بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ساحة سياسية

إفتتاحية العدد 21 من مجلة أوراق اشتراكية

أزمة نظام!

نعيش اليوم في مصر، في ظل مجموعة من التناقضات الحادة، فالنظام الحاكم أمام سلسلة من التحديات الضخمة، خلال العامين القادمين. أول هذه التحديات، وأخطرها، هو الأزمة الاقتصادية العنيفة، التي يمر بها الاقتصاد العالمي، والتي ستخلق، دون شك، حالة من عدم الاستقرار، والارتباكات العنيفة، في السياسات الاقتصادية، في الفترة القادمة.

إن الحديث الحالي عن تشافي النظام الرأسمالي من أزمته الطاحنة، لا أساس له من الصحة، فالانتعاش المحدود، الذي تشهده الأسواق العالمية، في الشهور القليلة الماضية، هو انتعاش مؤقت، لن يُخرج الرأسمالية العالمية من أزمتها، على المدى الطويل، فهو مبني، ليس على عودة الربحية للنظام، بل على تدخل غير مسبوق من حكومات الدول الرأسمالية الكبرى.

لقد أنفقت حكومات مجموعة دول العشرين أكثر من 5 تريليون دولار، لإنقاذ النظام المالي من الانهيار، أي أن الدين الخاص، والذي كاد يدمر كبرى بنوك وشركات العالم، قد تحول إلى دين عام، ولكنه لم يختفِ، ولم تُعالَج أسبابه الجوهرية، والتريليونات التي إستدانتها حكومات العالم، لإنقاذ النظام، لابد من استعادتها، عبر تقليص الإنفاق في المستقبل، وهو ما يهدد بمرحلة أشد خطورة في الأعوام القادمة، بل أن الانتعاش الحالي مجرد فقاعة جديدة، خلقها ذلك التدفق المالي الحكومي الضخم، والتي لا تملك الحكومات موارد استرجاعه.

انفجار هذه الفقاعة الجديدة سيخلق أزمة أعنف، من تلك التي شهدناها عام 2008، ولن تنجو الرأسمالية المصرية من العواقب، فالفقاعة التي أحدثها الإنفاق غير المسبوق للدول الرأسمالية الكبرى، قد أنقذت النظام مؤقتاً، من السقوط في دوامة الانهيار الإقتصادي، ولكن حتى أكثر الاقتصاديين البرجوازيين تفاؤلاً بالانتعاش الحالي، يعترفون بأن برنامج الإنقاذ الحكومي غير قادر على الاستمرار، أو على معالجة الاختلالات الهيكلية، في النظام الرأسمالي العالمي. وهو ما يعني أن المرتكزات الأساسية للاقتصاد المصري، من دخل قناة السويس والسياحة، وتحويلات المصريين بالخارج، والاستثمار الأجنبي، والتصدير، وهي كلها معتمدة تماماً على صحة النظام العالمي، ستتعرض، عاجلاً أو آجلاً، لأزمة عنيفة، تعصف بالانتعاش المؤقت الحالي.

وعلى المستوى السياسي، فالنظام يواجه تحدي الانتخابات البرلمانية، في العام القادم، والتي يريد فيها الإقصاء الكامل للإخوان المسلمين، والانتخابات الرئاسية، في عام 2011، بكل ما نعرفه عن مخططات إما للتوريث أو التمديد.

هذه المخططات ستخلق، دون شك، أزمة عنيفة، فنحن في نهاية الأمر أمام مرحلة إنتقال للسلطة، وحتى لو كان هذا الانتقال يحدث من داخل المنظومة الحاكمة، وربما من داخل الأسرة الحاكمة، فهو سيؤدي بالضرورة لأزمة داخل النظام. فالنظام ليس كتلة صلبة وموحدة، ولكن به أجنحة ومصالح متنافسة ومتناقضة. وأي قراءة سريعة لفترات الانتقال السابقة للسلطة، تؤكد ذلك، فبإستثناء وصول مبارك نفسه للسلطة، بعد اغتيال السادات، (عملية الإغتيال والتحدي الأمني وحد النخبة الحاكمة حول مبارك)، كانت الانتقالات في السلطة التي سبقت ذلك، مدخلاً لأزمات حادة داخل أروقة النظام (الأزمة في 1954 وفي 1971).

هذا التزامن، بين الأزمة الاقتصادية، وبين التحديات السياسية، في العامين القادمين، يشكل بالنسبة للنظام، بمختلف أجنحته، صعوبات جمة ومخاطر استثنائية، خاصة في ظل حركة عمالية واجتماعية، تزداد اتساعًا وعمقًا. أما على مستوى دور النظام الإقليمي، فكافة سياساته قد باءت بالفشل الذريع، سواء في محاولاته الحثيثة لخنق المقاومة الفلسطينية، وإنقاذ عصابة محمود عباس من الانهيار، أو في محاولته للتدخل في الأزمة السودانية، التي تبدو على وشك الانفجار، مُهدِّدة مصالح حيوية للنظام المصري.

لكن، ورغم أزمة النظام، فلا يبدو أن المعارضة المصرية، بمختلف تياراتها، قادرة على الاستفادة من هذه الفترة الحرجة. فالإخوان المسلمون يواجهون هم أيضاً أزمة استثنائية سواء بسبب القمع المتزايد من قبل الدولة، أو بسبب انقساماتهم الداخلية، التي تشل قدرتهم على المبادرة، وتجعل منهم قوة مترددة ومتراجعة، رغم حجمهم الكبير. والمعارضة الرسمية، التي امتدت أزمتها طوال العقدين الأخيرين، يبدو أنها قد حسمت أمرها، بعدم الوقوف أمام مخططات النظام، بل المساعدة على تنفيذها، مقابل زيادة رمزية في تمثيلها البرلماني. والمعارضة الليبرالية، المتمثلة اليوم في أيمن نور، وما تبقى من حزبه، غير قادرة على بلورة بديل، قادر على جذب تأييد حقيقي، في أوساط الجماهير. فإلى جانب بهلوانية أيمن نور نفسه، والمحاولات الهزلية لطرح نفسه كزعيم، وبديل لمبارك ونجله، فهو لا يقدم أية سياسات تختلف في جوهرها عن تلك التي يتبناها النظام، سواء في الولاء المطلق للإمبريالية الأمريكية، ومحاولاته الحثيثة لتقديم نفسه كراعي أفضل لمصالحها. أو في تبنيه الكامل لسياسات النظام الاقتصادية. أما حركة كفاية، ومثيلاتها من الجبهات النخبوية، التي تحاول هذه الأيام إحياء مشروعها، فهي لا يبدو أنها تعلمت شىء من تجارب الماضي. الوجوه نفسها، و الشعارات نفسها، والإستراتيجيات نفسها، و الانقسامات نفسها، و الأفق النخبوي الضيق نفسه، وكل العوامل التي أدت إلى فشلها، في الجولة الماضية، تُطرح من جديد، وبنفس الحماس. أما بالنسبة لليسار، فحدث ولا حرج، فرغم الموجة غير المسبوقة للحراك العمالي، والاحتجاجات الاجتماعية، ورغم بعض النجاحات في الاشتباك مع ذلك الحراك، لايزال اليسار يعاني من هامشية دوره السياسي، والحلقية المقيتة، التي تتعمق يومًا بعد يوم، بين، وداخل، مختلف المجموعات اليسارية، سواء المنظمة أو المستقلة، مما يجعله غير قادر، حتى الآن، على طرح رؤية برنامجية واضحة وموحدة، تستفيد من أزمة النظام، ومن زخم الحركة العمالية والاجتماعية، وغير قادر على ملئ الفراغ السياسي والأيديولوجي الرهيب، على يسار الساحة السياسية.

نحن إذاً، أمام أزمة مركبة، خلال العامين القادمين، وإذا لم نتمكن من بلورة يسار جديد وجذري، قادر على طرح نفسه كبديل سياسي حقيقي، وكمنافس جاد لبقية قوى المعارضة المأزومة، بديل قادر على جذب قطاع، ولو محدود، من القيادات العمالية والجماهيرية، التي أفرزتها، وتفرزها كل يوم، حركة الإضرابات والاحتجاجات المستمرة. وإذا لم يتمكن من الاشتباك البنّاء والمستقل، في المعارك الديمقراطية القادمة، وإذا لم يطرح نفسه في مقدمة المعركة ضد الإمبريالية والصهيونية، وكنصير مبدئي لمختلف حركات المقاومة في المنطقة. إذا لم يتمكن من كل ذلك، فستكون النتيجة، ليس فقط المزيد من التهميش، وعدم القدرة على النمو، وزيادة التأثير والفعالية، في الصراع الطبقي والسياسي. بل ستكون النتيجة ضياع فرصة تاريخية استثنائية، وخيانة للحركة العمالية، التي لن تغفر، ولن تنسى. ستضاف هذه الفرصة الضائعة، إلى أرشيف التجارب الفاشلة لليسار المصري، والمتراكمة منذ الأربعينات، من القرن الماضي.