بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ظهور العدرا.. والاضطهاد الطائفي

في وسط مجموعة من البيوت أشبه بالجحور، يسكن فيها الفقراء من الأقباط والمسلمين، تقع كنيسة العذرا والملاك ميخائيل، بمنطقة الوراق. تلك الكنيسة طوقت بجيش من جنود وعربات وضباط الأمن المركزي، بعد انتشار خبر ظهور العذرا، حيث سبق ذلك تجمهر أكثر من عشرة آلاف مواطن. من السكان المجاورين للكنيسة من مسلمين ومسيحيين، رافعين رؤوسهم إلى السماء، كلاً منهم يحمل رجاءه وآماله، مبتهلاً للعذرا أن تباركهم، وتمنحهم عزاء الغرباء، وستر المقهورين، في واقع منهار تحت أقدام الجميع، حيث توارى الأمل في حياة كريمة لجموع فقراء مصر منذ سنوات طويلة، واصبح عرض البحر ملجًأ وملاذا لكثير من شباب مصر، الذي فضل أن يقدم نفسه وليمة لأسماك البحر المتوسط، في حال فشله في الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا. فالحياة في مصر في عيون هؤلاء الشباب أصبحت مرادفا للفقر الأبدي، والبطالة، والعنوسة، ولقانون الطوارئ، وأما المستقبل فملون باللون الرمادي القاتم والكئيب.

في شهر كيهك، الذي حملت فيه السيدة العذراء بالمسيح، والذي تقام فيه التسبيحة للعذرا، في كل كنائس مصر، كان كيهك عام 2009، بمنطقة الوراق، على موعد مع ظهور العذرا، حيث وقف الجميع ينتظر العذرا، ورأسه مرفوعة إلى السماء، والأعين مرشوقة بقباب الكنيسة . واستمر توافد الناس إلى موقع الكنيسة، وكلما توغل الليل زاد الزحام، لم يمنع هذا الجو الروحاني، الممتلئ بالتهليل والفرح بالعّذرا، البعض من استغلال الموقف، وقام بتأجير الكراسي، وأماكن الجلوس على الرصيف، حيث وصل ثمن الجلوس على كرسي في مواجهة الكنيسة إلى 25 جنيه، وثمن الجلوس على حجر الرصيف إلى 5 جنيهات. تم دفعهم بنفس راضية في مقابل نوال بركة العذرا أم المخلص.

لكن الفرحة لم تدم طويلاً، فكما تحكى شابه تدعى جاكلين: «أنه مع تعالى الهتافات للعذرا، في جو من الفرح والبهجة، ظهرت هتافات أخرى معادية، تصم المسيحيين بالجهل والكفر، واتباع الخرافات، ووصل الأمر إلى إطلاق ألفاظ نابية، مما جعل والدي يصر على عودتنا إلى المنزل، ونحن نبكى لتركنا ساحة ظهور العدرا». كما بدأ التواجد الأمني يزداد حول الكنيسة. خوفا من حدوث اشتباكات أو هجوم على الكنيسة.

بعد هذا تردد كلام أن العذرا ذهبت إلى كنائس أخرى، مخلفة وراءها ليالي باردة وحزينة، كباقية أيام المصريين، بعد أن كان ظهورها لحظة بهجة في زمن كئيب.

في هذا السياق تقول مرفت: «أن العدرا لم تظهر فحسب على قباب الكنيسة، ولكن ظهرت في السماء ورآها الكثيرين من مناطق مختلفة في القاهرة، وهى تمد ذراعيها لتطمئن الشعب القبطي بصفة خاصة، الذي بات يعانى كثيرًا في الفترة الأخيرة من الطائفية، والأزمات الاجتماعية والاقتصادية، كما تبارك الشعب المصري كافة خاصة في ظل انتشار الأوبئة مثل أنفلونزا الخنازير، ومن قبلها الطيور، فالعدرا هي المنقذ لشعب مصر ! ودائما ما تظهر في الأزمات مثلما حدث في 1968 بعد النكسة لتعدنا بالنصر، وفى 1986 ظهرت لتطمئن الأقباط، الذين عانوا كثيرا من اضطهاد الجماعات الإسلامية، خاصة في الصعيد، وتؤكد لهم اقتراب وقت الخلاص».

أما أيهاب فقد قال: «ظهور العدرا يحدث من وقت لأخر خاصة في الأزمات ليثبت المؤمنين على أيمانهم، ويمنح الأمل للشعب ويبارك مصر».

إن كان الحديث عن ظهور العذراء قد أدى إلى بروز كافة مشاكل الأقباط على السطح، بداية من الصراع بين الكنيسة الإنجيلية والكنيسة الأرثوذكسية، وصولًا إلى الاحتقان الطائفي، الذي يشهده المجتمع المصري، منذ سبعينيات القرن الماضي. أما السخرية من الأقباط، ووصمهم بالتخريف والجهل، لا يمكن فهمه إلا في سياق هذا الاحتقان، حيث ينظر الأقباط اليوم إلى حملات التشكيك في المعجزات، ومنها ظهور العدرا باعتباره تعصبا وعدم احترام لعقيدتهم.

نعم قد يقول بعض، وهو محق أن حديث المعجزات لا يتسق والمنهج العلمي، لكن التعالي والسخرية من معتقدات الناس دون فهم دورها المحوري في حياتهم هو الجهل بعينه. فإذا كنا مخلصين للعلم بحق فيجب أن نسأل لماذا طافت الجماهير وراء العذرا من الوراق إلى كنائس المسرة والعمرانية؟ لماذا يبحث الجميع مسلمين ومسيحيين عن الخلاص عبر السماء؟

تكمن الإجابة في الواقع المأساوي، الذي نعيشه في مصر، من فقر وقهر، وفي فقدان الأمل، وغياب القوى السياسية القادرة على تنظيم الجماهير في مواجهة هذا الواقع، هكذا تظهر المعجزات لتكون «قلب في عالم بلا قلب، وروح في عالم بلا روح».