بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

جرامشي ضد الإصلاحية

« السابق التالي »

9 – الالتباسات فى صياغة جرامشى

يجب أن نجعل من أي استعارة يمكن إساءة فهمها، وهذا حال تفرقة جرامشى بين “حرب المواقع” و “حرب المناورات”، موضعا للنقد. وقد أوضح بيرى أندرسون في مقال مهم أن استعارات جرامشى تتضمن العديد من الإلتباسات والتناقضات، تتضمن انزلاق مفاهيمي يصلح لأن يستخدمه الإصلاحيون في تشويش الجوهر الثوري لأعمال جرامشى. يتضح بالتأكيد من كل الحديث السابق أنه يوجد في تفرقة جرامشى بين “حرب المواقع” و”حرب المناورات” درجة من الغموض، ففي مرة يحدث الانتقال من سياسة حرب المواقع بعد 1917 لكن في أخرى يحدث هذا الانتقال في فترة ما بعد استقرار الاقتصاد الرأسمالي العالمي في أوائل العشرينات… هذا الالتباس حول التوقيت مهم لأنه يترك مسألة ما إذا كانت “حرب المواقع” استراتيجية أبدية أم أنها مناسبة فقط في فترات تاريخية محددة بدون حل. إن بعض صياغات جرامشى ترجح التفسير الأول، ولكن إصرار جرامشى المتكرر على التفاعل بين الحزب الثوري و”النضالات العفوية” الطبقية وإيمانه بضرورة الانتفاضة المسلحة يجعلانا نستبعد بشكل قاطع صحة التفسير الأول ونرجح الثاني.

نجد الالتباس الثاني في مسألة تفرقة جرامشى بين روسيا والغرب. تقوم هذه التفرقة على تحليل خاطئ للحركة الثورية الروسية، ففي الواقع، كانت التجارب الأولى لحرب المناورات فاشلة –تماما- مثل الهجوم المسلح على القيصر من قبل الديسمبريين في عشرينات القرن الـ19 ومثل هجمات الشعبويين الذين استطاعوا اغتيال القيصر في 1881. كان على الأجيال التالية من الثوريين أن تتبنى استراتيجية مختلفة. إسقاط النظام القيصري “حرب المواقع” طويلة المدى –عشر سنوات من حلقات النقاش الماركسية وعشر سنوات أخرى من التحريض الإقتصادوى، وذلك لتجميع القوى، كانت حرب المواقع هذه ضرورية لتحضير المجال لـ “حرب المناورات” في 1905 – 1906 ثم في 1917.
وإذا طورنا استعارة جرامشى نجد أن “حرب المواقع” تلك تفقد سبب وجودها وتصبح غير ضرورية متى اكتشف سلاح جديد يستطيع أن يخترق دفاعات الآخر – مثل الدبابة في أواخر الحرب العالمية الأولى (رغم أنها لم تستخدم بشكل مجد) وفى بداية الحرب العالمية الثانية، إن المعادل السياسي للدبابة هو “قوة دفع الجماهير من أسفل” هذه القوة العفوية، الثورية، المفاجئة… والتي فاجأت حتى لينين في فبراير 1917. لا يستطيع الثوريون التكيف مع هذه التغيرات المفاجئة بدون التحول السريع من موقف دفاعي إلى موقف يلائم حرب المناورات الجديدة.، توجيه والتأثير في هذا الاندفاع الأمامي. كانت عظمة لينين تكمن في قدرته على تفهم متى يجب أن يحدث مثل هذا التحول الإستراتيجي من “حرب المواقع” إلى “حرب المناورات”.

ما تفهمه لينين وتروتسكى وروزا لكسمبورج هو أن النضال الطويل الممتد من أجل الهيمنة وتنظيم وتحصين القوى هو أمر ضروري في مراحل معينة من تاريخ الحركة الثورية – إلى أن هذه السياسة تحتوى على خطر هو أن نجاح التنظيم في مرحلة من النضال يؤدى لخلق اتجاه محافظ عندما يحدث تحول في مزاج الجماهير. وفى النهاية، مثل الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني النموذج الرئيسي للحزب المنتهج لسياسة “حرب المواقع” في أوروبا ما قبل الحرب العالمية الأولى. أنشأ ذلك الحزب شبكة ضخمة من التحصينات داخل المجتمع البرجوازى – مئات من الجرائد، مئات الآلاف من الأعضاء، وجمعيات ونوادي محلية، وحركة نسائية، وجهاز نقابي قوى، بل أيضا مجلة نظرية قادرة على جذب إعجاب بعض قطاعات المثقفين البرجوازيين.

أدت محاولة هذا الحزب الحفاظ على هذه “المواقع” عندما اندلعت الحرب العالمية الأولى إلى التحول من المعارضة إلى التعاون الطبقي، والمثير للاهتمام هو استعارة “حرب المواقع والمناورات” استخدمها كاوتسكى، بمدخل قريب جدا من مدخل جرامشى في دفاعه ضد هجوم روزا لكسمبورج في 1912 على القيادة الإصلاحية للحزب الاشتراكي- الديمقراطي الألماني.

« السابق التالي »