بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

تسعة أشهر مرت.. والإخوان في خسارة

تسعة أشهر مرت منذ وصول مرسي ومن خلفه مكتب الإرشاد لسدة الرئاسة، ولم يستتب حكمه يوماً ولم يهنأ النظام بلحظة استقرار حقيقية واحدة. فالطبقة الحاكمة التي تحاول ترميم نفسها منذ قيام الثورة، اتسعت تناقضاتها بدخول الوافد الجديد الذي- وللحق- لم يدخر جهداً في مد يد التصالح بل ودسترة المصالح مع كل أركانها الصلبة، من أول المؤسسة العسكرية مروراً برجال أعمال مبارك، انتهاءاً بوزارة الداخلية. تناقضات زادت واتسعت نتيجة نهم جماعة الإخوان المسلمين في تبوأ رجالها أو “المؤلفة قلوبهم” للأماكن المهمة على رأس مؤسسات السلطة القائمة دون تغيير في هياكل أو انحيازات تلك المؤسسات، لكنها تناقضات تقل وتضيق عندما تتوحد الطبقة الحاكمة بوافدها الجديد ومن والاه ضد الحراك الجماهيري والمد الثوري المتزايد خاصةً الاجتماعي منه. 

تسعة أشهر مرت كاشفةً لجماعة الإخوان المسلمين، بمنهجها المحافظ الكاره للثورة ومسلكها المستبد القمعي في المجال السياسي وانحيازها السافر للأغنياء المضاد للملايين بسياساتها الاقتصادية والاجتماعية، أمام قطاع يتزايد من الجماهير كل يوم. تساقطت أوهام قطاعات واسعة من الشعب لإمكانية تحقيق أهداف الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية على يد مرسي وحكمه، ومن ثم تساقطت أوهام هؤلاء لإمكانية نجاح بديل إصلاحي يميني يرمم بنفسه هياكل الإجرام والفساد والاستبداد والاستغلال التي ثارت ضدها الجماهير، كما تزايد عندهم وعند قطاعات متلاحقة وعي بأن بديلاً لن ينجح إلا بإسقاط النظام فعلياً، هذا النظام التي نادت الجماهير بإسقاطه ليأتي مرسي وجماعته ليثبتوه ويضحوا شركاء على قمته.

تسعة أشهر مرت وتيار الإسلام السياسي بقيادة الإخوان يعمل بكل السبل على تقويض المجال الديمقراطي؛ فتشكيل اللجنة التأسيسية الفاضح جعلهم يمررون دستوراً رديئاً بنسبة معيبة تحت ظروف تزوير مهين وإقصاء إجرامي وابتزاز سياسي رخيص، كما نقلوا السلطة التشريعية كاملةً لمجلس الشورى الذي قاطع انتخاباته الجماهير بأغلبية ساحقة، وظلوا على عنادهم في الدفاع والإبقاء على حكومة خاوت الفشل والعجز. وكان دخولهم لمعركة مع القضاء والنيابة قاصراً على تغيير الرؤوس لخدمة مصالحهم الجديدة والتي انكشف وجهها القبيح المضاد للثورة، ففي عهد نائبهم العام الجديد تسارعت وتيرة برائات أركان نظام مبارك وسفاحي الداخلية من قتلة الثوار والتصالح في ملفات فساد رجال الأعمال كما تزايدات أوامر الضبط والإحضار للنشطاء المعارضين والقضايا المهاجمة للإعلام وحرية الرأي وحق التظاهر وانفضح التستر السافر على كل جرائم الموالين لمرسي.

تسعة أشهر مرت لتكشف إفلاس الوافد الجديد والطبقة الحاكمة بأكملها عن تقديم أي إصلاحات إقتصادية حقيقية ولو شكلية ترضي طموحات ملايين الفقراء من الكادحين في العيش وخدمات عامة إنسانية وتحسن في شظف معيشتهم. فبدلاً من إقرار حد أدني وأقصى للأجور وفرض ضرائب تصاعدية على الأرباح الرأسمالية واسترداد الأموال المنهوبة من أساطين رأس المال في نظام مبارك واستعادة الشركات والمصانع المنهوبة ورفع ميزانية الصحة والتعليم والخدمات العامة وفرض تسعيرة جبرية على الأسعار، هرع مرسي وحكومته إلى التصالح مع اللصوص الفاسدين وإلى السعي وراء استثمارات أجنبية لا تأتي في بلد ثورته مشتعلة في الشوارع وإلى استجداء قرض من صندوق البنك الدولي بكل شروطه من تحرير سعر الجنيه ورفع الدعم عن المحروقات والسلع الأساسية. إصرار مرسي وجماعته على تجاهل كل مطالب الثورة الاجتماعية والاقتصادية، وإصراره على تنفيذ سياسات الليبرالية الجديدة، أدى إلى زيادة رهيبة في الأسعار وحالة اقتصادية متردية عند الملايين وتفجر أزمات حادة مثل الخبز والسولار والكهرباء وغيرها وإلى تزايد وتيرة الكوارث الناتجة عن انهيار الخدمات العامة المقدمة للملايين.

تسعة أشهر مرت والعجز المتزايد لنظام مرسي وأداؤه الاستبدادي المعادي للثورة وأهدافها يُفقد جماعة الإخوان المسلمين ومشروع الإسلام السياسي بوجه عام ظهيرهم الشعبي ويعمل على تآكل جماهيريتهم بشكل متطرد. لقد بدأ الإخوان المسلمون وهم في الحكم يحفرون بالفعل قبرهم، فكم  من سنوات بل عقود طويلة اعتمدوا فيها على تعاطف ومساندة جماهيرية كبيرة لبناء مشروعهم رافعين شعار ومروجين الوهم أنهم البديل الأصلح لنظام مبارك ومن قبله، وكم تتزايد خسارتهم في قاعدتهم الشعبية بفداحة منذ بروزهم في الحكم. ومع تعرية سياسات الجماعة وتقلص دائرة تأييدهم وتصاعد الحراك الجماهيري الغاضب ضدهم، زادت ممارساتهم القمعية بشاعة فألقوا بكل وسائلهم للخروج من أزماتهم في حجر الحل الأمني العنيف من قتل وسحل وتعذيب على يد الداخلية التي أصبح قيادتهم يتغزلون فيها عند كل غزوة ضد الثورة وتلفيق قضايا علي يد نائبهم العام. لجئوهم للقبضة الأمنية ودلالة واضحة لارتعاشهم على كرسي الحكم من الغضب الجماهيري المتنامي، تلك القبضة التي لم تزد الجماهير إلا سخطاً وتصميماً على استكمال مقاومة حكمهم.

تسعة أشهر مرت والجماهير المتعطشة للتغيير العميق والآملة في تحقيق أهداف الثورة والتي تنزل في المظاهرات بالشوارع والميادين والتي تقوم بإضرابات في المصانع والشركات والتي ترنو في كل المواقع لتحقيق نقلة في حياتها، مازالت تبحث عن بديل ومشروع تلتف من حوله. رأي كثيرون في جبهة الإنقاذ أملاً لكن مواقفها الإصلاحية المهتزة وإنتهازيتها في مغازلة أجهزة الدولة القمعية كالجيش والشرطة وتكوينها الذي رحب بالفلول داخله وتجاهلها المطالب الاقتصادية للملايين، أدت إلى تقوض الأمل فيها عند قطاعات متزايدة من الناس وإلى خروج متتالي لكثير من قواعد أحزابها المحسوبة على الثورة. لكن مع غياب بدائل أخرى على الساحة ومع تزايد عمق الغضب الجماهيري ضد الإخوان، ظهرت للأسف أصوات تنادي بانقلاب عسكري يطيح بمرسي وتبني تلك الأصوات قطاع من الفلول وبعض القوى الليبرالية المذعورة. وتلك الدعاوى الخطيرة لتدخل العسكر يجب أن نفرد له الكثير من الصفحات نواجهها فيها بكل حسم ووضوح.

تسعة أشهر مرت وبناء التنظيم الثوري والوعاء الجبهوي الثوري الجامع، المنغرس في كل المواقع المناضلة القادر أن يكون قطباً جاذباً بنضاله وخطه السياسي الثوري ومواقفه الحاسمة المنحازة للملايين وفي القلب منهم الطبقة العاملة، أضحى ضرورة ملحة. أعطتنا الجماهير دفعات من الأمل مذهلة منذ محاصرة قصر الاتحادية بمئات الآلاف ونزولها بأعداد تتزايد في معظم المحافظات رغم القمع الأمني العنيف، كما ألهمتنا بتجارب ثورية فريدة مثل العصيان المدني ببورسعيد وتشكيل أنوية لسلطة شعبية بديلة هناك أو كالإدارة الذاتية للمصانع والتي أصبحت حلاً مطروحاً بقوة أمام قطاعات أوسع من الطبقة العاملة والتي تتزايد رقعة إضرابتها وإحتجاجاتها. كما كشفت لنا المعارك الانتخابية في اتحادات الطلبة بالجامعات وفي نقابات الصحفيين والصيادلة والبيطريين أن هزيمة الإخوان وتيار الإسلام السياسي بالصناديق أيضاً ممكنة وشديدة الأهمية. لكن مسار الثورة لن يتعمق إلا بالموجة الاجتماعية القادمة والتي لن تنتصر إلا بتنظيمها  لتطيح بالطبقة الحاكمة برمتها وتعبد الطريق لسلطة الشعب وإعادة ثروته له.