بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

طلبة وعمال.. خطوة لقدام

مسيرة جبهة ثوار في وسط القاهرة

عدة أشهر من الموت والركود في الحركة الجماهيرية بعد 3 يوليو. واليوم، صعود تدريجي، لكن بسرعة كبيرة ربما لم يتوقعها الكثيرون حتى من بين أكثر المجموعات والعناصر نضالية في الحركة الثورية. الثوار يعودون إلى الشارع في مسيرات ضخمة، كما في الأربعاء 27 نوفمبر، لتحدي الداخلية والعسكر وللرد على بلطجتهما وقمعهما الشرس الذي يزداد يوماً بعد يوم، والذي من الصعب أن يستبدله النظام المستبد بخيار آخر لإجهاض الثورة المستمرة. لكنهم يقمعون العشرات، ليواجههم الآلاف بـ”يسقط حكم العسكر”، و”الداخلية بلطجية”، و”يسقط كل من خان”.

الطلاب والعمال.. خرجوا عن السكون وبدأوا في شرخ جدار الصمت بإضرابات طلابية تنتشر في جامعات عديدة كالنار في الهشيم، وإضرابات واعتصامات عمالية تضرب أمثلة حية للصمود والبطولة والتحدي وطول النفس مثلما في نضال عمال فاركو للأدوية والسويدي للكابلات وكريستال عصفور والحديد والصلب وغيرهم.

وبرغم القمع والتحريض الإعلامي والتشويه السياسي، تتوسع النضالات الطلابية والعمالية بمعدلات سريعة للدفاع عن المطالب والحقوق والحريات، مستخدمةً أسلحة التظاهر والإضراب لتضرب عرض الحائط بقانون “منع” التظاهر الذي لا غنى عن تكثيف كافة الجهود النضالية والثورية لإسقاطه تماماً.

كتلٌ عريضة من الثوار قد تمزقت أمامهم غشاوة “الحرب على الإرهاب” التي تبرر بها الثورة المضادة، بقيادة السيسي مدعوماً بأجهزة الدولة والإعلام و”مناضلين” سابقين، السطوة القمعية ثقيلة الوطأة على كل من يتنفس في الشارع بأيٍ من مطالب الثورة. أولئك القابعون على رأس السلطة دفعهم جنونهم وتطلعهم للإجهاز على الثورة إلى انتهاج القمع الهمجي، لتنكشف النوايا الحقيقية للنظام العسكري وبلطجيته المسلحين في وزارة الداخلية. كل هذا مع استمرار السياسات الاقتصادية والاجتماعية على ما هي عليه، وازدياد الأوضاع المعيشية سوءاً، خاصةً مع تعمق الأزمة الاقتصادية التي تبدو كالرمال المتحركة تبتلع من ينزلق فيها.

ساهم كل ذلك في إيقاظ آلاف وعشرات الآلاف من الثوار والمناضلين، طلاباً وعمالاً وشباباً ثوار، ودفعهم للعودة إلى النضال في الجامعة والمصنع والشارع. ولا يزال أمامنا أشواطاً طويلة ضارية لتحفيز الملايين من الجماهير إلى طريق الثورة ضد السلطة العسكرية، وضد عودة الفلول للسلطة، وبالطبع مع رفض عودة الإخوان الذين سلموا الثورة من قبل على طبق من ذهب للذبح على محراب العسكر والفلول.

تعود اليوم الروح للثورة.. ولم يكن ذلك ليحدث فقط تحت تأثير تردي الأوضاع المعيشية واستفزاز القمع الهمجي، بل لم يكن ليحدث لولا الخبرة والوعي اللذين جنتهما كتلٌ واسعة من الثوار وتأثرت بهما قطاعات كبيرة من الجماهير بهذه الدرجة أو تلك على مدار الأعوام الثلاثة الماضية. خبرة الثورة لا تموت.. ربما تُدفن تحت السطح بتأثير من عوامل كثيرة، وربما يغطي عليها بعض الضباب لفترة قد من الوقت قد تطول بعض الشيء. وها هي تعود مرة أخرى وتعلن عن نفسها تدريجياً.. لكن بجرأة وشجاعة.

تطورات الأسابيع الأخيرة قد تفتح الباب أمام موجة رابعة من الثورة المصرية؛ ففي الموجة الأولى سقط الطاغية مبارك وبعضٌ من زمرته الفاسدة، وفي الثانية اهتز عرش المجلس العسكري بقيادة السفاحَين طنطاوي وعنان وتصدّعت جدران النظام العسكري بحركة جماهيرية عريضة تعلو وتهبط، هذا النظام الذي استعان بالحلف الإسلامي ضد الشعب ومطالب الثورة. وفي الموجة الثالثة، سقط الديكتاتور المخبول محمد مرسي الذي استكمل تحالف شياطين الثورة المضادة طوال عام من حكمه مع المؤسسة العسكرية وقتلة الداخلية ومجرمي الفلول.

لم يكن الطريق مفروشاً بالورود خلال تلك الموجات الثورية. ولعلنا نتذكر الإحباط الثقيل والتفكك الذي أصاب معسكر الثورة بعد فوز محمد مرسي بانتخابات الرئاسة، نتذكر أيضاً التوقعات المتشائمة بأننا كنا بصدد 4 سنوات سوداء كفيلة بقتل الثورة، وأن الثورة قد انتهت إلى غير رجعة، وما إلى ذلك. ظلت الحركة الجماهيرية بعد فوز مرسي راكدة، وسيطرت على المناضلين والثوار هذه الحالة من الارتباك والتخبط طوال أشهر قليلة. لكن عادت الشوارع لتمتلئ بالجماهير الساخطة، واشتعلت المصانع بالإضرابات والاعتصامات، والجامعات بالمظاهرات بعد أن ساهم بضع آلاف من الثوار في تمزيق نسيج الصمت منذ أغسطس 2012. مظاهرات من آلاف قليلة فتحت الباب لموج هادر أسقط مرسي في 30 يونيو. وها هم الثوار مرة أخرى يعودون، برغم الصعوبات والتحديات الأكثر خطورة.

خلال الموجات السابقة، مرت الثورة بمراحل من التعثر والركود، وواجهت صعوبات كبرى (والصعوبات الراهنة هي الأكبر بالتأكيد). ورغم الثقة التي تستعيدها قطاعات من جماهير الثورة في نفسها مرة أخرى في فترات الصعود، ظلت الثورة مفتقدة الجسور الواصلة بين النضالات المختلفة في الجامعة والمصنع والميدان، تصطدم بحاجز صلب يفصل بين المطالب السياسية للثوار والمطالب الاقتصادية والاجتماعية للعمال وجماهير الفقراء.

لنا أن نتخيل كيف كان الحال سيبدو، مثلاً، إذا توحدت نضالات عمال المحلة والسويس والإسكندرية والعاشر من رمضان عن العمل تضامناً مع الثوار الذين كان المجلس العسكري والداخلية يفتكون بهم منذ عامين في نوفمبر وديسمبر 2011، في محمد محمود ومجلس الوزراء، وفي الكثير من المحافظات الأخرى. أو مثلاً، إذا تضامنت كتلٌ من الطلاب المناضلين مع إضرابات واعتصامات العمال التي وصلت إلى ما يقرب من الألف احتجاج في أبريل وكذلك في مايو 2012.

لنا أن نتخيل الحال الآن عندما يتضامن طلاب جامعات القاهرة والإسكندرية وعين شمس المناضلون من أجل الإفراج عن المعتقلين مع عمال الصلب وفاركو والسويدي المضربين من أجل حياة كريمة، وإذا تضامن العمال بإضراباتهم واعتصاماتهم مع مطلب الإفراج عن المعتقلين.

القوة الضاربة في المصانع والشركات تعود من جديد للنضال وتتوسع تدريجياً، والأعداد الهائلة في الجامعات بدأت في التحرك. والمعركة لا تزال طويلة وشاقة وستمتلئ بالتعرجات صعوداً وهبوطاً. والسعي من الآن لتوحيد النضالات الطلابية والعمالية وتسييسها، وبناء الجسر الواصل بين الجامعة والمصنع والشارع، حجر فوق حجر، سيرتقي بهذه النضالات إلى مستوى أعلى وأقوى في مواجهة الثورة المضادة مما كانت عليه في الموجات السابقة من الثورة.