بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

جرامشي ضد الإصلاحية

« السابق

11 – نقاط ضعف جرامشى

وضعت الظروف التي عاش وكتب فيها جرامشى حدودا على فكره، أدت تلك الحدود في “مذكرات السجن” إلى وضع أساس التحريفات التي تعرضت لها أفكاره.

كان أول وأوضح تلك الحدود هو رقابة وقراءة الدولة الفاشية لكل كلمة يكتبها جرامشى، كان يضطر لكي يتجنب رقابة السجن، أن يكون مبهما في إشاراته لبعض المفاهيم الماركسية الحادة وإلى استخدام لغة ومصطلحات معقدة ومبهمة تخفى أفكاره الحقيقية، وليس فقط عن سجانيه، بل أيضا عن قراؤه الماركسيين، بل وفى بعض الأحيان، كما أظن، عن ذاته.لنأخذ كمثال استخدام جرامشى لعملية صراع البرجوازية ضد الإقطاع من أجل السلطة، كاستعارة لصراع العمال ضد الرأسمالية من أجل السلطة. هذه مقارنة خطيرة وتؤدى إلى إلتباسات، فعلاقات الإنتاج الرأسمالية لها نقطة بداية في الإنتاج السلعي، الإنتاج من أجل السوق، والتي يمكن أن تنمو داخل المجتمع الإقطاعي. تستطيع البرجوازية أن تستخدم سيطرتها الاقتصادية المتنامية لبناء موقفها الأيديولوجي بداخل الإطار الإقطاعي قبل الاستيلاء على السلطة، ولكن الطبقة العاملة لن تستطيع أن تصبح مسيطرة اقتصادياً إلا من خلال سيطرتها الجماعية على وسائل الإنتاج والتي تتطلب الاستيلاء المسلح على السلطة السياسية، من خلال هذا فقط، تستطيع الطبقة العاملة أن تسيطر على المطابع والجامعات.. الخ، هذه المؤسسات التي استطاعت البرجوازية شراؤها قبل أن تهيمن سياسيا، كان من الضروري على جرامشى أن يكون مبهما في هذه المسألة، ولكن اليوم، يعطى هذا الإبهام مبررا لأنصاف المثقفين الذين يريدون تمثيل دور المناضلين في الصراع الطبقي من خلال العمل الميكانيكي والنضال من أجل الهيمنة الثقافية وهم في الواقع، لا يستهدفون إلا تعزيز مستقبلهم الأكاديمي.

الأكثر من ذلك هو عدم استطاعة جرامشى الكتابة بشكل صريح عن الانتفاضة المسلحة، وقد ساعد هذا القصور الموجود في “مذكرات السجن” على تجاهل الذين يدعون أنهم أتباعه للواقع الصعب لسلطة الدولة التي كانت تمسك بجرامشى. كانت هناك أيضا حدود غير مادية على فكر جرامشى. فقد سجن جرامشى في تلك اللحظات التي كان فيها ستالين يقوى من قبضته على روسيا، وأثر فشل جرامشى في فهم تلك العملية على فكره بشكل أعمق مما يبدو للوهلة الأولى.

أعلن جرامشى تأييده لجبهة ستالين – بوخارين التي شكلت في 1925 ويبدو أنه تقبل فكرة محاولة بناء الاشتراكية في بلد واحد كجزء من “حرب المواقع” الأممية من خلال إعطاء تنازلات للفلاحين. ولهذا اعتبر معارضة تروتسكى للاشتراكية في بلد واحد رفض يساري – متطرف لسياسة الجبهة المتحدة – على الرغم من أن جرامشى كان يعلم تماما أن تروتسكى هو أحد المبدعين الأساسيين لتكتيك الجبهة المتحدة.

كان جرامشى، كما رأينا، واعيا ناقدا بقوة للبقرطة الستالينية الخانقة، إلا أن قبوله لسياسة ستالين- بوخارين 1925-1928 منعته من عمل تحليل سليم للخطأ الذي حدث في روسيا، وهو يكتب في مذكرات السجن:

“تتطلب حرب المواقع تضحيات ضخمة من أعداد لا حصر له من الجماهير، لذلك من الضروري وجود تركيز غير مسبق للهيمنة، وبالتالي من الضروري وجود حكومة أكثر تدخلية، تستطيع الهجوم على المعارضين……”

إلا أن جرامشى يتبع هذا التبرير الجزئي للاتجاه الشمولي بكلمات تحذيرية لماركس:
إن المقاومة المطولة جدا في معسكر محاصر محبطة جدا في حد ذاتها، فهي تعنى المعاناة والإرهاق، وقلة الراحة، والمرض، والضغط المستمر، ليس للخطر الحاد الذي يأتي بعد تجاوزه الشفاء، بل الخطر المزمن الذي يدمر.

يبدو أن جرامشى يريد أن ينتقد هذه الأوضاع وهو، في الوقت ذاته، يقول أنها أوضاع مبنية على استراتيجية سليمة، وهذا التناقض يجب أن يكون له تأثير مضعف على جوانب أخرى من نظريته. في 1919 – 1920 تفهم جرامشى – كما لم يفعل أحد غيره في أوروبا الغربية – العلاقة بين النضال في المصنع وخلق عناصر الدولة العمالية، وقد توصل أيضا إلى وعى التفاعل الجدلي بين تطور الديمقراطية العمالية ومحركها، الحزب الثوري. نجد هذا الفهم في الجزء الأكبر من مذكرات السجن – إلا أنه في نقاط معينة يتآكل هذا الفهم من خلال الميل لرؤية مقولة “الاشتراكية في بلد واحد” كوسيلة لشن حرب المواقع يمكن تطبيقها في أماكن أخرى غير روسيا.

لم يكن جرامشى هو الوحيد الذي أساء فهم الستالينية. ففي الوقت الذي كان مسجونا فيه مفتقدا أي صلة بالحركة الأممية لم تكن قد حدثت بعد الفظائع الستالينية، وحتى الكثيرين ممن سيصبحون من تروتسكيين المستقبل مثل أندرياس نينن وجيمس.ب. كانون كانوا يؤيدون ستالين ضد تروتسكى حتى ذلك الوقت. ولكن، في حالة جرامشى ترك الفشل في فهم هذه الظاهرة عنصر من الالتباس في نظريته استغل فيما بعد لتبرير السياسات الإصلاحية.

يوجد ضعف أخير وأكثر جوهرية في جرامشى. على الرغم من أنه يقدم تصورا مجردا سليما للعلافة بين الاقتصاد والسياسة إلا أنه الوحيد بين الماركسيين العظماء الذي لم يضمن بعدا اقتصادياً ملموسا في كتاباته السياسة ويؤدى هذا لنوع من التخبط في كتاباته لم يكن موجودا عند ماركس أو إنجلز أو لينين أو تروتسكى.

مثلاً في 1925 اعتقد جرامشى أن الفاشية كانت على وشك الانهيار لكن في “المذكرات” بعد بضعة أعوام يتعامل جرامشى مع تلك الظاهرة وكأنها سيكون لها عمر طويل. مرة أخرى يتحدث جرامشى عن خطورة استيعاب الطبقة العاملة فى النظام وذلك دون أن يناقش الشروط الاقتصادية التي يمكنها أن تسمح بمثل هذا التطور.

عموماً يوجد فشل عام في توضيح العلاقة الحقيقية بين وضع اقتصادي معين والصراعات السياسية والأيديولوجية للأفراد التي تتأثر به. في سنوات 1916 – 1926 تمكن جرامشى من ملء هذا الفراغ من خلال اعتماده على خبرته المباشرة في الصراع الطبقي . لذا نجد أن أفضل كتاباته هي التي يتعامل فيها، من خلال اندماجه مع العمال ومحاولة توجيههم، مع المشاكل الرئيسية لنضالات جارية.

ولكن في 1926 اختطفته الدولة الفاشية. كان جرامشى واعيا تماما بمعنى هذا.
إن الكتب والمجلات تحتوى على مفاهيم معممة أفضل ما يمكنها هو إعطاء مسودة عامة لمسار الأحداث في العالم، إنها لا تعطى تقدير مباشر وحي لحياة الأفراد… إن لم تستطع فهم الأفراد الحقيقيين فلن تفهم ما هو أعم وأشمل.

كان هذا صحيحاً بالنسبة لجرامشى، الذي لم يكن قادرا بدون التجربة الشخصية المباشرة على تفهم التفاعل المحدد بين الظرف الاقتصادي ورد فعل الأفراد السياسي. ولكن لم يكن هذا صحيحا، مثلا، بالنسبة لماركس الذي كتب عن بعد، بشكل عميق جدا، عن التطورات اليومية في برلين.

تعانى “مذكرات السجن” فوق كل شئ من العجز عن الانتقال من المفاهيم المجردة للتحليل المحدد للأوضاع المحدده، إن هذا، طبعا، يعجب البيروقراطية والأكاديميون الذين يريدون “ماركسية” إصلاحية منفصلة عن نضالات جماهير العمال.

رغم أن مثل هذا المشروع، مشروع البيروقراطية، يتعارض مع جوهر ممارسة وفكر جرامشى إلا أنه لا يجب علينا أن نتجاهل نقاط الضعف في مذكرات السجن تلك النقاط التي تنتج عن افتقار المذكرات إلى الملموسية، مهما كان إبداع هذه المذكرات فهي لا تحمل عظمة أعمال ماركس أو لينين أو تروتسكى أو جرامشى ذاته.

طلب المدعى العام الفاشي في محاكمة جرامشى سجنه لإيقاف هذا العقل عن العمل لمدة 20 سنة.

لم ينجح الفاشيون في تلك المحاولة، ولكنهم نجحوا في حرمان جرامشى من الاشتراك المباشر في الصراع الطبقي، وفي منع ماركسيته من إدراك القدرات الكامنة التي ظهرت في جريدة “العصر الحديث” و “أطروحات ليون”.

« السابق