بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

إيه اللي وداهم عند الداخلية؟!

إيه اللي وداهم هناك؟! في كل مرة تزهق فيها الأرواح وتنتهك فيها الأعراض يتردد هذا السؤال الأصم الأعمى، الفارغ من المعني في الحقيقة. رغم أنه في نفس الوقت يكشف لنا عن كم التشوه الذي أحدثته سنوات القمع في نفوس الكثير من المصريين، بحيث تحولوا إلى مسوخ بشرية، نعم تشارك البشر في الصفات الخارجية، لكنها أبعد ما تكون عن معنى الإنسانية والرحمة والعدل. سنوات تحت الحكم الشمولي المستبد نجحت في أن تستبدل الضحية مكان الجاني، أن تلقي بالتهم على الضحية وتلتمس الأعذار والحجج للجاني، فالضحية وفقاً لهذا الرأي هي المسئولة عن مصيرها المشئوم والجاني له العذر فيما فعل.

وإذا كانت الإجابة كل مرة على هذا السؤال أنهم ذهبوا إلى هناك – أياً كان هذا الهناك ميدان التحرير، أم مجلس الوزراء، وزارة الداخلية، أو حتى وزارة الدفاع – ليطالبوا بحقهم المشروع في وطناً تحكمه قيم الحق والعدل والمساواة، ليطالبوا بالعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية التي اتنفض من أجلها المصريون، فإن الإجابة عن السؤال عنوان المقال تحديداً هذه المرة تطول، فمن ذهبوا إلى مبنى وزارة الداخلية نعم لهم نفس المطالب والأحلام، لكن الدافع الأقوى والأهم الآن هو الثأر. يتفق من يتفق ويختلف من يختلف، لكن الحقيقة المؤكدة التي لا يمكن إنكارها أن وزارة الداخلية بمن داخلها الآن هم خصماً لقطاع كبير من الشعب المصري. ولا يخفى على أحد أن دعوة النزول يوم الخامس والعشرون من يناير عام 2011 كانت بالأساس ضد وزارة الداخلية وللمطالبة بإقالة وزيرها آنذاك حبيب العادلي، بعد أن كان عام 2010 عاماً مليء بحوادث القتل داخل أقسام الشرطة جراء التعذيب ولعل أشهر واقعتين كانتا مقتل خالد سعيد وسيد بلال بالإسكندرية، هكذا إذاً بدأت الثورة وقد طفح الكيل من الداخلية وضباطها.

الشرطة والألتراس

كان من الطبيعي ألا نندهش عندما يعلن الألتراس بجميع طوائفه المشاركة في مظاهرات يوم 25 يناير 2011 بعد سنة حافلة بالملاحقات الأمنية من قبل الشرطة ومحاولات للتضييق على تحركات وتجمعات الألتراس. كانت ذروة تلك الأحداث في ديسمبر 2010 حيث قضت محكمة جنح قصر النيل بمعاقبة‮ ‬19‮ ‬من مشجعي‮ ‬الزمالك من رابطة مشجعي نادي الزمالك (الوايت نايتس) بالحبس سنة مع الشغل وكفالة ألف جنيه‮ ‬إثر اتهامهم‮ ‬بإثارة أعمال الشغب وإتلاف منشآت رياضية وإهدار المال العام قبل مباراة الأهلي‮ ‬والزمالك في‮ ‬بطولة دوري‮ ‬كرة اليد. كما قضت محكمة مستأنف الأحداث بمحكمة شمال القاهرة بمعاقبة 7 من ألتراس النادي أهلاوي بالحبس لمدة أسبوعين، بتهمة الاعتداء على الشرطة وإحداث شغب خلال مباراة الأهلي وكفر الشيخ، كما قامت الشرطة باعتقال خمسين شخصاً من الألتراس بشكل احترازي قبل مباراة الأهلي والزمالك في ديسمبر 2010 أيضا.ً

إذاً فقد اندلعت الثورة والعلاقة بين الشرطة والألتراس علاقة عدائية. مجموعات شبابية كارهة لتسلط وعنف الشرطة، لا تختلف كثيراً عن المجموعات الشبابية المسيسة والغير مسيسة التي شاهدناها في النصف الثاني من 2010 تخرج في جميع شوارع مصر لتندد بعنف الشرطة ولتمهد للثورة. اندلعت الثورة وقام أبطال الألتراس بدور باسل منذ يومها الأول وضحوا بأرواحهم بلا تردد أو مساومة، بلا رغبة في السلطة أو إجتذاباً للأضواء. إلى أن أصبح مجرد الإعلان عن انضمام الألتراس للمتظاهرين في أي مكان وجدت فيه اشتباكات مبعثاً للراحة واحساساً بالسند والدعم. وقدم الألتراس لمصر في العام الأول من الثورة أكثر من شهيد منهم إسلام بكير من رابطة مشجعي الزمالك بالقاهرة والذي توفي يوم جمعة الغضب، وحسين طه من الإسكندرية ومحمد مكوة من السويس واللذان توفيا يوم جمعة الغضب أيضاً.

لتأخذ مشاركة الألتراس في الثورة منحناً جديداً لا يشتمل على كراهية الشرطة فقط بل يتنامى ليطال كل أشكال السلطة الغاشمة. ولتتطور شعاراتهم وهتافاتهم لتصبح أكثر جذرية ووعياً تندد بشكل مباشر بالشرطة والعسكر معاً. لا يتخلف الألتراس عن مباراة بلافتاتهم التي تطالب بالقصاص لدم الشهداء ولا يتخلفوا أيضاً عن المعارك فيتواصل نزيف الدم ويستشهد شهاب الدين أحد أفراد الوايت نايتس في أحداث محمد محمود ومحمد مصطفى أحد أفراد رابطة التراس أهلاوي إثر إصابته بطلق ناري في منطقة الصدر أثناء مشاركته في أحداث مجلس الوزراء. هكذا هتف الألتراس وندد بالداخلية وسخر من ضباطها في أغانيه، فردت الداخلية عليهم بالرصاص الحي والقتل إلى أن دبرت ونفذت مذبحة بورسعيد التي استشهد فيها أكثر من خمسة وسبعون شهيد من ألتراس أهلاوي، ليندفع الشباب بشكل تلقائي وعفوي نحو وزارة الداخلية للاحتجاج وإعلان ليس فقط رفضهم للجريمة البشعة، وليطالبوا بالقصاص لدماء الشهداء وبتطهير الداخلية، فتمنعهم الداخلية بقنابل الغاز المسيل للدموع والخرطوش وتبني الجدران العازلة لتحميها من الشعب الغاضب، الشعب التي هي في خدمته من وراء جدار.

تطهير الداخلية

هل الحديث الآن عن تطهير للداخلية يعد بالأمر المقبول؟ إن مذبحة بورسعيد ومن بعدها الحرب الضارية التي يخوضها ضباط الشرطة ضد المتظاهرين العزّل إلا من عزمهم وإرادتهم والحجارة، أكبر دليل على أنه لا أمل ولا جدوى للحديث عن هذا التطهير المزعوم. ربما كان يعد مقبولاً لو أنهم أظهروا بعضاً من الندم أو استعداداً للتغيير لكن هذا الآوان قد ولى. ولنتأكد من استحالة التطهير دعونا نلقي نظرة سريعة على نشأة ضابط الشرطة ولمن يكون ولائه للشعب الذي من المفترض أنه يعد لخدمته أم ولائه للسلطة التي يستمد منها القوة والهيبة التي يبطش بها. نعلم جيداً كيفية الانضمام لكلية الشرطة التي تقبل أدنى مجموع من بين الحاصلين على الثانوية العامة وخلال الثلاثون عاماً الأخيرة كانت وسيلة الدخول أحد أمرين: الواسطة القوية كأن يكون والدك أو أحد أقاربك لواء شرطة أو جيش، أو أن تكون من عائلة قادرة مادياً لتدفع قيمة الرشوة المالية الباهظة لمن سيسهل لك الأمر.

ثم بعد ذلك ينفصل طالب كلية الشرطة عن المجتمع لمدة أربعة سنوات، رغم أن وظيفة الشرطي هي بالأساس وظيفة مدنية لخدمة المدنيين. من المقبول أن ينشأ ظابط الجيش في مناخ خاص بعيد عن ترف المدني وفي ظل صرامة وقيود عسكرية لأنه في النهاية سيواجه الأعداء ولا يجب أن تأخذه بهم هوادة أو لين. ولكن لما يطبق هذا النظام مع طالب الشرطة؟ لماذا يتم إقناع طالب الشرطة بأنه فوق الآخرين، وأن المدنيين هم في مرتبة أدنى وأقل شأناً منه، إلى الدرجة التي تصل إلى إعطائهم التعليمات بعدم التحدث إلى الأفراد المدنيين، وآلا يستقل المواصلات العامة إلا راكباً في الدرجة الأولى إذا لزم الأمر، وألا يصادق أو يتزوج ممن هم في غير مستواه الاجتماعي الجديد الذي يفترض عليه دائماً أن المدني أدنى من العسكري، كذلك ألا يجلس على مقهى وإذا سار خارج كليته فعليه ألا يتمهل وأن ينظر طيلة الوقت إلى أعلى وإلى الأمام، فإذا واجه مدنياً نظر إليه من علٍ*.

هذا هو المناخ الذي يعد لنا ضابط الشرطة المكلف بحمايتنا وخدمتنا. ترى كيف نصدق أن ولائه لنا ونحن هم المدنيون الذين بنيت عقيدته على كراهيتنا. لذلك فإن فكرة حياد الشرطة وحمايتها للمجتمع هي أكذوبة روجت له السلطة لسنوات، فولاء الشرطي للسلطة لا يتزعزع لأنه يعتمد عليها ويستمد منها قوته ونفوذه وهي تستخدمه كأداة للبطش والقمع. لذلك لا يمكن لمن نشأ على هذا أن يتطهر، ولا أمل في إصلاح أو إعادة هيكلة.

نحن بحاجة إلى إعادة النظر في المعايير التي يتم على أساسها أولاً الالتحاق بكلية الشرطة، كأن يتم السماح للطلاب من الطبقات الاجتماعية الفقيرة الالتحاق بالكلية مثلاً. بل يري البعض بعدم جدوى كلية الشرطة بشكلها الحالي من الأساس ويرى ضرورة إلغائها وتشكيل جهاز أمني جديد يسمح لجميع التخصاصات المختلفة بالالتحاق به، على رأسهم طلبة كليات الحقوق، مع تدريب قصير لمدة ستة أشهر أو عام على الأكثر للحيلولة دون انغلاق ضباط الشرطة داخل معايير خاصة بهم، الأمر الذي أدى لحال الشرطة الآن. ولكن، هذا التغيير الشامل لن يحدث إلا إذا سقطت الدولة الأمنية القمعية بكاملها، بكافة مؤسساتها الرجعية التي تشكلت على أساس تنفيذ مهام القمع والإرهاب المنظم للجماهير، لبناء دولة جديدة تبنيها الطبقات المضطهدة لتخدمها وتحميها.

———————————————————————————-
* من مذكرة لمحمود قطري ألقاها في اليوم العالمي لمناهضة التعذيب.

اقرأ أيضاً:

مقالات أرشيفية حول الداخلية