بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الاشتراكية التي ندافع عنها “رؤية التيار الاشتراكي الثوري لتغيير مصر”

« السابق التالي »

4. منطق الليبرالية الجديدة

قبل أن نعطي الدليل بالأرقام على أن الليبرالية الجديدة أوصلتنا إلى الكارثة التي نعيش فيها، دعونا نسأل أنفسنا أولا ما هي تلك الليبرالية؟ وما الجديد فيها؟

الليبرالية الجديدة هي سياسة ظهرت بداياتها في منتصف السبعينات، وتبنتها حكومات غربية كبرى في آخرها، وتحولت إلى سياسة عالمية في الثمانينات والتسعينات. وهي بالتأكيد لم تُبتكر لحل أزمات الفقراء. على العكس، الليبراليون الجدد كانت مهمتهم أن يقدموا وصفة لإنقاذ الرأسمالية المأزومة في معظم بلدان العالم. جوهر هذه الوصفة هو زيادة معدلات استغلال الكادحين والفقراء لإنقاذ أرباح رجال الأعمال!

حتى مطلع السبعينات كانت العادة في كثير من بلدان العالم هي أن التعليم والخدمات الصحية يُقدمان لمعظم السكان بالمجان، وأن توفير العمل (أو معونة بطالة مناسبة) التزام على الحكومات، وأن المعاشات المجزية نسبياً حق لكل العاملين عند سن معين، وأن الخدمات العامة مجانية ومتوفرة، وأن كثير من السلع والخدمات مدعومة، وأن الأجور كافية.

لم يكن هذا يعني أنه قد تم القضاء على الاستغلال أو الفقر. ولكنه كان يعني أن توزيع الدخل كان أكثر توازنا، وأن الدولة كانت تلعب دوراً هاماً لمصلحة الطبقات الأكثر فقرا.

ارتبطت هذه السياسة ـ التي أسمتها بعض البلدان “سياسات الرفاهة” واسمتها بلدان أخرى خطأ “الاشتراكية” ـ بانتعاش الرأسمالية العالمية وبالارتفاع النسبي لمعدلات الأرباح. الأرباح الكثيرة والوفيرة سمحت للرأسماليين (وللدول الرأسمالية) بإعطاء الفتات للفقراء في صورة دعم وأجور معقولة وخدمات عامة مجانية واسعة الانتشار.

فلما أتت السبعينات وعادت الأزمة الاقتصادية من جديد، بدأت الدول الرأسمالية في التفكير في حل لأزماتها. هنا ظهرت الليبرالية الجديدة وسيطرت كفكرة تبنتها الحكومات الرأسمالية في معظم أنحاء العالم كوسيلة لحل أزمة تراجع معدلات النمو. الحل الليبرالي الجديد كان يقول أنه من الضروري تقليص، والأحسن تقريبا إلغاء، تلك النسبة من الدخل القومي المخصصة لتحسين أحوال الفقراء والكادحين: لا داعي لدعم السلع؛ لا داعي للتسعير الإجباري بأسعار أقل من السوق العالمي؛ لا داعي لضمان الوظائف؛ لا داعي للمعاشات مرتفعة؛ لا داعي للخدمات العامة المجانية .. وهلم جرا.

على الوجه المقابل، دافعت الليبرالية الجديدة عن دعم الأغنياء: لابد من تقليل الضرائب على أرباح الرأسماليين؛ لابد من تقليل الضرائب على ثروات الأثرياء؛ لابد من إعطاء أصحاب الأعمال فرصة لطرد العمالة إذا اقتضت الظروف الاقتصادية ذلك؛ لابد من السماح لهم بتشغيل العمال أوقات أكثر بضمانات أقل .. وهكذا.

من هنا فإن نجاح الحل الليبرالي الجديد كان يتضمن بالضرورة إفقار الفقراء وإثراء الأثرياء. وفي مصر ومثيلاتها من البلدان الرأسمالية الأكثر تأخرا، فإن قسوة الجرعة المطلوبة من الليبرالية الجديدة كانت كبيرة، لأنها كان لابد أن تساوي صعوبة المهمة المطلوبة من رأسمالية تلك البلدان. فبمقدار ما كانت الفجوة في التطور بين دولة كمصر والدول الأكثر تقدما هائلة، بمقدار ما كانت معدلات اعتصار العمال وكل الفقراء هائلة. الرأسمالية المصرية كان مطلوبا منها أن تقطع من اللحم الحي للعمال حتى تستطيع أن تنافس التنين الصيني الذي يبيع سلعه في أسواقنا بأسعار لا يصدق أحد انخفاضها!

المفارقة أن الاعتصار المذهل لمن يعملون ليل نهار لا يؤدي بالضرورة إلى انعاش الرأسمالية! رجال حكومة نظيف، الذين يقف ورائهم جمال مبارك صديق رجال البيزنيس الصدوق، أتوا إلى الوزارة بفكرة أننا نحتاج إلى مزيد من الاعتصار حتى ننطلق إلى الأمام. لكن هذه فكرة ساذجة.

فليست أجور العمال فقط هي التي تحدد جاذبية دولة ما في السوق العالمي. ربما ينجح جبابرة رأس المال في مصر في النزول بسعر البشر إلى التراب. لكن هل سيكون السوق العالمي مؤهلا لاستقبال قادم جديد في ظل مؤشرات الكساد والتقلب في الأسواق العالمية؟ هل سينجحون في إعداد عامل ذو صحة جيدة؟ هل سينجحون في توفير عمالة مدربة ومتعلمة؟ هل سينجحون في حل مشاكل الفساد والبيروقراطية؟ هل سيستطيعون توفير الاستقرار الإقليمي المطلوب لاستثمارات طويلة الأجل؟ وهل سينجحون في منع انتفاضة جماهيرية ربما تنفجر بالضبط بسبب ممارستهم للاعتصار اليومي لأغلبية الشعب بدءا من طبقته الوسطى ونزولا حتى أفقر فقرائه؟

« السابق التالي »