بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

أي بديل يساري نريده اليوم؟

الحديث يدور اليوم بتوسع حول ضرورة بناء بديل يساري جديد. والاشتراكيون كانوا أول من طرح هذا الأمر، ولازالوا يدافعون عنه باستماتة. يحيى فكري يعيد طرح موقف الاشتراكيين الثوريين من ثلاثة قضايا شائكة وقفت عقبة دائماً دون تحقيق المهمة.

صاحب الإعلانات المتوالية لنتائج الانتخابات التشريعية شعور بالصدمة خيم على القسم الأعظم من حلقات اليسار. مصدر الصدمة كان النجاح الكبير لمرشحي الإخوان والانهيار المدوي لمرشحي التجمع. بالنسبة لنا في “أوراق اشتراكية” لم يكن الأمر مفاجئاً، ولم يشعرنا بالصدمة، فنتائج الانتخابات جاءت مطابقة لما كتبناه طوال الشهور الماضية. إلا أن هذا لم يمنع تفاقم الشعور لدينا بأهمية اللحظة، وبحجم الفرص المتاحة والمخاطر المحتملة المطروحة كتحديات أمام اليسار المناضل في مصر اليوم.

لا يوجد من يشك اليوم، والحقيقة لم يكن هناك من يشك قبلاً، في ضرورة بناء بديل يساري. المعضلة كانت ولازالت في الإجابة على الأسئلة المتعلقة بطبيعة هذا البديل ودوره، والأهم في الطريق الذي يجب أن نسلكه للوصول إليه. لقد دافع الاشتراكيون الثوريون طوال الأعوام الثلاثة الماضية، وتحديداً بعد مظاهرات 20 و21 مارس 2003، عن أولوية بناء تحالف لليسار المناضل يشق مجرى جديد لليسار داخل الصراع الطبقي في مصر، ويطرح نفسه كبديل في أعين الجماهير المتعطشة للتغيير، واعتبرنا هذا وقتها قضية حياة أو موت. ولم تخل “أوراق اشتراكية” منذ عددها الثاني في يونيو 2003 وحتى اليوم من الدفاع عن هذا الطرح، كما لم نتوقف عن السعي من أجل بناء هذا التحالف.

حوارات عديدة دارت طوال العامين الماضيين حول هذا الأمر بين ممثلين للحلقات الماركسية، وبين المناضلين داخل اجتماعات حركة 20 مارس، وحركة “كفاية”، والحملة الشعبية من أجل التغيير. ولم تسفر جميعها عن أية خطوة عملية في اتجاه تحقيق الهدف، فقد ظلت عدة اشكاليات تقف بصورة دائمة حائلاً دون تحقيق التوافق حول المهمة المطلوبة. ثلاثة قضايا شائكة أعاقت طول الوقت فرصة تجميع قوى اليسار المناضل، وبناء بديل يساري يكاد أن يجزم الجميع على أن غيابه اليوم يعني ضياع الفرصة لوقت طويل مقبل. القضايا الشائكة نتجت عن الإجابات المتعارضة على الأسئلة التالية: 1) أي بديل نسعى لبنائه؟ 2) من هم اليسار؟ 3) ما هو موقف البديل اليساري من الإخوان المسلمين؟

هذا المقال محاولة مجددة لطرح موقف الاشتراكيين من الأسئلة الثلاثة. عسى أن تؤدي إعادة الحوار بطريقة علنية منفتحة حول هذا الأمر إلى فتح الباب أمام استقطاب حقيقي داخل صفوف اليسار، وفرز اليسار المناضل القادر على تحقيق المهمة.

حزب يساري جماهيري مناضل

شهدت مصر مع مطلع القرن الحادي والعشرين بداية موجة جديدة من النضال الجماهيري دشنتها مظاهرات التضامن مع الانتفاضة الفلسطينية وحملات جمع التبرعات لصالحها. عكست هذه الحركة ومن بعدها حركة مناهضة الحرب على العراق موجة من العداء للإمبريالية والصهيونية وسط أقسام واسعة من الجماهير المصرية، لكن الأهم أنها عكست حالة من الغضب والتجذير السياسي ضد الأوضاع القائمة في مصر. وفي المقابل أدت الأزمة المركبة للنظام المصري ـ اقتصادياً وسياسياً ـ وتراجع دوره الإقليمي والضغوط الواقعة عليه إلى انتعاش عوامل الانقسام داخله وإصابته بحالة من الشلل، وقد عمق كل ذلك من حالة التجذير تلك. هكذا انفتح الباب أمام شعار التغيير وتحول إلى مطلب التفت حوله مجمل النخب السياسية في مصر. وبالطبع لم يحمل من التقوا على شعار التغيير نفس البدائل، فالحركة ضمت في صفوفها أطيافاً واسعة من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار.

المهم في الأمر أن الغضب الحادث واتساع الحركة كان ولازال يحمل في داخله ـ بلا أدنى شك ـ اندفاعاً لليسار، أي في اتجاه الرغبة في تحقيق إصلاحات اجتماعية واسعة ضد الفقر والفساد والبطالة، ومن أجل تحسين مستويات المعيشة، وتوفير قدراً أعلى من الخدمات والضمانات الاجتماعية، مع ربط المطالب الاجتماعية هذه بالمطالب الوطنية والديموقراطية. هكذا أصبح الواقع في مصر اليوم يزخر بيسار جديد، بمئات وآلاف وعشرات الآلاف من الشباب المستعدين للنضال على مطالب اجتماعية وسياسية جذرية، بمئات الآلاف والملايين من الفقراء ومتوسطي الحال الباحثين عن بديل قادر على التصدي لهجوم الليبرالية الجديدة والعمل على توفير حياة كريمة للمواطنين.

الشباب الغاضب والجماهير الباحثة عن بديل تلك ليس بينهم بالضرورة من يرى نفسه يسارياً أو ناصرياً أو ماركسياً أو ما شابه، كما أنهم لا يعيرون التفاتاً لمسميات القوى والتيارات أو لتعريفاتها السياسية، ما يشغلهم هو البحث عن المضمون النضالي والقدرة على إحداث تغيير حقيقي. هكذا التف آلاف الشباب الغاضب حول حزب الغد بسبب جرأة قيادته وتحديها للنظام. هكذا أيضاً ذهبت مئات الآلاف إلى صناديق الانتخابات وأعطت أصواتها للإخوان لأنهم رأوا فيهم بديلاً مناضلاً بحق قادر على التخلص من الفساد وبالتالي من الفقر وتدني الأحوال المعيشية. هذا تحديداً هو مكمن الخطر. فانفراط اليسار وتفككه، والسمعة السيئة التي لحقت به بسبب تواطؤ التجمع مع مبارك ونظامه، وانحسار نفوذه وغيابه عن النضالات الاجتماعية مع ضحالة طرحه السياسي، وانكفاء رموزه وغرقهم في معارك “فلسفية” وهمية حول قضايا التنوير والظلامية ..الخ، كل ذلك أدى إلى غياب قوى اليسار كبديل محتمل في أعين الجماهير.

هكذا نجد أنفسنا أمام مفارقة مأساوية: الجماهير الغاضبة، التي تندفع إلى اليسار تحت ضغط أحوالها المعيشية المتردية، تلتف وتدعم قوى وحركات يمينية ورجعية تحمل مشاريع سياسية معادية في الجوهر لمصالح تلك الجماهير. وهنا بالضبط تكمن المهمة المطلوبة: بناء حزب يساري جديد يطرح نفسه كبديل سياسي للنظام، يتوجه إلى الجماهير لاستقطابها حول مطالبها الاجتماعية ويدفعها للنضال من أجل انتزاع هذه المطالب.

وانطلاقاً من طبيعة المهمة يمكننا تحديد شروطها. فأولاً البديل المطلوب هو حزب، أي كيان سياسي له برنامج بسيط متكامل يربط بين مجمل المهام المطلوبة للإصلاح في مصر، والأهم أنه يطرح نفسه كطرف في الصراع على السلطة أي بديل قادر على تحقيق برنامجه السياسي. وثانياً هو بالتعريف حزباً يسارياً، أي حزب يضع المطالب الاجتماعية في قمة أولوياته، ويستنتج الإصلاحات السياسية كشرط لتحقيق مصالح الجماهير، فالديموقراطية بالنسبة له طريق وحيد لانتزاع الإصلاحات الاجتماعية وليست هدفاً في المجرد. وثالثاً هو حزب جماهيري مناضل، أي حزب يتوجه للجماهير ويسعى لاستقطابها حوله، وبالتالي هو حزب منفتح ينضم إليه كل من يوافق على برنامجه، وهو أيضاً حزب مناضل أي يستقطب الجماهير عبر تعبئتها في معارك لانتزاع مطالبها.

وأخيراً هو حزب يظهر في أعين الجماهير كبديل على مستوى قومي، أي يجب أن يتسع إطاره لكافة القوى والحلقات التي تتوافق حول برنامجه كحد أدنى لتوحيد نضالها، كما يجب أن يتسع نطاقه ليضم كل المنحازين لقضايا الجماهير في مختلف أرجاء مصر. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو من توجه لهم الدعوة لتأسيس هذا الحزب؟ أية قوى وحلقات؟ أي مناضلين مستقلين؟ أي جمهور؟

من هم اليسار المناضل؟

في أول اجتماع تحضيري لملتقى اليسار، الذي شارك في نقاشاته ممثلين لعدد من الحلقات اليسارية، طُرح سؤال عمن هي القوى التي يجب دعوتها لهذا الملتقى؟ وكانت هناك أكثر من إجابة: إحداها رأت قصر الأمر على الماركسيين، وأخرى رأت توسيعه ليضم الناصريين، وثالثة أكدت على أن اليسار يحدد بانحيازاته الاجتماعية. أما أغربها فكانت هي توجيه الدعوة للأطراف “ذات الأصول الماركسية”! فذوي الأصول الماركسية ـ من وجهة النظر الأخيرة ـ هم من يجب تسميتهم باليسار، حتى لو أن بعضهم لم يعد ماركسياً أو يسارياً من الأصل، وحتى لو أنه اليوم أصبح من المدافعين عن الخصخصة والحوار مع الحزب الوطني. وبالطبع تحمل الإجابة الأخيرة استبعاداً ضمنياً لكل من لم ينتموا للماركسية يوماً، حتى لو كانوا اليوم من المدافعين بإخلاص ونضالية عن برنامج للإصلاحات الاجتماعية والديموقراطية أكثر جذرية مما يتبناه بعضاً من مدعيي الماركسية أو “ذوي الأصول الماركسية”!

القصة السابقة قليلة الشأن في حد ذاتها، إلا أن دلالتها مهمة لفهم الكثير من الحوارات التي تدور الآن حول مسألة بناء يسار جديد. فأحد أهم أزمات اليسار القديم الذي يرفع اليوم شعار بناء بديل يساري هو نزوعه الحلقي. فهؤلاء الذين كانوا في مطلع السبعينات القاطرة التي دفعت إلى الأمام كل الحلقات والمنظمات والأحزاب اليسارية التي ولدت ساعتها، لازالوا يمارسون اليوم ـ وبعد ما يزيد عن ثلاثين عاما ـ نفس صراعاتهم الحلقية، والأسوأ أنهم يورثونها للمجموعات المحدودة من الشباب الجدد التي تقترب منهم.

إن كثيرين ممن صنفوا أنفسهم في السبعينات كشيوعيين لم يعودوا كذلك. وكثيرين ممن لازالوا يصنفون أنفسهم هكذا باتوا مجرد تياراً ليبرالياً إصلاحياً يعتبر أن معركة الإصلاح السياسي تميز اليسار عن غيره، ويجب أن ينطلق منها البديل اليساري. على جانب آخر سنجد الكثيرين ممن التفوا حول راية الناصرية في السبعينات، ولازالوا متمسكين بها حتى الآن، لا يملكون أي مدلول عملي لتميزهم كناصريين، اللهم إلا تمجيد القائد “الخالد” والدفاع عن وحدة “المصير” للشعوب العربية.

وعندما يلج الحديث إلى قضايا النضال العملي، إلى المطالب السياسية والاجتماعية الراهنة، سنجد القسم الأعظم من اليسار المناضل وسط كل هؤلاء ـ وبصرف النظر عن الرطان الإيديولوجي ـ يطرح مواقف شديدة التقارب. فكل من ينتمون إلى اليسار المناضل، وليس كل من يعتبرون أنفسهم يساراً، يدافعون عن ضرورة إسقاط النظام والقضاء على الاستبداد، وتأسيس جمهورية برلمانية. وجميعهم يدافعون عن مواقف معادية بوضوح للإمبريالية والصهيونية، وعن ضرورة دعم المقاومة. كما أنهم جميعا يتفقون على ضرورة التصدي لليبرالية الجديدة، وإعادة توزيع الثروة وتوجيه خطط التنمية لصالح فقراء المصريين. والأهم أن جميع هؤلاء متوافقون تماماً على أن حركة الجماهير هي الطريق الوحيد لفرض الإصلاحات المطلوبة.

ساحة اليسار إذن، ورغم الانقسامات العديدة داخلها، تحمل كتلة مناضلة متوافقة بدرجة كبيرة على مهام النضال العملية الراهنة. إلا أن هذه الكتلة مفككة داخل أقسام اليسار المختلفة، وهي بذلك تفتقد من جانب إلى الإطار الذي يوحد نضالها، ومن جانب آخر ترتبط لأسباب حلقية بكتل تشدها إلى الوراء وتقف حائلاً دون توحيد صفوفها. هذا الوضع هو ما يحدد لنا بوضوح المهمة المطلوبة.

فالإجابة على سؤال: من هم اليسار المناضل؟ يجب ألا تنطلق من تحديد المعالم الإيديولوجية أو البرنامجية، إنما يجب استنتاجها اليوم عبر عملية نضالية تقوم على آلية للفرز والاستقطاب. هذه العملية يجب أن تشتمل على شقين رئيسيين: أولاً استقطاب سياسي حول الملامح العامة لمشروع حزب اليسار المناضل، يهدف بالأساس إلى شق ساحة اليسار وفرزها على أساس سياسي، وبما يسمح بتجميع الكتلة المناضلة وفصلها عن الكتل الحلقية. على سبيل المثال القيام باستقطاب سياسي للكتلة المناضلة داخل التجمع، بدفعها إلى حسم ترددها والانفصال عن الكتلة اليمينية المتواطئة المهيمنة على الحزب. وأيضاً استقطاب يسار “كفاية” للانفصال عن يمينها، والانخراط في بناء حزب اليسار المناضل.

ثانياً توجيه هذا الاستقطاب إلى مهام نضالية عملية، ففرز المناضلين لا يمكن أن يحدث إلا عبر النضال. بالإضافة إلى أنه لا سبيل إلى تعبئة الجمهور الجديد المندفع يساراً سوى بتوجيه دفة اليسار للنضال حول القضايا الاجتماعية لهذا الجمهور. هذا يعني ألا يقتصر الاستقطاب على الكتابات والنقاشات السياسية، وإنما يجب أن يرتبط بتجميع المناضلين اليساريين في مجموعات عمل داخل حملات مطلبية اجتماعية، كالتصدي للخصخصة والبطالة ..إلخ.

هذه العملية بشقيها: الاستقطاب السياسي والنضال حول القضايا الاجتماعية، ستجد نفسها من الوهلة الأولى أمام قضية مركزية، لم يعد من الممكن البحث عن حلول وسط لها، هي موقف اليسار المناضل من الإخوان المسلمين.

الموقف من الإخوان

تشهد ساحة اليسار اليوم الكثير من اللغط حول الإخوان، هذا اللغط ليس جديداً لكنه انتعش مؤخراً بسبب نتائج الانتخابات التشريعية. وأدى إلى إحياء المواقف العلمانية للـ”اليسار” التنويري تجاه الحركة الإسلامية والإخوان. فاليسار التنويري ينظر إلى الساحة السياسية ـ ككل التيارات الليبرالية ـ على أنها منقسمة ما بين أصحاب الأفكار، أي أن الصراع السياسي في جوهره صراع عقائدي، وهو بذلك ينحي جانباً المصالح الطبقية التي تقف وراء المشاريع السياسية، حتى لو استخدم أحياناً رطاناً طبقياً. هكذا يعتبر التنويريون (راجع ما يكتبه رفعت السعيد وحاشيته) أن نظام مبارك بصفته نظاماً “مدنياً” أقرب إليهم من الإخوان بسبب أفكارهم العنصرية تجاه النساء والأقباط، وبالتالي يصبح الإخوان هم العدو الرئيسي. هذا الرطان التنويري يتجاهل حقيقة أن جماهير الإخوان، وعلى الرغم من سيطرة الأفكار الرجعية عليهم، يقاتلون لانجاح مرشحيهم بهدف القضاء على فساد نظام مبارك واستبداده، وهي الأسباب الرئيسية ـ من وجهة نظرهم ـ للفقر وتردي أحوالهم المعيشية. وهكذا يتحول الموقف الصحيح المناهض للرجعية والعنصرية إلى موقف يعتبر الجماهير الفقيرة التي تناضل ضد الفقر والاستغلال هي العدو، لأنها تتبنى أفكاراً رجعية!!

انظروا مثلاً إلى المفارقة المدهشة في الضجيج حول خطر الإخوان على قضية المرأة وحرية النساء في مصر. فهذا الضجيج يتجاهل ـ بتعنت شديد ـ أن مئات الآلاف من النساء المصريات لعبن دوراً مركزياً في انجاح مرشحي الإخوان في الانتخابات، وأنهن خضن نضالات جسورة دفاعاً عن حقهن في الإدلاء بأصواتهن. مئات الآلاف هؤلاء لم يفعلن ذلك دفاعاً عن حق أزواجهن في ضربهن، مثلاً، وإنما فعلنه دفاعاً عن لقمة العيش، ومن أجل تحسين أحوالهن المعيشية. ولنا أن نسأل هنا أصدقائنا التنويريين والتنويريات عما فعله اتحاد النساء التقدمي، وملتقى هيئات المرأة، وغيرهما من المنظمات النسائية، لصالح نساء العريش، وقرية سراندو، وزوجات المعتقلين، والناخبات اللواتي تعرضن للعنف في معركة الانتخابات؟! ماذا قدموا لهن من دعم؟ كيف تضامنوا معهن؟ وما هي النضالات التي دعوا إليها لصالحهن؟ ولماذا لم يشاركوا في النضالات التي دعا إليها آخرين لنفس الهدف؟ وطالما كان هذا هو الحال، فبأي حق يبكون اليوم على قضايا المرأة وحريتها المهددة؟!!

العنصر الأول من وجهة نظرنا ـ نحن الاشتراكيون الثوريون ـ لفهم جماعة الإخوان هو أنها منظمة متناقضة، وهذا التناقض بنيوي في داخلها، أي لا يحدث لأسباب عارضة أو نتيجة لصراع مؤقت. قيادة الإخوان (ليس مكتب الإرشاد وإنما القيادة بالمعنى الواسع) واقعة دائماً، وبسبب طبيعتها، تحت ضغوط متناقضة. من جانب هي تسعى لتقديم أوراق اعتمادها إلى الرأسمالية الكبيرة المحلية والعالمية، بصفتها القوة القادرة على حماية مصالح تلك الرأسمالية في مصر، وبما يؤدي بها إلى التواطؤ مع النظام والإمبريالية. ومن جانب آخر هي تسعى للحفاظ على جمهورها وكسب أقسام أوسع من الجماهير خلفها، بما يدفعها إلى تبني مواقف مناهضة للفساد والاستبداد، وإلى تنظيم تحركات ضد النظام والإمبريالية. هذا التناقض هو ما يفسر لنا الميوعة والتذبذب الدائم لمواقفهم.

العنصر الآخر المهم لفهم الإخوان هو أنها المنظمة السياسية الجماهيرية الوحيدة في مصر، أي التي تضم داخل عضويتها أقسام من الجماهير الفقيرة والمتوسطة، وتملك نفوذ واسع وسط الطبقات الفقيرة (انظر إلى نجاح مرشحي الإخوان في أهم المواقع العمالية) جماهيرية الجماعة هو ما يجعل التناقض ما بين قيادتها وقاعدتها له شأن حاسم في الصراع السياسي، ولا يمكن مقارنته مثلاً بالتناقضات داخل التجمع أو أية قوة أخرى، فالآخرين جميعاً مجرد حلقات من النخب السياسية للطبقة الوسطى، وبالتالي لا يتجاوز تأثير تناقضاتهم الداخلية حدود تلك النخب.

هذا الفهم يجعل من تماسك حزب اليسار المناضل حول موقف موحد تجاه الجماعة شرطاً رئيسياً لوجوده ونجاحه. فلا يمكن لأية قوة مناضلة في مصر اليوم أن تتجاهل نفوذ الإخوان ولا قدرتهم على تعبئة الجماهير. الإخوان قوة رجعية بلا شك ومتواطئة أيضاً، وهذا يفرض على اليسار المناضل التصدي لتواطؤها ومواقفها الرجعية، وفضح ذلك أمام جمهورها وعامة الفقراء. إلا أن ذلك لن يتحقق بانفصال عن حركة هذا الجمهور ونضاله ضد الفساد والاستبداد، ولأجل توسيع هذا النضال وتجذيره بطرح مطالب اجتماعية ضد الاستغلال والاضطهاد.

على حزب اليسار المناضل التواجد في كافة المعارك التي يخوضها الإخوان، حول المطالب التي يتفق عليها، أي المتعلقة بالإصلاح السياسي والتصدي للفساد. فغياب اليسار المناضل عن تلك المعارك يسمح لقيادة الإخوان بالمزيد من التواطؤ دون أن تفقد جمهورها، وبتسييد مواقفها الرجعية وسط هذا الجمهور. التواجد المشترك في المعارك المطلبية يطرح مهمة التنسيق الجبهوي لتنظيم التحركات العملية حول المطالب المتفق عليها. والشرط الرئيسي لهذا التنسيق هو الاستقلالية الكاملة لحزب اليسار في راياته وأدوات دعايته، وألا تتوقف دعايته أبداً عن نقد وفضح تواطؤ الإخوان ورجعيتهم.

وعلى جانب آخر على حزب اليسار أن يناضل بدأب ضد كل ألوان الاضطهاد الواقعة على النساء أو الأقباط أو غيرهم، وأن يربط كل ذلك بالنضال الاجتماعي ضد الرأسمالية، وبالتصدي لليبرالية الجديدة وسياسات التجويع والإفقار. هكذا فقط يمكن لليسار أن يستعيد جماهيريه التي فقدها بسبب انحطاط جناحه التنويري، وأن يتحول إلى بديل قادر على فرض مطالب الجماهير وانتزاع حقوقها.