الاشتراكية التي ندافع عنها “رؤية التيار الاشتراكي الثوري لتغيير مصر”
كان طبيعيا في مصر، كما في العالم العربي والعالم أجمع، أن تُطرح رؤى تقاوم الأوضاع الظالمة الراهنة وتقدم بدائل للخروج من الأزمة. وفي مصر البديلين الأكثر شعبية لمواجهة الأزمة هما التصور القومي والتصور الإسلامي، مع الأخذ في الاعتبار الفارق في نفوذ وتأثير كل منهما.
يطرح البديل القومي، كما يعبر عنه الحزب الناصري وحركة الكرامة والمفكرون القوميون على اختلافاتهم، العودة إلى السياسات التي طّبقت في فترة الناصرية، من حيث قيام الدولة بالدور الأساسي في الحياة الاقتصادية من خلال إعطاء القطاع العام دورا قياديا في الاقتصاد، وتبني التخطيط المركزي والتنمية المستقلة بالاعتماد على الذات، وعودة دور الدولة في تقديم الخدمات الاجتماعية، وطرح التضامن العربي باعتباره وسيلة للخروج من الأزمة. ويشير أصحاب هذا البديل إلى أن الأزمة الأساسية في المرحلة الناصرية كانت غياب الديمقراطية. ومن ثم يجري طرح الديمقراطية كأحد المكونات الأساسية لهذا البديل باعتبار أنها تكفل المحاسبة والتصدي للفساد وتداول السلطة، مما سيمكننا من منع أي قوى تسعى إلى تحقيق مصالحها الخاصة على حساب الشعب.
بالطبع نحن نعلم أن البديل القومي أو الناصري يعاني بشكل ملحوظ من عبء الميراث التاريخي. فقد فقد الكثير من شعبيته بسبب فشل التجربة الناصرية وما أدت إليه من أزمات، أو بالأحرى كوارث، سواء على صعيد الصراع العربي الإسرائيلي، مع هزيمة 1967 التي لازلنا نعاني من تبعاتها إلى يومنا هذا، أو على صعيد التنمية الاقتصادية، حيث فشل القطاع العام وسياسة إحلال الواردات في إنجاز عملية التنمية وإحداث قفزة في الاقتصاد المصري على غرار ما حدث في بعض دول جنوب شرق آسيا وأمريكا اللاتينية.
لكن رغم تراجع نفوذ هذا البديل، إلا أننا أصبحنا كثيرا ما نسمع مؤخرا أنه رغم عيوب الناصرية إلا أنها كانت على الأقل تكفل التوظف الكامل للخريجيين، والتعليم المجاني، والعلاج على نفقة الدولة، وتقريب الفوارق بين الطبقات. بل أن البعض أصبح يرى أن هناك حاجة إلى الناصرية من أجل إعادة إحياء الطبقة الوسطى التي تدهورت أحوالها وتقلص حجمها في ظل سياسات “الحرية الاقتصادية”.
لا يمكن الاختلاف حول حقيقة أن كثيرين من المنادين بالعودة إلى عهد عبد الناصر يعبرون عن رغبة صادقة في أن تعيش الشعوب حياة أكثر إنسانية بعيدا عن التوحش والظلم الذي أصبحنا نعيش في ظلهما مع الليبرالية الجديدة. لكن مشكلة هذا البديل تتمثل في نقطتين. النقطة الأولى تتعلق بكيفية إتمام عملية التغيير والقوى صاحبة المصلحة في إحداثه. فالقومي عادة ما يرى أن المشكلة الرئيسية في عالمنا هي الإنقسام بين الأمم الفقيرة والبلدان الاستعمارية، وليست الانقسام بين الطبقات عالميا ومحليا. ومن هنا فإنه يميل إلى أن يرى جوهر أزمة مصر في الانقسام بين الأمة بكاملها من ناحية وحفنة ضئيلة من الخونة التابعين للغرب من ناحية أخرى. وبالتالي فهو يميل إلى أن الاعتقاد أن المخرج من الأزمة يقوم على تحالف “كل قوى الشعب العامل” ـ من عمال وفلاحين وطلبة ومثقفين وطنيين ورأسمالية وطنية ـ ضد الحفنة الخائنة، وذلك بهدف مقاومة الاستعمار وهزيمته.
هذه النظرة خاطئة. القوميون يتجاهلون أن انقسام “الأمة المصرية” إلى طبقات ليس أمرا عابرا، بل هو أصل العلّة. المشكلة لا يمكن اختزالها في حفنة من الخونة. المشكلة في طبقات بكاملها لها مصلحة في استغلال الجماهير وقمعها وفي التحالف مع الإمبريالية. ومن ثم فإن الحل هو في ربط الصراع ضد طبقة الرأسماليين “بكاملها” مع الصراع ضد النظام السياسي الديكتاتوري وضد الإمبريالية.
النقطة الثانية الإشكالية في الرؤية القومية هي طبيعة الدور الذي تعطيه هذه الرؤية للجماهير في المجتمع المنشود. فالناس وفقا للقوميين ليسوا هم الفاعل في عملية التغيير ولا في المجتمع القادم، ولكنهم مفعول به, يتلقون الإنجازات التي يقررها الزعماء من أعلى، دون أن يكونوا هم أصحاب القرار والفعل. كذلك فإن من يتحكم في عملية توزيع الموارد ويدير عملية الإنتاج ويقرر ما هو الهدف من التنمية ليس هم من يقومون بالإنتاج سواء كانوا عمالا أو فلاحين، ولكن موظفي الدولة.
هنا رغم كل الكلام عن أموال الشعب وثرواته، إلا أن الموارد في النهاية ستصبح في يد الدولة لا الشعب. وهذا بالضبط ما حدث في العهد الناصري وفي التجارب المختلفة الأخرى الشبيهة مثل تجربة البعث السوري. فقد حلّت رأسمالية الدولة محل رأس المال الخاص، بمعنى أن حفنة من كبار المسئولين في الدولة أصبحت لهم اليسطرة على الموارد، ومن ثم أصبحوا أصحاب مصلحة في استغلال العمال وامتصاص الفائض. وكان هؤلاء هم النواة الأساسية لطبقة الرأسماليين التي برزت في السبعينات. إذن فالمسألة ليست في مجرد التأميم أو التوجه نحو القطاع العام ليحل محل سيطرة القطاع الخاص، ولكن المعيار الأهم هو دور الجماهير في عملية الإنتاج واتخاذ القرار.
وهنا لا يمكننا اعتبار قبول القوميين بالديمقراطية البرجوازية (الشكل السائد للديمقراطية في البلدان الرأسمالية) حلا لأزمة دور الجماهير الغائب. فتلك الديمقراطية بطبيعتها، وكما تدل تجارب كل البلدان التي تطبقها، لا تعطي الجماهير دور حقيقي في السيطرة على مصيرها وعلى ثروات المجتمع. فأمريكا ديمقراطية، ولكن الثروة في يد حفنة من الرأسماليين الكبار، والقرار السياسي في يد حفنة من الساسة التابعين لهم. وبريطانيا هي الديمقراطية الأعرق، ولكن أيضا الثروة في يد حفنة من الرأسماليين، والقرار السياسي في يد سياسي اسمه “توني بلير” يدعي أن حزبه “حزبا للعمال”، ولكنه يطبق كل أجندة الليبرالية الجديدة بحذافيرها.






