النضال الاجتماعي، وهو الموقف البادي للبعض ممن يطلقون على أنفسهم مسمى “اليسار الليبرالي”. تتصور عقلية المقايضة أن بإمكانها تحقيق المكاسب النضالية واحدا تلو الآخر في مصفوفة خطية وهمية، بينما هي في حقيقة الأمر تضطلع بتجزئة لا تاريخية ضارة بقضايا النضال، وتؤدي في النهاية إلى ضرب بعضها بالبعض الآخر. خاصة وأن الشروط الراهنة للعولمة الليبرالية لم تعد تسمح بهكذا تجزئة.

ومن المواقف التي تدهشني شخصيا إصرار بعض اليساريين على وضع كل الحركات الإسلامية في جعبة واحدة، والسخرية ممن يرهق نفسه في التفرقة بين تياراتها. وهو في الحقيقة تناول غير علمي وغير واقعي بالمرة. ولعل هذا يرتبط ارتباطا قويا بإشكالية تقييمنا لمختلف التيارات الإسلامية. فالبعض مثلا يركز على المعيار الأيديولوجي وحده، ومن ثم يجد في النص وفي الخطاب (الدعوة) ما يكفي للحكم بالنفي على الظاهرة بأكملها دون تأمل في أسباب أن تجد هذه الأيديولوجية تعبيرات سياسية واجتماعية عنها في عصرنا هذا وبمثل هذا الاتساع. ومن الملفت أن اليسار نفسه لا يحب أن يقيمه الآخرون من الزاوية الأيديولوجية بعيدا عن السياسة والممارسة!

ويركز البعض أيضا على التاريخ الأبعد لهذه الجماعات والأفكار (تاريخ الإمبراطورية الإسلامية) ويستخرج منه بشكل انتقائي كل ما يؤكد فكرة محددة تم اختيارها مسبقا، ودون التساؤل بالقدر نفسه عن العصر الذي وقعت فيه هذه الممارسات أو طرحت تلك الأفكار، ودون التمعن في تاريخ الفكر الديني والممارسات التي وقعت باسمه في مناطق العالم الأخرى. ويحاول البعض الآخر التركيز في التقييم على التاريخين الحديث والمعاصر للحركات الإسلامية، وبخاصة تلك المواقف المتعاونة والمتهادنة مع الاستعمار والرجعية والمعادية للحركات الاجتماعية والسياسية والثقافية التقدمية. ويستمر هؤلاء في الارتكان على هذا المعيار وحده حتى عندما احتدمت التناقضات بين بعض الحركات الإسلامية والاستعمار والصهيونية ونظم الحكم الدكتاتورية بغض النظر عن تقييمنا لمنطلقات هذه المواجهات. ومن ثم نلحظ إهمالا جسيما لبعض التطورات الفكرية والسياسية والتنظيمية داخل هذه الحركات بفعل بشاعة العدوان الإمبريالي وتغوّل الليبرالية الجديدة، وقبل هذا تلك القواعد الكبيرة من البرجوازية الصغيرة التي اتجهت صوب التنظيمات الإسلامية، ومن المتصور أن مصالحها الاجتماعية لابد أن تدفعها نحو التعبير عن مواقف تختلف عن التوجهات القديمة لتلك التنظيمات، وفي هذا صراع وفرز محتومان لا نملك ترف التغاضي عنهما.

ويحاول البعض الآخر التغلب على هذه المشكلة بأن يركز فقط على الانتماء الطبقي والطرح الفكري والسياسي للنخب القيادية في هذه الحركات، بل وحتى لآحاد منها دون اعتداد بتعدد الحركات والخلافات والاختلافات بينها وداخلها. وتزداد المشكلة صعوبة مع حقيقة أن هذه الحركات تستنكف حتى الآن عن تقديم برامج سياسية من الأصل مستفيدة من الغموض كوسيلة للانتشار وأيضا لتمتين الوحدة التنظيمية الداخلية تحت شعارات عامة وهلامية يمكن معها تمرير كل موقف وأي موقف عند كل ظرف!

ويرى آخرون أنه من الممكن الاعتماد في التقييم على موقف كل جماعة من النظم القائمة، أو على أسلوب العمل الذي تنتهجه ومدى استعدادها لنبذ العنف والعمل وفق قواعد “اللعبة الديمقراطية”. ودون إغراق القارئ في مزيد من التحليلات والتعقيدات، أقول إنني لست ضد كل معيار سابق في حد ذاته، وإنما ضد الاستناد إليه كمعيار وحيد، فنحن أمام تحد حقيقي لصياغة معيار جامع ومرن في آن.

ولكن ستظل البداية الصحيحة هي أن نكون متواجدين أصلا وبقوة على ساحة المواجهات الوطنية والطبقية، وأن نحدد بوضوح ما هي معاركنا التكتيكية المقبلة (منظومة في إطار التوجه الاستراتيجي) حتى نستطيع تحديد حلفاءنا ومن يجب أن نحيّدهم.

تتبقى نقطة أود لو نناقشها بصراحة أكثر. فأظن أن بعض تيارات اليسار تنظر إلى القواعد الجماهيرية الكبيرة التي تتمتع بها الحركات الإسلامية الآن كقواعد “مختطفة” أو “مسبية” أو “مضللة”، دون أن تحاول تحديد السبل لاستعادتها، وتصور أن هذا سيتم حكما في المستقبل تحت إيقاع الصراع الطبقي. ودعوني أقول إن هذه رؤية “غيبية” و”قدرية”، ما لم نشفعها أولا بالاعتراف بمسئوليتنا عن “واقعة” الاختطاف هذه. ولم يعد من اللائق أن نلوك نغمة التعالي على هذا الجمهور “المغيّب” أو “المخدوع”، أو أن نتصور إمكانية “إقلاعه” عن هذا الخيار الضار دون نضال ذي مغزى من جانب اليسار على مستوى البرامج وتنظيم جاد للعمل الجماهيري لاستعادة ما فقدناه وأكثر. فتبلور مشروع يساري وطني شامل هو القادر وحده على تعميق الفرز الموضوعي والذاتي أيضا داخل هذه الحركات، والصراع الاجتماعي وحده لن يقوم بهذا العمل بمعزل عن دور العامل الذاتي لليسار وسائر القوى الديمقراطية والوطنية.

إذن نحن عدنا مرة أخرى إلى نقطة البداية التي لن أمل من تكرارها، ألا وهي بناء مشروع يساري جديد. وهو مشروع يتطلب أولا استعادة اليسار لروحه المعنوية وثقته بنفسه ومنهاجه برامجه، وهذا كلام ليس من قبيل الإنشاء اللفظي، وإنما هي في اعتقادي ضرورة موضوعية وذاتية للانطلاق.

ثم تأتي أهمية بناء منظور معرفي جديد يستفيد من المنجزات التقدمية للفكر الإنساني في القرن الأخير، ومن التجارب والخبرات الكفاحية التي تراكمت لدى الشعوب خلاله، وفي مقدمة هذا أن نتعامل مع النصوص التي بين أيدينا في سياقاتها التاريخية والمكانية. ومن المفارقات أن اليسار قد أدمن تقديس النصوص في حقبة مهمة من تاريخه وحقق بها بالفعل الكثير من المنجزات، ولكن هذه النصيّة نفسها كانت من أهم أسباب تبدد تلك المنجزات. فكان رد فعل بعض اليساريين إزاء هذا هو الأغرب تماما حيث تم إهدار كل النصوص وسلّموا أنفسهم لبراجماتية ذهبت بهم مذاهب شتى. أي أنهم “ألقوا الطفل مع ماء الغسيل “!

وسيتوقف نجاح أي مشروع يساري جديد على الصياغة الصحيحة للعلاقة بين مختلف قضايا النضال الوطني والاجتماعي والديمقراطي والثقافي دون مقايضة أو افتئات. وكذلك ضرورة الارتباط العضوي بالحركات الاجتماعية والقاعدية. وأخيرا تعميق الديمقراطية الداخلية، ونديّة التعامل بين قوى اليسار العالمي.

ربما كان حديث كله مغرقا في العموميات، وهو بالتأكيد يحتاج إلى برامج مفصلة، ولكن الأهم من هذا كله أن نتعلم التفكير معا، وبصوت عال!