بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

جرامشي ضد الإصلاحية

« السابق التالي »

10 – روسيا، إيطاليا، والغرب

اتخذ جرامشى إيطاليا كنموذج للمجتمع الذي تنتهج فيه “حرب المواقع” لكن إيطاليا العشرينات والثلاثينات كانت أبعد ما تكون عن أن تصنف ضمن المجتمعات الرأسمالية المتقدمة، إن الأشياء التي يعتبرها جرامشى خصائص “المجتمع المدني”- الكنيسة والمنظمات السياسية والثقافية والحضرية، تعددية الأحزاب البرجوازية والبرجوازية الصغيرة، تأثير المثقفين الوظيفيين، مثل المحامين والمدرسين والقساوسة- نعتبرها اليوم مجرد ظواهر انتقالية عبرت عن تخلف إيطاليا في العشرينات والثلاثينات، عن الغلبة العددية للفلاحين والبرجوازية الصغيرة والبروليتاريا الرثة. تلك الطبقات والفئات الاجتماعية تقل مع مرور الوقت أهميتها في المجتمعات الرأسمالية المتقدمة ونفس الشيء بالنسبة للمنظمات السياسية والثقافية الحضرية.

تميزت فترة ما بعد الحرب في البلدان الرأسمالية المتقدمة بظاهرة اللا مبالاة- سقوط في المشاركة الجماهيرية في التجمعات السياسية والثقافية وتناقص عدد أعضاء الكنيسة إلى النصف في العشر سنوات الأخيرة، أما المثقفون الوظيفيون، المحامين والمدرسين والقساوسة والأطباء فلم يعد لهم أي دور رئيسي في تشكيل الرأي العام المحلى.

تؤدى الرأسمالية إلى تمركز السلطة الأيديولوجية وإلى تفتيت الجماهير، باستثناء التنظيمات النقابية في أماكن العمل، وتؤدى أيضا إلى إضعاف التنظيمات السياسية والنقابية.

من جهة، لعب تكثيف عملية الإنتاج دورا مهما، فقد أدى نظام ورديات العمل إلى صعوبة تنظيم التجمعات السياسية والسياسية والثقافية ومن جهة أخرى، أدت تجارية الحياة الاجتماعية ودخول الراديو التليفزيون وتمركز السيطرة على الإعلام إلى إضعاف جاذبية النشاطات الثقافية الأخرى. انخفض عدد الأبنية المؤثرة لـ “المجتمع المدني” بين الفرد والدولة، وأصبحت أدوات الاتصال العامة تعمل كوسيط مباشر بشكل متزايد، وفى الوقت ذاته، زادت أهمية وتأثير التنظيمات النقابية في أماكن العمل بشكل كبير لتصبح المؤسسة الوحيدة في “المجتمع المدني” التي لم يطح بها التفتيت.

في هذه الظروف تصبح “شبكة الخنادق الدفاعية” المتوفرة لدى الطبقة الحاكمة في وقت الأزمة شبكة ضعيفة جدا حين يتحرك العمال فعليا، في الواقع، تصبح البرجوازية معتمدة بشكل أساسي على بيروقراطية النقابات، وبدرجة أقل على المنظمات السياسية الإصلاحية، لإيقاف تقدم الطبقة العاملة، ولكن تؤدى هذه السياسة مع مرور الوقت لزعزعة الثقة في القيادات الإصلاحية وقيام العمال بهبات عفوية لن يستطيعوا حتى هم السيطرة عليها، في هذه الظروف من الممكن تطور “حرب المناورات” ويجد العمال أنفسهم على الرغم من عدم امتلاكهم لوعى ثوري، في صراع مباشر مع الدولة الرأسمالية.

يشير تونى كليف في مقال هام جدا كتب عام 1968 إلى أن اللامبالاة ليست مفهوما ثابتا. فعندما يسد طريق الإصلاح الفردي من الممكن تحول اللامبالاة إلى نقيضها – الفعل الجماهيري المباشر. فالعمال الذين يفقدون ولائهم للمنظمات التقليدية يدفعون إلى نضالات متفجرة ومتطرفة ومستقلة.

استخدمت مفاهيم جرامشى منذ أكثر من 45 عاما لتعامل مع مسائل استراتيجية ملموسة، والذين يزعمون الآن أنهم أتباعه يحاولون استخدامها بشكل فج لسد طريق الحوار اليوم، بدون أن يلاحظوا أن المجتمع قد تغير في عدة أشياء. وأن هذا أسلوب دوجماتى لأقصى الحدود ولا يختلف عن الطريقة التي عومل بها ماركس ولينين وتروتسكى في مناسبات عديدة.

« السابق التالي »