بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

جرامشي ضد الإصلاحية

« السابق التالي »

6 – العفوية

إن أكثر المجالات تطورا في فكر جرامشى يتعلق بالنضال من أجل وعى ثوري للطبقة العاملة. يبدأ جرامشى بالإصرار على عدم إمكانية تدريب الطبقة العاملة بشكل ميكانيكي على النضال، مثل الجيش. فالنظام وانضباط الطبقة العاملة يعتمدان على وعيها. والوعي بدوره ينمو في علاقة مباشرة مع التجربة العملية للنضال. تطورت أفكار جرامشى في هذه المسألة من خلال سجاله ضد التيارات الثلاث الأخرى في اليسار الإيطالي في العام التالي للحرب العالمية الأولى.

قاد أكبر تلك التيارات سيراتى وكان يرى أن الحزب الاشتراكي هو التجسيد للوعي الشيوعي – ديكتاتورية البروليتاريا هي ديكتاتورية الحزب الاشتراكي. كان سيراتى يعرف الوعي الشيوعي بالعملية البطيئة والمنهجية لبناء الحزب، أما التيار الثاني، الثوريون اليساريون، المتطرفون الملتفون حول بورديجا فكانوا يرون أن حزب سيراتى لن يجرؤ على الاستيلاء على السلطة. ولكنهم هم أيضا كانوا يرون أن الوعي الشيوعي يتجسد في حزب، الحزب الشيوعي وهو صفوة صغيرة من الكوادر المدربة أعلى تدريب والمنضبطة لأقصى حد. لن يستطيع العمال تكوين السوفيتات “المجالس العمالية” إلا بعد أن يستولي الحزب على السلطة من أجل الطبقة.

كان التيار الثالث، الجناح اليميني بقيادة تاسكا، يركز من جهة على تعليم العمال ومن جهة أخرى على عقد اتفاقات مع يسار قيادات النقابات العمالية، كانت هذه المجموعات الثلاث تشترك، على الرغم من الاختلافات بينهم في فكرة أن الوعي الشيوعي هو شئ يقذف به قيادات الحزب للعمال كما تقذف الفتات للطيور.

كانت العوامل التي تحدد تطور وعى العمال بالنسبة لجرامشى، على عكس تلك التيارات، هي طبيعة وقيادة النضالات والمؤسسات المتطورة عفويا. لم يمثل السوفييت بالنسبة لجرامشى، كما لم يكن يمثل بالنسبة للينين وتروتسكى، شيء مجرد يصنعه الحزب في اللحظة المناسبة بل شئ يولد كأداة لنضال العمال في المصانع، ربما يولد في البداية حول مسألة غير مهمة جدا، فعلى سبيل المثال نتجت إحتلالات العمال للمصانع (الشبيهة بالانتفاضة) في سبتمبر 1920 عن فشل المفاوضات بين النقابة والإدارة حول اتفاقية أجور الهندسيين على المستوى القومي. يجب أن ينتج السوفييت عن تنظيم يربط العمال بعضهم ببعض، بغض النظر عن حرفهم ونقابتهم، وبغض النظر عن كونهم أعضاء في نقابات أم لا، تنظيم يربطهم في مكان الإنتاج، يوحد نضالاتهم مع نضالات العمال الآخرين المرتبطين بهم في عملية الإنتاج، تنظيم يعبر عن وعيهم المتنامي بوحدتهم وقوتهم وقدرتهم على السيطرة على الإنتاج، لم تظهر لجان العمال في تورينو من فراغ.

لقد بدأ تطورها كلجان داخلية في المصانع ذات وظيفة شبيهة بمنظمات لجان العنابر في بريطانيا. كان جرامشى يرى أن دوره ورفاقه في جريدة (العصر الجديد) التي كانوا يصدرونها في تورينو هو مساندة هذا التطور العفوي وتعميم هذه اللجان الداخلية وتوسيع قواعدها، تشجيعها على الاستيلاء على السلطة أوسع وأكثر من الإدارة، وأيضا على التوحد.

كما كتب جرامشى:

أصبحت مسألة تطور اللجان الداخلية هي المسألة الرئيسية بل كل الغرض من وجود العصر الجديد أصبحنا ننظر لها كالمسألة الجوهرية في الثورة العمالية: مسألة “التحرر البروليتارى” بالنسبة لنا ولأنصارنا أصبحت (العصر الجديد) هي (جريدة) لجان المصانع.

أحب العمال (العصر الجديد) فلماذا أحبوها؟ لأنهم اكتشفوا في مقالاتها الجزء الأفضل من أنفسهم. لأنهم أحسوا أن مقالاتها تمتلئ بنفس روح البحث الذاتي التي كانوا يمرون بها:

كيف يمكن أن نصبح أحرارا؟ كيف يمكن أن نصبح أنفسنا؟ لأن مقالاتها لم تكن أعمدة ثقافية باردة، بل نتيجة حواراتنا مع أفضل العمال لأنها كانت تعبر عن مشاعر وأهداف وآمال الطبقة العاملة في تورينو. قمنا باستفزازها وتجربتها بأنفسنا، لأن مقالاتها كانت فعليا “تدوين لوقائع حقيقية – وقائع ينظر إليها كلحظات في عملية تحرر داخلي وتعبير ذاتي من قبل الطبقة العاملة لهذا أحب العمال “العصر الجديد” وهكذا (تشكلت) فكرتها.

عندما كتب جرامشى هذه السطور عام 1920 كان لا يزال عضوا بالحزب الاشتراكي. لم يرى جرامشى إلا في أواخر ذلك العام وبعد هزيمة حركة احتلال المصانع الحاجة للانفصال عن الإصلاحية اليسارية وتكوين حزب ثوري متجانس. لذا كانت كتاباته عن لجان العمال تفتقد أي أطروحات واضحة عن كيفية عمل الحزب الثوري بداخل تلك اللجان، ومع ذلك فإن تلك الكتابات تركز على الأساليب التي لا بد أن يتبعها الثوريون والجريدة الثورية من أجل الإمساك بالعناصر الجنينية للتنظيم الشيوعي والوعي الشيوعي في صعودهما العفوي، ولتعميم وتنسيق هذين (الوعي والتنظيم)- لجعل العمال واعيين بهما. عاد جرامشى لنفس المسألة في نقده الذاتي في 1923 لسماحه لأفكاره أن تدفن تحت دوجماتية بورديجا لمدة ثلاثة أعوام.

لم نفهم الحزب كعملية جدلية تلتقي فيها الحركة العفوية للجماهير الثورية مع الإرادة التنظيمية والقيادية للمركز. ولكننا فهمنا الحزب كشيء يطير في الهواء، يتطور من ذاته ولذاته، تصل إليه الجماهير حين يصبح وضعها ملائما لذلك حين تصل الموجة الثورية إلى قمتها.

إن بناء الحزب ليس مسألة حقن العمال بالأفكار من خلال الدعاية المجردة ولا هي مسألة الانتظار حتى يتحرك العمال تحت تأثير الأزمة الاقتصادية. إنها مسألة الارتباط بكل النضالات الجزئية العفوية ومحاول التعميم على أساها. عبر جرامشى عن نفس هذا الرأي في (مذكرات السجن) ولكن باللغة الأكثر تحديدا لتلك المذكرات – حيث كتب فيها أن مهمة الحزب هي استخلاص عناصر (النظرية) الموجودة ضمنيا في النضال الجماعي للطبقة العاملة. وطرح هذه النظرية ضد كل النظريات المتخلفة، سابقة الوجود في عقول العمال.

من الممكن أن تبنى، في ممارسة محددة نظرية تستطيع من خلال تطابقها وتماثلها مع العناصر الحاسمة في الممارسة ذاتها أن تسرع من العملية التاريخية المادية وتجعل الممارسة أكثر كفاءة في كل عناصرها، وهكذا. وبكلمات أخرى، تطور إمكاناتها للحد الأقصى. يبعد هذا القصور كل البعد عن رؤية الشيوعيين الأوروبيين الذين يعتبرون أن النضال من أجل الاشتراكية هو عملية نقية – بطيئة من التعليم تجعل العمال يصوتون بشكل متزايد للتركيبة الصحيحة من البرلمانيين وقيادات النقابات.

« السابق التالي »