بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

«عيون الحرية» تنير طريق الثوار

قد تستيقظ صباحا لتجد عضو مجلس عسكري قائداً للثورة فتقول “عادي، لقد خُدعنا من قبل واحتفلنا فور تنحي مبارك رغم تسليمه السلطة لجزء آخر من نظامه”. وقد تنظر إلى رئيس لجنة وضع دستور تصحيح مسار الثورة لتجده عمرو موسى فتحدث نفسك قائلاً “لدى الكثيرين أوهام عن حياديته وانفصاله عن نظام مبارك”. ولكن أن ترى في يوم ذكرى محمد محمود الجيش والشرطة يدعوان لتأبين الشهداء الذين قتلوهم والإخوان يهتفون “اشهد يا محمد محمود” رغم خيانتهم لنا بـ”ايه اللي وداهم هناك”، فهذا ما يدعو للقلق. فإما نحن قد نسجنا ذكريات العامين الماضيين من محض خيالنا، وإما أصاب الجميع حالة فقدان ذاكرة مفاجئ ليتجرأ القاتل والخائن بمثل هذه البجاحة على ابتذال الذكرى.

ومن أجل الاطمئنان على السلامة العقلية لمن لاتزال تؤرقه الذكرى، ومن أجل التذكير لمن نسى، سنسرد بعض تفاصيل وقائع محمد محمود من صباح يوم  19 نوفمبر وحتى يوم 25 نوفمبر عام 2011.

في 11 نوفمبر تم الدعوة لاعتصام مصابي الثورة، التي تجاهلت الدولة كافة مطالبهم ولم تحقق أي من وعودها تجاههم، إلا أن قوات الشرطة قامت باقتحام الميدان صباح يوم 19 نوفمبر وضربت المعتصمين، وما أن انتشر خبر هجوم الشرطة على الميدان حتى انضم إلى المعتصمين المئات من المتضامنين ليواجهوا بطش الداخلية ويدافعوا عن ميدان مثًل رمزاً لمواجهة وحشية هذه الداخلية.

تظل صورة الجنود وهم يسحلون جثة من شعرها لإلقائها في “الزبالة” شاخصة في ذهننا كلما ذُكرت أحداث محمد محمود، وكيف انقضّوا على آخر بهراواتهم بغلٍ عجيب وانتقامٍ شرس لا لشيء سوى أنه تجرأ وتحدى بطشهم.

“جدع يا باشا.. جت في عينه”، هكذا صاح أحد أفراد الأمن المركزي تحيةً لزميله بعد إصابته لأحد المتظاهرين بطلق خرطوش في عينيه. كان هذا نهجاً للداخلية بصفة عامة؛ فقد جاءت أغلب الإصابات إما في الوجه والعينين أو بالاختناق. وقد عُرف الشارع فيما بعد بشارع عيون الحرية لكثرة من فقدوا عيونهم فيه مثل البطل أحمد حرارة الذي فقد أحد عينيه في جمعة الغضب 28 يناير والأخرى في محمد محمود.

كان من الطبيعي أثناء تجوالك في الميدان أن تجد من يحمل زجاجات فارغة من الغاز المسيل للدموع منتهية الصلاحية. قوات الأمن ألقت كميات هائلة من الغاز، بل واستخدمت غازات محرمة دولياً ومثيرة للأعصاب تؤدي إلى تشنجات عصبية. فما كان من المتظاهرين إلا ارتداء الأقنعة الواقية لتحدي الغاز والهتاف “الشعب يريد الغاز القديم”.

المستشفى الميداني بكنيسة قصر الدوبارة، والتي فتحت أبوابها للجميع، عالجت سيل من المصابين لتُهاجم هي الأخرى من قبل قوات الأمن بالغاز المسيل للدموع فيتم تحويل كلاً من مسجدي عمر مكرم وعباد الرحمن لمستشفى ميداني. عمل في هذه المستشفيات فريق من الأطباء في أسوأ الظروف، واستقبلت المستشفيات الميدانية في أقل من 48 ساعة ما يقرب من 3500 مصاب باختناق وخرطوش ورصاص مطاطي استقبلتهم بين الغازات المسيلة للدموع والمثيرة للأعصاب وبين هجمات الأمن في ظل نقص الموارد وخطورة الإصابات.

أما الإسعاف الشعبي فكان له الدور الأكبر في الأحداث، فببسالة منقطعة النظير اخترقوا الصفوف وسُحب الغاز محاولين تفادي طلقات الخرطوش والرصاص الحي لنقل مصاب لأحد المستشفيات الميدانية. “أنا بشوف مصاب بنقله.. بس كده” هكذا تحدث أحد سائقي الدرجات البخارية – الإسعاف الشعبي – ببساطة متناهية عن دوره دون أن يدرك مدى عظمة ما كان يفعله.

انتهت أغلب الاشتباكات ببناء جدار عازل، إلا أن هذا الجدار هو الآخر جسّد رمزاً لتحدي القمع برسوم جرافيتي خلدت ذكرى المعركة أو ألقت زهرة لشهيد أو مصاب فَقد عينه هنا. هكذا انتهت أحداث المعركة، بالطبع حقق المتظاهرون انتصارات سياسية كإسقاط الحكومة وتحديد موعد لتسليم السلطة، إلا أن ذكرى المعركة ودلالتها تبقى في العمق أكثر من أي انتصار سياسي.

في شارع محمد محمود اجتمع مناضلي ومناضلات الصفوف الأولى وأطباء المستشفيات الميداني وسائقي الدرجات البخارية ليضربوا مثلاً على الصمود والتحدي، ووقفت الداخلية كعادتها للفتك بالمتظاهرين، ووقف الإعلام ليتسائل “ايه اللي وداهم هناك؟”، ووقف المجلس العسكري منكراً كل ما حدث وكأنه ليس المسئول عنه، ووقف الإخوان يتهموننا بمؤامرات وهمية على “عُرس الديمقراطية”.. في محمد محمود كانت الصورة واضحة لا لبس فيها مَن القاتل ومَن الخائن ومَن الصامت ومَن القابض على جمر الثورة.. مَن ضحى بعينيه ومَن ضحى بروحه من أجل حلم جميل، ومَن سعى ويظل يسعى من أجل تدمير حلمه. قد ننكر الصور ونكذّب الرواه، لكن أسماء شهدائنا وتضحياتهم ستظل باقية لتذكرنا.