بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

يهود مصر بين الوطنية والصهيونية والهويات القلقة

* الكتاب: شتات اليهود المصريين
* المؤلف: جويل بينين
* الناشر: دار الشروق
* السنة: 2007
* ترجمة: محمد شكر

للوهلة الأولى قد يبدو كتاب شتات اليهود المصريين لمؤلفه “جويل بينين”، أستاذ التاريخ بجامعة ستانفورد سابقا ومدير مركز دراسات الشرق الأوسط بالجامعة الأمريكية بالقاهرة حاليا، كمحاولة تنطلق من ضرورة تجاوز التصورات الإطلاقية عن أوضاع الجماعات اليهودية. فقد بذل المؤلف جهدا تأريخيا متميزا من زاوية تنوع المصادر البحثية والتنقل بين شتى حقول العلوم الإنسانية. كذلك فإن فرضيته الرئيسية بُنيت على أن اليهود المصريين كانوا مندمجين في المجتمع والثقافة المصريين، في رفض واضح لمقولة الصهيونية بأن كل يهود العالم في حالة شتات يتوقون لإنهائها بالعودة إلى “أرض الميعاد”، وهو ما يتحداه المؤلف الذي يرى أن مصر كانت الوطن وليس الشتات بالنسبة لليهود المصريين، وأن شتاتهم كان بنزوحهم عنها بفعل تفاقم الصراع العربي الإسرائيلي.

على أن بينين في المقابل يطرح رؤية غير مقبولة وتستحق النقد الجذري عن سبب خروج اليهود من مصر، وهو أنهم كانوا ضحية تصادم مشروعين قوميين في مصر و”إسرائيل”! ويقوم المؤلف بتفصيل رأيه عن طريق عدد من الحجج الفرعية هي:

– أن أقلية ضئيلة فقط من اليهود في مصر كانوا ذوو انتماءات صهيونية. فهناك شواهد عدة على اندماجهم في المجتمع، اقتصاديا مثل الرأسماليين اليهود كيوسف أصلان قطاوي (وكان عضوا في مجلسي النواب والشيوخ) ويوسف شيكوريل (صاحب المتاجر المشهورة)، وكلاهما كان عضوا في اللجنة التأسيسية لبنك مصر، وثقافيا مثل الفنانين توجو مزراحي وليلى مراد وداوود حسني، هذا بالإضافة إلى كون بعض صحف الطوائف اليهودية ناطقة بالعربية (الكليم والشمس).

– أن معظم اليهود الذين غادروا مصر بعد عام 1948 لم يذهبوا إلى إسرائيل. يبرهن المؤلف على ذلك بعدد من النماذج مثل الأعضاء اليهود في الحركات الشيوعية الذين كونوا ما سُمي بـ” مجموعة روما” في فرنسا، وكذلك الأسر اليهودية القرائية التي قطنت على خليج سان فرانسيسكو في الولايات المتحدة.

– أن يهود مصر احتفظوا برابطة روحية وحياتية بينهم وبين مصر. يسوق المؤلف على ذلك دليلا مريبا هو أعضاء جماعة “ها شومر ها تزائير” الصهيونية العمالية الذين ظلوا محتفظين بذكرياتهم وخبراتهم الحياتية التي اكتسبوها في مصر قبل هجرتهم لإسرائيل.

– أن اليهود المصريين كانوا ضحايا، كما قلنا، لخطابين شموليين، هما الخطاب الصهيوني والخطاب القومي العربي، الذين يشتركان في استبعاد اليهود من الهوية المصرية ويصنفونهم في مصاف الغرباء/الدخلاء!

وعلى الرغم مما توحي به منطلقات الكتاب من مهمة تقدمية، فإن الحقيقة هي غير ذلك. وهناك العديد من المآخذ المنهجية والتعقيبات السياسية حول رؤية المؤلف مثل. فأولا ينطلق المؤلف من فرضية عجز الخطابين الصهيوني والقومي العربي عن تكوين رؤية فضفاضة تستوعب الجماعات المختلفة داخل مشروعهما السياسي. ومن ثم فهو يسعى إلى تفكيك مفهوم الهوية العضوية التي ترسم حدودا قاطعة بين الأنا والآخر، ويطرح تصورا بديلا للهوية باعتبارها “حالة” تتشكل تاريخيا واجتماعيا وليست “جوهرا” سرمديا متجاوزا للتاريخ. وعلى هذا الأساس يرى المؤلف أنه يجب النظر إلى الهوية المصرية كهوية هجين تضم العديد من التناقضات والاختلافات وتـأوي بين جنباتها جماعات متعددة الانتماءات والمشارب، بل والولاءات، ومن ضمنها الجماعة اليهودية في مصر التي كانت تضم اليهود القراءين (وهم طائفة مندمجة في المجتمع المصري وتتحدث العربية) والطائفة السفاردية (اليهود القادمون من الولايات العثمانية) واليهود الأشكيناز (النازحون من شرق أوروبا وروسيا مع تفاقم المسألة اليهودية منذ القرن التاسع عشر).

لكن الحقيقة هي أنه هناك ضرورة للتمييز بين اليهود المصريين واليهود الوافدين، وهو تمييز أشارت له موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية (للدكتور عبد الوهاب المسيري). فالفئة الأولى كان أغلبها من الطائفة القراءية المندمجة في المجتمع المصري منذ أمد بعيد، وهي جزء أصيل من الجماعة الوطنية. أما الفئة الثانية فجاء ارتباطها بمصر مع تصاعد اضطهاد اليهود في أوروبا وهجرة العديد من الفئات الأوروبية إلى مصر مع بزوغها كمجال اقتصادي نشط وسوق مبشر، وقد تزايدت نسبتهم حتى بلغت (60%) من إجمالي اليهود في مصر.

إذن فـ”اليهود المصريين” ليست وحدة تحليل ناجعة ومفسرة. والتمييز السابق الذي نتحيز له لا يأتي من قبيل العصبية أو العنصرية، ولكن من زاوية دلالاته التفسيرية. فهو يرد على مقولة الشعب اليهودي الواحد. كما أنه يعيد للنقاش مفردتين هامتين هما “التغريب” و”التحديث” لا يقيم الكتاب لهما وزنا ملائما باعتبارهما عمليتان تاريخيتان قامتا بفرز اجتماعي واقتصادي وثقافي للمجتمع المصري، وصنعتا من خلاله فئات ذات مصالح وروابط متعددة مع الغرب الإمبريالي، كما خلقت حالة من الهويات القلقة، خاصة لدى فئات الطبقات الوسطى المتأوربة التي ضمت العديد من يهود مصر بحكم إتقان العديد منهم للغات الأجنبية وعملهم في مهن ووظائف وسيطة كالسمسرة والتجارة، مما مكنهم من الحصول على الجنسيات الأجنبية ذات الامتيازات في مصر، وهو ما يمكن تفسيره بمفهوم “الجماعة الوظيفية” التي كانت أحد أدوات الهيمنة الاستعمارية. وبالطبع لا يقصد من هذا المفهوم كل اليهود في مصر. فلا بد من الاعتراف أن الكثير من اليهود المصريين والعرب لعبوا أدوارا وطنية مثل يعقوب صنّوع وشحاتة هارون والصحفي نعيم قطان ومراد العماري اللذان شكلا العصبة اليهودية لمكافحة الصهيونية في مصر.

وبسبب مفهومه الهجين للهوية، فإن بينين أدرج أعضاء المنظمة الصهيونية العمالية (ها شومر ها تزائير) ضمن هذه الهوية! فيقول أنهم ظلوا متأثرين بذكرياتهم وخبراتهم وممارساتهم الاجتماعية في مصر، لدرجة أنهم ظلوا يتحدثون الفرنسية – التي لم يتعلموا سواها في مصر – عندما هاجروا للإقامة في أحد الكيبوتزات الإسرائيلية. فهل مجرد الاحتفاء بذكريات طيبة – مثل الوصفة المصرية في طبخ الأرز – دليل كاف على المواطنة أو على الانخراط في هوية مجتمع أو بلد ما؟ بالطبع لا. فهذه الذكريات لم تكن عاملا حاسما ومؤثرا في رؤيتهم السياسية، بدليل انضمامهم لجيش الكيان الصهيوني، بل واشتراكهم في معارك ضد الجيش المصري في النقب!

يركز المؤلف على العديد من النماذج الهجينة والشخصيات القلقة باعتبارها تعبر عن “مساحة وسيطة” تنأى عن المقولات الإقصائية التي تشترط الولاء لمشروع سياسي أو دولة قومية واحدة. لذا فهو يخصص فصلا كاملا عن “هنري كورييل” الناشط الشيوعي الذي يمثل حالة من “البداوة السياسية” حيث تتداخل الهويات والمشاريع السياسية. فهو يهودي، يحمل الجنسية الإيطالية، عاش في مصر، وترأس الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني (حدتو) (والتي اعترفت بقرار التقسيم 181!)، والذي سعى عقب خروجه من مصر للوساطة في إقامة السلام بين مصر وإسرائيل! يرى الكاتب أن كورييل يمثل نموذجا للجماعات الوسيطة التي يمكن أن تنشئ فضاء ثقافي واجتماعي مشترك وجسرا للحوار يمكن عن طريقه بناء عملية السلام وتجاوز الحلول الصفرية بين العرب وإسرائيل.

وأنا هنا طبعا اختلف جذريا مع المؤلف في اعترافه بالقومية اليهودية داخل فلسطين (!) وتجاهله لطبيعتها الاستيطانية، بل واعتباره المستوطنين اليهود أصحاب حقوق طبيعية ومشروعة، فضلا عن أنه يطبع الكيان الصهيوني باعتباره دولة سوية، متجاهلا طبيعته العنصرية الاستيطانية المؤسسة على “الحق في أرض الميعاد”، وطبيعته الوظيفية التي يلعبها لخدمة المصالح الاستعمارية.

واختلف كذلك مع بينين في مسألتين شديدتي الأهمية، أولا إعجابه بالشخصيات اليهودية القلقة الذي جعله يختزل المساحة المفردة للنماذج الوطنية من اليهود الشيوعيين الذين كان لهم مواقف حاسمة وواضحة من الكيان الصهيوني – مثل شحاته هارون ويوسف درويش – إلى فقرات شاردة أو سطور معدودة. ثانيا المساواة المتعسفة وغير المعقولة بين الخطابين الصهيوني والقومي العربي، باعتبار أن كليهما يعكس رؤية عضوية عنصرية تنفي الآخر وتتمركز حول الذات (!) وهو الأمر الذي دفعه لتوزيع الاتهامات بمعاداة السامية على العديد من الكتاب المصريين الذين تناولوا الجماعات اليهودية والنشاط الصهيوني في مصر (مثل عواطف عبد الرحمن و سهام نصار وأنس مصطفى كامل) بل واتهامه للمؤرخ رؤوف عباس – في أحد الحوارات الصحفية – بمعاداة السامية.