بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ثورة يناير: الصراع يتغير

منذ تنحى الديكتاتور مبارك عن الحكم حتى الآن، و مصر تشهد حالة من السيولة والارتباك، في ظل محاولات رسم خريطة ما بعد مبارك على المستوى السياسي والاقتصادي، في ضوء توازن قوى جديد فرضته الثورة الشعبية في 25 يناير.

وفي ظل حالة الارتباك، وتعدد الرؤى تجاه ما يحدث الآن، تبلورت معادلة واضحة المعالم، تبنتها كل الأطراف لتفسير كل الأمور من الحوار الوطني المشوه حتى المشاحنات الطائفية مروراً بالاضرابات والانفلات الأمنى إلخ.هناك ثورة وثورة مضادة. عملية شد وجذب متواصل بين قوى الثورة وبين فلول النظام القديم، الذين يحاولون إرجاع عقارب الساعة إلى ما قبل 25 يناير. وما أود الإشارة إليه في هذا السياق أن الصراع الحالى بين قوى الثورة، والثورة المضادة هو جزء من صراع أوسع وأعمق. صراع طبقى تحددت ملامحه قبل الثورة بسنوات طويلة، بل وأسهم في تفجيرها. كما أن فهم أبعاد هذا الصراع قد يفسر ما يحدث الآن، ويشير إلى ما قد يحدث في المستقبل.

الجذور

لم يحسم النظام الناصرى موقفه من الرأسمالية، فعندما تدخلت الدولة بقوة في الاقتصاد، سمحت للقطاع الخاص بالعمل تحت مسمى الرأسمالية الوطنية التى تساهم في دفع عجلة الانتاج والتنمية، لكن الرأسمالية ( الوطنية؟!) حاولت استغلال المساحة التى تركتها الحكومة، وتاجرت بالأزمات وخلقت ما سمى بالسوق السوداء.وبعد انتصارأكتوبر أصدر السادات قانون استثمار رأس المال المصري والعربي والأجنبي رقم 43 لسنة 1974، ومهد لما عرف بالانفتاح الاقتصادي. وهو القانون الذي سمح للرأسمالية أن تتوسع، منذ ذلك الوقت حتى بداية التسعينات، حين تبنى نظام مبارك برنامج البنك الدولي وصندوق النقد الدولي المعروف بالتثبيت وإعادة التكييف الهيكلي.منذ تلك اللحظة حتى 25 يناير، أصبحت الرأسمالية المصرية في وضع استراتيجي غير مسبوق، أتاح لها التحكم في الدولة المصرية حيث أصبحت تتحكم في جهازإداري فاسد وخاضع، وبرلمان يقر ما تقدم من قوانين، وجهاز أمني متوحش، بالإضافة إلى إعلام يزيف الوعي دون خجل.كانت نتيجة ذلك أن حصلت الرأسمالية المصرية على أكبر قدر من الثروة في تاريخها: مصانع وأراضي ومواد خام و قروض بلا ضوابط وإعفاءات ضريبية وجمركية وحوافز على التصدير، وعمالة دون حد أدنى للأجور، واحتكارات، مما حقق فائض أتاح للوكلاء التحول إلى شركاء مع الرأسمالية العالمية، كما امتدت استثمارات رجال الأعمال المصريين إلى خارج مصر.

الطبقة المتوسطة

كانت نتيجة النهب الرأسمالي أن تدهورت أحوال الغالبية العظمى من سكان مصر، حيث ارتفعت الأسعار وتدنت الخدمات، وتقافزت نسب الفقر والبطالة والعنوسة وسكان عزب الصفيح والمقابر.وتحتم مواجهة هذا التمدد الرأسمالي. لكن الطبقة المتوسطة تصدرت مشهد الصراع بضغط ناعم يعتمد على المطالبة بالديموقراطية من حين لآخر، وغضت الطرف عن المشكلات الاجتماعية الناجمة عن ممارسات الرأسمالية. وكانت الرؤية الأكثر تبلورا للمؤسسات المعبرة عن الطبقة المتوسطة (أحزاب ونقابات) تسعى إلى إصلاح النظام، وليس الثورة عليه.و الراصد لتاريخ الطبقة المتوسطة في مصر، سوف يرى هذا التردد قبل 1952. حيث كانت مصر تعيش فراغاً سياسياً، وتردياً في الأوضاع الإجتماعية والإقتصادية عقب الحرب العالمية الثانية. لكن البرجوازية قامت بدور المتفرج حتى تدخل الجيش، بدل الدعوة إلى ثورة شعبية على الملك والاحتلال والأوضاع المتردية.و حين سدد النظام الناصرى ضربات قوية للإقطاع والرأسمالية الكبيرة وتبنى سياسات رأسمالية الدولة، تحسنت أحوال العمال والفلاحين، وكانت الطبقة الوسطى هي الأكثر استفادة من هذه السياسات. كما اتسعت كطبقة بإضافة مئات الألوف من الفلاحين إلى صفوفها بعد تحولهم من عمال زراعيين إلى صغار ملاك للأرض. لكنها في نفس الوقت لم تستطع بناء مؤسساتها.وظلت الطبقة المتوسطة بلا أحزاب ولا نقابات حقيقية. أى أن الطبقة المتوسطة فشلت في إثارة قضية الديمقراطية على أجندة النظام الناصرى. وهو ما جعل موضعها حرجاً مع تغير السياسات على يد أنور السادات عقب وفاة عبد الناصر مباشرة.لم تحاول الطبقة المتوسطة بناء مؤسساتها في السبعينيات، واكتفت بما قدمه السادات من منابر أو أحزاب، لا يتجاوز دورها الديكور. لذلك لم تناضل هذه الأحزاب لوقف عجلة الانفتاح الاقتصادى. وتخلي الدولة تدريجياً عن دورها في إدارة الانتاج. إن التحول الدرامى لأوضاع مصر على يد السادات كشف عجز الطبقة المتوسطة عن إدارة الصراع في الحالتين. حول الديمقراطية مع عبد الناصر، وحول العدالة الإجتماعية مع السادات. وأنها تعاملت مع النظامين بشروطهما، وقبلت ما قدم لها.ومنذ منتصف الثمانينات، بدأ الهروب الكبير للمهنيين إلى الخليج، كما اندمجت الشرائح العليا لهذه الطبقة مع المشروع الرأسمالي الصاعد بقوة، واستفادت الشرائح الوسطى من تردى الأوضاع بسبب انسحاب الدولة التدريجى من دعم الخدمات. فانتشرت العيادات الخاصة والدروس الخاصة والمكاتب الهندسية الخاصة. مما مكن هذه الشرائح من البقاء في وضع آمن، رغم أنها لم تستطع الالتحاق بمشروع النظام، بينما هبطت الشرائح الدنيا إلى صفوف الطبقة العاملة. وهو ما منح الطبقة المتوسطة وضعاً إقتصادياً أفضل من غيرها، ولكنه فى ذات الوقت، قلص من إمكانياتها في إدراة الصراع ضد تغول الرأسمالية.واكتفت بالحلول الفردية واستغلال المتاح من الفرص، دون فرض إرادة جماعية، أو إدارة صراع على دور الدولة.ولقد تبلور هذا على المستوى السياسي في أداء الأحزاب الرسمية الهزيل، في الانتخابات أو في المعارك المجتمعية، حتى تمدد الإخوان لم يكن بسبب مواقف سياسية صلبة ضد النظام. لكن بسبب جهود إنسانية تعوض غياب الدولة في الصحة والتعليم والخدمات. وعلى جانب آخر، اقتصرت السيطرة على النشاط النقابي على الوطني والإخوان، دون تباين واضح، ففى الحالتين كان دور النقابة إدارياً وإنسانياً فقط، لم يتطرق إلى قضايا الأجر أو شروط العمل أو تبنى رأى في القضايا الوطنية. وإن استغل الإخوان بعض النقابات كواجهة لعمل سياسي موجه لدعم فلسطين، ولم يكن في يوم ضد النظام.ومنذ عام 2000 لم يواجه النظام أية معارضة جذرية منظمة ضد سياساته الاقتصادية، وإن واجه مناوشات من بعض الصحفيين والسياسيين المستقلين، وصقور الأحزاب السياسية، وحركة كفاية، والإخوان تركزت هذه المناوشات حول قضية الديمقراطية، رغم أن تصاعد الاحتقان في الشارع كان نتيجة سياسات الليبرالية الجديدة التى تبناها النظام. والتى أثرت على مكاسب الطبقة المتوسطة في العقود السابقة. ومن المدهش أن هذه الأحزاب والقوى غضت الطرف عن الاحتجاجات الاجتماعية المتصاعدة في العقد الأخير، واتهمتها بأنها فئوية وأنها لا تحقق صالح الوطن ككل.وللمرة الثالثة تلعب الطبقة المتوسطة مع النظام بشروطه وترضى بما قسم لها. فالأحزاب تتهافت على الحوار الوطني مع النظام، ومبارك خط أحمر للكثيرين، والإخوان يطلبون المشاركة لا المغالبة، والتجمع يقرر الانحناء بسبب الأسقف المنخفضة.

واقع ثوري

وحين انفجرت الثورة الشعبية بشكل عفوي ترددت التنظيمات السياسية في الانخراط فيها، وكانت الطبقة المتوسطة إجمالاً أكثر تقبلاً لفكرة الاستقرار والاكتفاء بالتنازلات التي قدمها مبارك، ثم اكتشفوا أن الضغط الشعبي الجذري أكبر من أن يهزم أو يتراجع. فحسمت الطبقة المتوسطة أمرها وانضمت إلى الثورة. ولكن فور تنحي الديكتاتور، ارتد بندول الساعة إلى وضعه الأصلي، بل وتراجع إلى الخلف. حيث تعالت صيحات الطبقة المتوسطة بالعودة إلى حالة الاستقرار، وظهر التحالف بين الجيش والإخوان، وبين الجيش واللبيراليين بوضوح أقل. وبدأ مفكروا البرجوازية بالهجوم على الاحتجاجات الاجتماعية والعمالية، واستعداء الجيش على العمال، والمطالبة بسياسة القبضة الحديدية، وتبرير العنف المستخدم ضد هذه الاحتجاجات. والأخطر من ذلك أن المستقبل القريب سيشهد تحالفات أوسع بين القوى السياسية الممثلة للطبقة المتوسطة وبين بقايا النظام القديم، لكبح جماح الثورة، ومبادلة الدم والجراح بديموقراطية مشوهة، تسمح لهم بالصعود السياسي، وتكمم أفواه الجياع.ويعني هذا بوضوح خروج الطبقة المتوسطة من الصراع الطبقى، وخروج أحزابها من الصراع السياسي في المستقبل القريب. لعدة أسباب، أولها أنه لم يعد لدى هذه الطبقة و مؤسساتها ومفكريها ما تقدمه للجماهير منذ هذه اللحظة.ثانيها أن خيارات هذه الطبقة سوف تضعها في عداء متزايد مع قطاعات واسعة من الجماهير بما فيهم المنتمون والمتعاطفون مع خطاب مؤسساتها. ويعتبر إضراب الأطباء مثالاً واضح الدلالة في هذا السياق، حين رفض الإخوان الإضراب، سعي الأخصائيون من كوادر الجماعة (أصحاب العيادات الخاصة) إلى كسر الإضراب، بينما شارك عدد غير قليل من شباب الإخوان سعيا لتحسين المستشفيات العامة، ورفع الأجور. ومع تزايد المعارك الاجتماعية، ستتسع الفجوة بين قيادة الجماعة وبين قواعدها.ثالث هذه الأسباب هو عمق الأزمات التي يعيشها الشعب عبر عقود، وتجذر الثورة داخل الوجدان الشعبي، وهو ما يجعل المطالبات صلبة وغير قابلة للتفاوض إلى حد كبير، لذلك لن يجدي معها قمع، أو دجل فكري. ومعنى ذلك أن الطبقة المتوسطة لن تنعم بالاستقرار في ظل وجود الجماهير الغاضبة، والمشحونة بروح ثورية، تتباين صعوداً وهبوطاً، لكنها لن تهدأ.

قواعد جديدة

سوف نشهد بعد الثورة قواعد جديدة للصراع، ليس فقط بتغير أطرافه، بل وتغيير أدواته وشكله. سوف يصبح الصراع كلاسيكياً : الرأسمالية في مواجهة الطبقة العاملة، وسوف يصبح صراعاً شديد الحدة على المطالب الاجتماعية: الأجر وشروط العمل، والسكن والصحة والتعليم، والمطالب الديموقراطية الحقيقية التي تتيح حرية التعبير والتنظيم والحركة للجميع. وسوف يدرك الجميع أن الصراع على هذه المطالب قادر على إعادة تشكيل الواقع الاقتصادي والسياسي لمصر.سيكون صراعاً مباشراً بين من ينهبون، ومن يريدون حقوقهم، دون وسيط أو نائب، دون تحول في المواقف، ودون صفقات أو خيانات متوالية من مثقفي البرجوازية من أجل مقعد في البرلمان أو رئاسة تحرير جريدة، أو غيرها من المصالح الفردية الضيقة. كما سينتقل الصراع من صفحات الجرائد وشاشات التليفزيون إلى المصانع والحقول، وسوف ينتقل مركز الثقل من الأحزاب إلى النقابات، كما سيتم الاعتماد على الإضراب والاعتصام أكثرمن التظاهر.وعندما تتغير أطراف الصراع وأدواته، سيتغير شكله بالتالي. فلقد اتخذ الصراع بين الرأسمالية والطبقة الوسطى شكل حلقة مفرغة : تطالب الأحزاب بانتخابات شفافة ويرفض الحزب الوطني، وبعد خمس سنوات تتجدد المطالبة والرفض. ولقد امتدت هذه المعادلة إلى كل الأمور تقريباً. لكن الصراع بين الرأسمالية والطبقة العاملة سيتخذ خطاً صاعداً، رغم تذبذبه. سوف تتنازل الرأسمالية مجبرة في موقع ما، وقد يتنازل العمال في موقع آخر، وقد تحدث تسوية مؤقتة في موقع ثالث. ومع كل معركة، أياً كانت نتيجتها، سوف تزداد مؤسسات الطبقة العاملة قوة وتماسكاً، على عكس مؤسسات الطبقة الوسطى التي انقسمت او فقدت دورها أثناء المعارك.

خصم عنيد

لم تخسر الرأسمالية المصرية عدداً كبيراً من المليارات فقط، بل فقدت وضعها الاستراتيجي برحيل مبارك، ومحاكمة عدد من رموز الفساد وهرب رؤوس أموال ضخمة أثناء الثورة، وإثارة التساؤلات حول ثروات رجال الأعمال التي تحصلوا عليها نتيجة الفساد. ولأن الرأسمالية كانت تعتمد بشكل أساسي على الفساد، فإن نسبة كبيرة من الأرباح ستظل محجوبة حتى تستقر لها الأوضاع وتعود سيرتها الأولى. ولكن رغم المحاولات المستميتة، لن تكون العودة عملية سهلة على الإطلاق. كما أن الرأسمالية العالمية لم تخرج بعد من أزمة كبيرة، وبالتالي لن تستطيع مد يدها بالشكل الكافي لتعويض الخسائر، وأظن أن المعونات المقدمة ستكون مشروطة، وسوف تتطلب ضمانات كبيرة، ولن يستأسد بها رجال الأعمال وحدهم كما في السابق. كما تفكك خاطب الليبرالية الجديدة، التي استندت إليه الرأسمالية، عن معدلات النمو وقدرة الرأسمالية على حل أزمات المجتمع و تحقيق الرفاهية كما كان يدعي محمود محي الدين ورشيد محمد رشيد ومن على شاكلتهم.ولكن التحدي الأكبر هو ظهور الطبقة العاملة على ساحة الصراع، عارية الصدر وظهرها إلى الجدار. لديها الكثير من المطالب وليس لديها ما تخسره. و لقد أتاحت الثورة وضعاً استراتيجياً للطبقة العاملة : سلحتها بخبرة ثورية عن قدرة الجماهير على التغيير، و كشفت لها زيف الأفكار الإصلاحية التي روج لها مفكروا البرجوازية. كما وضعت على أجندتها الحد الأدنى للأجور وهو مطلب سوف يوحد النضال ويخرجها كطبقة من حالة التشرذم التي عانت منها لسنوات في مطاردة حافز هنا وكادر خاص هناك. والأهم هو السعي الحثيث الذي نراه الآن بأعيننا لبناء نقابات مستقلة تستبدل النقابات الصفراء، وبناء الحزب السياسي المنوط به قيادة الطبقة.وخلاصة القول: لدى الطبقة العاملة المصرية فرصة تاريخية لتحرير نفسها من كل أوهام الماضى التي روجت لها البرجوازية سنوات طويلة، وبناء مؤسساتها من المصانع صعوداً إلى المستوى القومي، والاستعداد للنضال اليومي والتكاتف في المعارك المختلفة، لأن انتصار عمال طنطا للكتان، وإنشاء نقابة للعاملين بالنقل العام وغيرها هو انتصار للطبقة العاملة، وتعزيز لقدرتها على قيادة المجتمع ككل في المرحلة القادمة نحو التحرر من استغلال النظام الرأسمالي.