«سيادة» المكابرة.. و«وطنية» المزايدة .. وعورة «كامب ديفيد» المكشوفة

خمسة قتلى مصريين يسقطون بسبب قصف طائرة إسرائيلية (بدون طيار)، داخل الأراضي المصرية.. الخبر نقلته وكالة أنباء أسوشيتد برس، ونقلت عن مصادر أمنية مصرية لم تحدد هويتها أن ذلك يتم في إطار تنسيق مع الإسرائيليين، كما نقلت رويترز تصريحات مشابهة عن مصادر أمنية مصرية أيضا، وتناقلت وسائل إعلام أخرى تقارير لشهود عيان.
كما هو متوقع، خرج المتحدث العسكري المصري، العقيد أحمد محمد علي، بعد ساعات لينفي وبشدة الخبر، ويؤكد أن أصوات الانفجار ناجمة عن عبوة ناسفة!
وعلى الجانب الإسرائيلي، صرح المتحدث الرسمي يوآف مردخاي، أنهم لا يعلقون على التقرير، وأشار أنهم “على اطلاع بتحركات الجيش المصري ضد المتطرفين”، بينما أبرزت الصحف الإسرائيلية بالتزامن أخبار عن إخلاء ميناء إيلات بعد تحذيرات مصرية للجانب الإسرائيلي.
في الوقت نفسه نشرت صحيفتا هآرتس ويديعوت إحرنوت خبر انتهاك الطائرة الإسرائيلية للحدود المصرية، نقلاً عن وكالة (أ.ب) لتزيد من الغموض حول الحدث، وهو ما اعتبره عاموس هرئيل، المحلل العسكري لصحيفة هآرتس، “غموضاً متعمداً” من أجل إعطاء فرصة للطرفين لإنكار الواقعة، أو التعتيم على تفاصيلها وأهدافها الحقيقية.
حرب الشعارات والتصريحات
تلقفت التيارات الإسلامية في مصر الخبر لاستغلاله في حربها ضد “السيسي وجيشه” – صديق الأمس عدو اليوم – في ظل المزايدات المفضوحة بين الجانبين.
المؤسسة العسكرية بقيادة السيسي، والتي تحكم مصر، تُزايد على السيادة الوطنية، وتتناسى أنها المجلس من حمت السفارة الإسرائيلية وضربت وعذبت شباب الجامعة عند مقرها، في أعقاب قتل الإسرائيليين لجنود وضباط مصريين على الحدود في العام 2011، الأمر الذي تكرر فيما بعد. وأتت التحولات في موازين القوى السياسية لتعطي هذه المؤسسة الفرصة لإلصاق كل الحوادث بالإسلاميين.
وتتناسى المؤسسة العسكرية والسيسي على رأسها أنها لم تجرؤ على إدخال جندي واحد دون إذن الإسرائيليين، بداية من تأمين مبارك في شرم الشيخ، مروراً بمطاردة الإسلاميين المسلحين، ولتدمير الأنفاق، وحتى التصعيد الأخير لتلك العمليات.
أما الإسلاميين فهم يعتقدون أن شعاراتهم الجوفاء حول “الجهاد” ستغطي على حقيقة أنهم يتعاملون مع القضية الفلسطينية بانتهازية شديدة، فخلاف الشعارات المجانية، لم يقدموا مرة على تحدي إسرائيل، وكان جواز مرور الإخوان للقصر مرهوناً بموافقة إسرائيل ومباركة الأمريكان، وزادت عليه خطابات المودة المتبادلة بين مرسي وبيريز.
وخلال العدوان على غزة (عامود الضباب – نوفمبر2012) واتت الفرصة نظام الإخوان للمزايدة الإعلامية، للتغطية على حقيقة أن أهل غزة بالفعل تحت القصف وأن الوفد الذي دخلها بإذن إسرائيل كان يتفقدها تحت النيران الإسرائيلية، في تحدي وتحذير إسرائيلي، ولتؤكد ان السياسة المصرية تجاه إسرائيل تحت حكم الإخوان لم تتغير في مضمونها عن سياسة مبارك. فشعارات “الجهاد” لم تعد ذات قيمة إلا للاستهلاك المحدود بين المتعاطفين مع الإسلاميين. الذين يصدقون كذبة ان الجماعات المسلحة في سيناء تجاهد ضد إسرائيل!
الوطنية هي استعادة السيادة
المكابرة من جانب العسكر، والمزايدة من جانب الإسلاميين، تتلقف تفاصيل الأحداث، وتتراشق بالتصريحات، وتترك جوهر القضية وهو أنه لا سيادة حقيقية لمصر على أراضيها، سواء كان يسيطر على هذا النظام مبارك أو العسكر أو الإخوان.. أو حتى غيرهم. وهو ما تؤكده “الرسالة” الإسرائيلية لكل حاكم جديد في وادي النيل.
فمعاهدة كامب ديفيد المحصنة ضد أية تغيرات سياسية داخلية أو خارجية، تنتقص من السيادة المصرية على أراضيها، ويروّج الكثير من السياسيين من أطياف مختلفة لمزاعم كأنها معاهدة “مقدسة” و “محرمة” لا يمكن تغييرها حتى لو أسقطنا رئيساً كل عام. هؤلاء أيضاً يهللون لغزوات الجيش في سيناء، وربما يطالبون بسحق اعتصامات الإسلاميين بالدبابات. يريدون جيشاً قوياً يقبض البلاد من الداخل ويتعامى عن مواجهة الصهاينة والأمريكان، الذين لا يخرج حكام مصر عن طوعهم إلا عبر الصراخ الإعلامي.
اكتسبت كامب ديفيد “حصانتها” الحقيقية، ليس من صياغتها وحسب، بل الأهم من تكوين طبقة من المستفيدين، من رجال الأعمال الذين صعدوا بأموال المعونة الأمريكية وبالبيزنس السياسي مع أمريكان وصهاينة وتحت عباءة مبارك وابنه. وبالتوازي معهم جيل من العسكر، مابعد 1973، تربى في المدرسة الأمريكية عسكرياً وسياسياً، واستفاد من المعونة الأمريكية السنوية، وقبض على النصيب الأكبر من الاقتصاد المصري.
ونكرر أن ما يحدث في سيناء هو محصلة التمسك باتفاقية العار والحفاظ عليها، بل والاستفادة منها كما أوضحنا، بالإضافة إلى سياسات الإهمال والتهميش والتعامل مع سيناء وأهلها “أمنياً”.





