بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

جرامشي ضد الإصلاحية

« السابق التالي »

8 – الأطروحة الأساسية

إن التحريفات الإصلاحية لفكر جرامشى مبنية على الأطروحة المثالية:يقال أن جرامشى كان يرى اختلافا كبيرا بين المجتمعات الغربية وروسيا القيصرية. تعتمد سلطة الطبقة الحاكمة في الغرب، ليس على السيطرة المادية المباشرة من خلال الجهاز العسكري – البوليسي – بل على سيطرتها الأيديولوجية التي تمارسها من خلال شبكة من المؤسسات الاختيارية التي تنتشر في (المجتمع المدني) – الأحزاب السياسية، النقابات، الكنائس ووسائل الإعلام. ويعتبر جهاز الدولة القمعي فقط أحد العديد من وسائل دفاع المجتمع الرأسمالي.

يستنتج من كل هذا أن النضال الرئيسي للثوريين ليس الهجوم المباشر على السلطة السياسية، بل النضال من أجل السيطرة الأيديولوجية، ما أسماه جرامشى بـ (الهيمنة).

تكتسب هذه الهيمنة من خلال عملية طويلة تستغرق سنوات عديدة وتتطلب قدرا هائلا من الصبر والتضحيات من جانب الطبقة العاملة. وبالذات لن تستطيع الطبقة العاملة أن تصبح صاحبة(هيمنة) مضادة إلا من خلال كسب القطاعات الرئيسية من المثقفين والطبقات التي يمثلونها بسبب الدور الحاسم الذي يلعبونه في تشغيل أجهزة السيطرة الأيديولوجية. لابد أن تكون الطبقة العاملة مستعدة للتضحية بمصالحها الاقتصادية قصيرة المدى من أجل هذا الهدف. وإلى أن يتحقق ذلك الهدف، أي إلى أن تصبح الطبقة العاملة هي المهيمنة، سيكون مصير أي محاولات للاستيلاء على السلطة السياسية الهزيمة.

تم تبرير هذا الموقف بالزعم بأنه مبنى على أساس الفرق الذي تحدث عنه جرامشى في (مذكرات السجن) بين نوعين من الحرب:

حرب المناورات: وهى تتضمن تحركات سريعة للجيوش المتحاربة بدفعات قوية للأمام وللخلف كلما حاول أحد الطرفين الاستيلاء على مواقع ومدن الطرف الآخر.

حرب المواقع: وهو صراع طويل المدى يشل فيه الجيشان بعضهما البعض في المعركة، ولا يستطيع أي منهما التقدم، مثل حرب الخنادق (1914 – 1918).

يؤكد الخبراء العسكريون أنه في حروب الدول الأكثر تقدماً صناعياً واجتماعياً تعد وظيفة حرب المناورات تكتيكية أكثر منها استراتيجية يجب أن يتم هذا أيضا في فن وعلم السياسة على الأقل في أكثر الدول تقدما، حيث أصبح (المجتمع المدني) بناءا شديد التعقيد محصن بدرجة كبيرة ضد (عواقب) الكوارث الاقتصادية المباشرة (الأزمات، الكساد،…,الخ).

كانت آخر تجربة ناجحة – لحرب المناورات – أي الهجوم الأمامي المباشر على الدولة – هي ثورة أكتوبر 1917:

يبدو لي أن إليتش (لينين) فهم ضرورة التحول من حرب المناورات، التي طبقت بنجاح في الشرق في 1917، إلى حرب المواقع والتي كانت الشكل الوحيد الممكن في الغرب.

كان أساس هذا التحول في الإستراتيجية هو الاختلاف بين الأبنية الاجتماعية بين روسيا القيصرية و أوروبا الغربية:

كانت الدولة في روسيا هي كل شئ، أما (المجتمع المدني) فكان بدائياً وهلامياً… في الغرب عندما كانت الدولة تهتز كان يظهر في الحال المجتمع المدني ببنيته القوية، لم تكن الدولة إلا حاجز أمامي يقف أمامه نظام قوى من القلاع و الخنادق.

إن معادلة الثورة الدائمة تنتمي للفترة التاريخية التي سبقت ظهور الأحزاب السياسية الجماهيرية العظيمة والنقابات الاقتصادية العظيمة حين كان المجتمع لا يزال في حالة سيولة من أوجه كثيرة… في فترة ما بعد 1870.. أصبحت العلاقات التنظيمية الداخلية والخارجية للدولة أكثر تعقيدا وضخامة وحدث توسيع وتخطى معادلة (الثورة الدائمة) (كان ماركس قد تبنى هذا الشعار بعد ثورة 1848) في علم السياسة بمعادلة (الهيمنة المدنية).

لا يجب أن تقبل صياغات جرامشى هذه بشكل غير نقدي، كما سأوضح، فيما يلي، ولكن يجب أولا أن يوضح أنها لا تسمح أبدا باستنتاجات إصلاحية،

أولاً: حرب المواقع هي حرب وليست تعاونا طبقيا مثل الذي يقوم به الحزب الشيوعي الإيطالي اليوم.

لم يتزحزح احتقار جرامشى للإصلاحيين المنادين بالتعاون الطبقي ولو شبرا واحدا في أثناء فترة السجن. قارن جرامشى سلبية الإصلاحيين بالقندس الذي يطارده الصيادون يريدون خصيتيه لاستخراج دواء طبي منهما، فينتزع القندس خصيتيه بنفسه ويعطيهما للصيادين لينقذ حياته (يجب على بعض القيادات النقابية اليسارية أن تتذكر جيدا هذا التشبيه!).

ثانياً: لا يعتبر من الوعي المدهش بشيء القول بأن الممارسة السياسية الثورية ستقضى معظم الوقت في حرب المواقع. فقد دافع لينين وتروتسكى في المؤتمر الثالث للأممية الشيوعية عن ضرورة أن تشترك الأحزاب الشيوعية في جبهات متحدة مع الأحزاب الإصلاحية تكسب أغلبية الطبقة العاملة للشيوعية، وذلك استنادا لتجربة البلاشفة الروس في الجبهات المتحدة. حارب لينين وتروتسكى بشدة ضد (نظرية الهجوم) اليسارية المتطرفة التي كانت منتشرة في ذلك الوقت، بالذات في الحزب الشيوعي الألماني – فكرة أن الأحزاب الشيوعية تستطيع ببساطة أن تتقدم للعاصمة للاستيلاء على السلطة بدون تأييد أغلبية الطبقة ويتم ذلك من خلال مغامرات انتفاضية متكررة.

وقد اعترف جرامشى بدور تروتسكى في تغيير خط الأممية الشيوعية في اتجاه تكتيك الجبهات المتحدة. كما طابق جرامشى صراحة بين (حرب المواقع) و (معادلة الجبهة المتحدة) حاول جرامشى في أطروحات ليون تطبيق تكتيك الجبهة المتحدة على إيطاليا. ولم يعبر تبنى جرامشى لهذا التكتيك عن حدوث أي ضعف في عداء جرامشى المستحكم للإصلاحيين. كتب جرامشى عن تكتيك الجبهة المتحدة كنشاط سياسي (مناورة) مصممة لكشف الأحزاب والمجموعات المسماة بالبروليتارية والثورية ذات القاعدة الجماهيرية. يتم تبنى هذا التكتيك في مواجهة التشكيلات الوسيطة التي يحاربها الحزب الشيوعي كمعوقات في طريق التحضير الثوري للبروليتاريا.

ثالثاً: إن معركة الهيمنة ليست معركة أيديولوجية فحسب. من الصحيح أن جرامشى يرفض باستمرار مقولة أن الاستياء في أحوال العمال يؤدى مباشرة إلى الوعي الثوري.

يشدد جرامشى على هذه النقطة لأنه يريد في (مذكرات السجن) أن يدحض أطروحة “الفترة الثالثة” الستالينية، التي ظهرت في ذلك الوقت، القائلة بأن الأزمة العالمية وحدها ستؤدى للثورة العالمية، يلوى جرامشى العصا ليواجه هذا الانحراف الميكانيكي عن الماركسية، لم يذكر جرامشى أبدا الدور الذي يلعبه الاقتصاد في الحياة السياسية، فمع أن الأزمات الاقتصادية في حد ذاتها لا تنتج الأحداث التاريخية المهمة، فمن الممكن أن تخلق البيئة الملائمة لنشر أنماط فكرية معينة لطرح وحل مسائل تتعلق بالتطور التالي كله في الحياة القومية.

وحدد العلاقة بين الاقتصاد والأيديولوجيا بهذه العبارات: “دائما تتأخر العوامل الأيديولوجية المهمة وراء الظواهر الاقتصادية المهمة، ولذا ففي لحظات معينة يتباطأ أو يعوق أو حتى ينكسر الدفع الذاتي للعامل الاقتصادي بسبب عناصر أيديولوجية تقليدية، هذا التأخر الأيديولوجي وراء الاقتصاد هو سبب ضرورة تدخل الحزب الثوري في الصراع الاقتصادي للعمال من أجل كسبهم من الإصلاحيين.

لذلك يجب أن يكون هناك نضال مخطط وواعى لضمان أن تفهم الجماهير الإمكانيات التي يطرحها وضعها الاقتصادي والتي من الممكن أن تتعارض مع سياسات القيادات التقليدية. إن المبادرة السياسية الملائمة ضرورة لتحرير الجماهير من ثقل السياسات التقليدية.

وفى أحد المقاطع الرئيسية من “مذكرات السجن” عاد جرامشى لتجربة حركة لجان المصانع في تورينو 1919 – 1920 ليوضح الفرق بين تلاحم النظرية الماركسية مع نضال العمال العفوي الذي حدث في ذلك الوقت، وبين النضال الاقتصادي الضيق والجزئي المصحوب بسياسة المثقفين الإرادية والتي كانت توعظ للعمال سياسيا من خارج حركتهم.

اتهمت حركة تورينو بالعفوية والإرادية معا… هذا الاتهام المتناقض، لو حللناه، يبرهن على أن القيادة لم تكن “مجردة”، لم تكن تردد مقولات علمية أو نظرية، ولم تخلط بين السياسة، أي الفعل الحقيقي، والطرح النظري. فقد توجهت لأناس حقيقيين تكونوا من خلال علاقات تاريخية محددة، بمشاعر وتصورات محددة وبمفاهيم مجزئة عن العالم، الخ، تلك التي جاءت نتيجة لتشابك عفوي لحالة معينة من الإنتاج المادي مع تجمع “عرضي” لعناصر اجتماعية مختلفة. لم يتم إهمال أو احتقار هذا العنصر العفوي بل تم تثقيفه وتوجيهه وتنقيته من العوامل الخارجية… كان الهدف هو تطويره في اتجاه النظرية الحديثة (الماركسية) ولكن بأسلوب حي وفعال تاريخيا. تحدثت القيادات نفسها عن منشط، عامل توجيه، وكان فوق كل شئ إنكار لفكرة أن الحركة اعتباطية أو مشروع مجهز بشكل مسبق، كان التشديد هنا على الضرورة التاريخية للحركة، أعطت القيادات للجماهير وعى “نظري” لكونهم قيم مؤسسية وتاريخية، لكونهم مؤسسين لدولة جديدة، هذه الوحدة بين العفوية والقيادة الواعية هي بالضبط الفعل السياسي الحقيقي للطبقات التحتية.

رابعاً: لا يعنى النضال من أجل كسب الطبقات المضطهدة الأخرى (أو الشرائح المتأخرة في الطبقة العاملة) أن تتخلى الطبقة العاملة عن النضال من أجل مصالحها الذاتية، عندما أبرز جرامشى الفرق بين الاتجاه الإستيعابوى والاتجاه الهيمنى كان يفرق بين هؤلاء النقابيين الإصلاحيين الذين يدافعون عن مصالحهم هم داخل المجتمع الرأسمالي وبين الثوريين الذين يطرحون أن نضالهم هو مفتاح تحرر كل الفئات المضطهدة.

في إيطاليا العشرينات والثلاثينات كان الاتجاه الهيمنى يعنى الانفصال عن استراتيجية الإصلاحيين القدامى في محاولتهم كسب تنازلات لعمال الشمال من خلال السكوت على إفقار الجنوب الواقع تحت سيطرة ملاك الأراضي والقساوسة. بدلاً من هذا كان على الطبقة العاملة، إلى جانب نضالها من أجل تحسين وضعها هي، إن تقدم الأرض للفلاحين ومجتمع مستقبلي أفضل للإنتلجنسيا، كان مفتاح كسب الفلاحين، كما كان مفتاح النضال من أجل وعى الطبقة العاملة هو ربط المسائل السياسية بالمطالب العملية. كان جرامشى ينتقد الإصلاحيين لفشلهم في أن يفعلوا الشيء الوحيد الذي كان بإمكانه وقف الرجعية والكاثوليكية بالريف- النضال من أجل تقسيم الأراضي على الفلاحين وأدى الفشل في حل المسألة الزراعية لاستحالة حل المسألة الرجعية الدينية.

ليس هناك ما يدل في (مذكرات السجن) على أن جرامشى تخلى عن موقفه في أطروحات ليون بأن على العمال أن يبذلوا جهدا كبيرا لكسب الفلاحين وأن هذا لن يكون ممكنا إلى من خلال بناء لجان عمالية على أساس الموقع الاقتصادي للعمال في المصانع واستخدام تلك اللجان في تشجيع الفلاحين على تكوين لجانهم الخاصة. المثير للاهتمام هنا هو رغم أن جرامشى تحدث عن “التكتلات الحاكمة” وشدد على الحاجة لأن تكسب الطبقة العاملة الفلاحين، إلا أنه لم يستخدم التعبير الستالينى الشائع “كتل العمال والفلاحين”. كما أنه لم يعتبر مثقفي الطبقة الوسطى حليفا متكافئ مع الطبقة العاملة.

خامساً: وأخيرا لم يقل جرامشى أبدا في “مذكرات السجن” أن النضال من أجل الهيمنة يمكن وحده أن يحل مسألة سلطة الدولة. حتى في الفترات التي تلعب فيها حرب المواقع الدور الرئيسي يتحدث جرامشى عنها كعنصر “جزئي” في الحركة، وعن أن حرب المناورات تلعب دورا تكتيكيا أكثر منه استراتيجيا.

لنطرح هذه النقطة بأسلوب مختلف: في أغلب الأحيان يكون الثوريون مندمجين في نضال أيديولوجي مستخدمين تكتيل الجبهة المتحدة في نضالات جزئية لكسب القيادة من الإصلاحيين. ولكن توجد لحظات متكررة من المواجهة العنيفة حين يحاول أحد الطرفين – العمال أو الطبقة الحاكمة – اقتحام خنادق الطرف الآخر بهجوم مباشر. ظلت الانتفاضة المسلحة بالنسبة لجرامشى، كما أوضح هو في محادثاته في السجن “اللحظة الحاسمة من الصراع” لابد من وضع مسألة التشديد على حرب المواقع في “مذكرات السجن” في إطارها التاريخي. إنها استعارة صممت للتأكيد على نقطة أساسية ملموسة – وهى أن الإرادة الثورية لبضعة آلاف من الثوريين وقت الأزمة لا تخلق الشروط الضرورية لانتفاضة ناجحة. لابد من إعداد هذه الشروط من خلال عملية طويلة من التدخل السياسي والنضال الأيديولوجي. إن الاعتقاد بغير ذلك، كما فعل تولياتى وآخرون من ستالينى “الفترة الثالثة” في أوائل الثلاثينات، كان محض جنون في تلك الظروف، كان جرامشى أقل اهتماما بطرح ضرورة الانتفاضة المسلحة – حيث كان الستالينيون في تلك الفترة مهووسون بتنظيم الهبات المسلحة مهما كانت يائسة، كان جرامشى أكثر اهتماما، كما فعل لينين في يوليو 1917 ومرة أخرى في حالة ألمانيا 1921، بالتشديد على عدم إمكانية نجاح انتفاضة إلا بالتأييد الإيجابي لأغلبية الطبقة العاملة.

من الخطأ تطبيق مثل هذه الاستعارة، وكأن لها صلاحية مطلقة مستقلة عن إطارها التاريخي وحتى من وجهة نظر عسكرية بحتة، لا تعتبر سياسة “حرب المواقع” ملائمة في كل الظروف – وهو ما اكتشفه مثلا، قيادة الجيش الفرنسي عندما تخطت الدبابات الألمانية خط ماجينو عام 1940، وكان الثمن غاليا.

« السابق التالي »