بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الاستراتيجية والتكتيك عند لينين

التالي »

1. الماركسية علم وفن


• هذه المقالة هي عبارة عن الفصل الرابع عشر من كتاب “لينين وبناء الحزب – Lenin: Building the Party” للكاتب والمناضل الاشتراكي الثوري البريطاني توني كليف.
شهد العقدين بين 1894 – 1914 نضوجاً هائلاً في نضال وحركة الطبقة العاملة الروسية، وكان ذلك التطور بمثابة المدرسة الحية للاستراتيجية والتكتيك التي نشأ فيها لينين ليتأثر بها ويؤثر فيها. أرست تلك الفترة تمهيداً طويلاً للينين وللطبقة العاملة بشكل عام للاختبارات القصوى للاستراتيجية والتكتيك: المذابح المروّعة للحرب، وإنهاءها بقوة الثورة. والدروس المكثفة لكل تلك الفترة التمهيدية فقد كانت مستمدة بالأساس من ثورة 1905 وما بعدها.

الماركسية علم وفن

عندما اندلعت ثورة 1905، عمد لينين إلى دراسة الكتابات العسكرية لكارل فون كلاوزفيتز (1*)، ذلك الجنرال وفيلسوف الحرب الذي كان له تأثير كبير على لينين في تشكيل استراتيجيته وصياغة تكتيكاته السياسية.

عرّف كلاوزفيتز التكتيكات بأنها “نظرية استخدام القوى العسكرية في المعركة”، والاستراتيجية بأنها “نظرية استخدام المعركة لأهداف الحرب”. وقد استخدم لينين مفردات سياسية شديدة الشبه بتلك التي استخدمها كلاوزفيتز لتحديد العلاقة بين التكتيكات والاستراتيجية الثورية. ينطبق مفهوم التكتيكات على مجموعة التدابير اللازمة لتنفيذ مهمة محددة أو للاشتباك مع واحدة من معارك النضال الطبقي. وهكذا تحدث لينين عن التكتيكات اللازمة خلال أيام يناير 1905، وتكتيكات العمل في النقابات والبرلمان، إلخ.

تشمل الاستراتيجية الثورية تركيبة من التكتيكات التي، بتكاملها واتساقها ونموها، تقود إلى استيلاء الطبقة العاملة على السلطة.

كانت الأممية الثانية، والتي صعدت خلال فترة النمو البطيء والعضوي والمنظم للرأسمالية والحركة العمالية، تحصر نفسها في الإطار الضيق للتكتيكات، أي المهام اليومية للنضال من أجل الإصلاحات في النقابات العمالية والبرلمان والأجهزة الحكومية المحلية والتعاونيات، إلخ. أما الحركة الثورية الروسية، والتي تطورت خلال فترات عصيبة ومليئة بالتغيرات السريعة والتحولات العاصفة، فقد كان عليها أن تواجه التساؤلات الأكبر للاستراتيجية وعلاقتها بالتكتيكات. ولم يكن هناك من هو أكثر قدرة من لينين في التعاطي مع هذه التساؤلات، حيث أدرك جيداً كيف يرتقي بالماركسية من مستوى العلم إلى مستوى الفن.

دائماً ما يُشار إلى الماركسية ليس فقط باعتبارها علم، بل مرشداً للعمل والحركة، لكن ينبغي علينا أيضاً بالإضافة إلى ذلك أن نعتبرها فناً. فالعلم يتعامل مع ما هو موجود، بينما يعلمنا الفن كيف نعمل ونتحرك، وقد كان الإسهام الأساسي للينين هو تطوير الماركسية باعتبارها فناً. فإذا كان ماركس قد مات دون المشاركة في تأسيس الأممية الأولى، فكان سيظل ماركس أيضاً كما هو. لكن لينين إذا كان قد مات قبل تأسيس الحزب البلشفي وقبل أن يلعب دوره القيادي في ثورة 1905 وفيما بعد في ثورة 1917، وقبل تأسيس الأممية الشيوعية الثالثة، لما كان سيظل هو لينين.

ومن أجل الارتقاء من النظرية إلى الممارسة، من العلم إلى الفن، كان على لينين توضيح العلاقة الجدلية بينهما؛ القواسم المشتركة والفوارق التي تميز كل منهما:
“ليست نظريتنا بدوجما، لكن مرشداً للحركة. وطالما كان ماركس وإنجلز يسخران من تكرار الصيغ المحفوظة عن ظهر قلب، والتي في أفضل الأحوال لن تكون قادرة سوى على رسم إطاراً للمهمات العامة، تلك المهمات التي تتغير بالضرورة بتغير الظروف الاقتصادية والسياسية لكل فترة في العملية التاريخية” (1).

هناك فرق كبير بين القوانين العامة الحاكمة لحركة المجتمع والظروف التاريخية الحقيقية والملموسة لها، ولا شك أن الحياة العملية أكثر تعقيداً من النظريات المجردة، حيث أن تداخل العوامل المختلفة وتفاعلها فيما بينها يجعل من غير الممكن أن يكون الإطلاع على بعض الكتب أساساً للتعرف على الحقيقة. كان لينين يكرر دائماً أن “النظرية يا صديقي رمادية، لكن شجرة الحياة الأبدية خضراء”. إن الحقيقة الحية أكثر ثراءاً، في تطوراتها واحتمالاتها وتعقيداتها، من التجريد أو التخمين النظري، وقد كان لينين دائم السخرية من أولئك الذين يحولون الماركسية إلى أيقونة: “الأيقونة هي شيء تقدسه، شيء تربط نفسك به، شيء تركع له، لكن ليس لها أي تأثير على الحياة العملية والسياسات العملية” (2). وفي خطاب إلى إينيسا أرماند، كتب لينين بمرارة بالغة أن “الجماهير في الأغلب (99% من البرجوازية، 98% من التصفويين، وبين 60 – 70% من البلاشفة) لا يعرفون كيف يفكرون، هم فقط يحفظون بعض الكلام عن ظهر قلب” (3).

إن العقبة الأساسية أمام الفهم اللا دوجمائي للماركسية، لاستخدامها كمرشد للحركة والفعل، إنما تكمن في الميل لإحلال ما هو حقيقي وملموس بما هو مجرد. يعد ذلك واحداً من الأخطاء الأكثر خطورة، بالأخص في الفترات الثورية والما قبل ثورية، حين تصبح التطورات التاريخية غير منتظمة، مليئة بالقفزات والتراجعات والانعطافات الحادة.
“ليس هناك ثمة شيء يُدعى الحقيقة المجردة؛ فالحقيقة دائماً ملموسة” (4).

“أي حقيقة مجردة تصبح، في حال تطبيقها على أرض الواقع الملموس، مجرد عبارة فارغة. ليس هناك من شك أن كل إضراب يحوي في داخله عناصر الثورة الاجتماعية، لكنه ليس معقولاً أن نفكر في أن بإمكاننا السير مباشرةً وفي خط مستقيم من الإضراب إلى الثورة” (5).

“أي قاعدة تاريخية عامة تُطبق على حالة معينة من دون تحليل خاص لظروف هذه الحالة المعينة لن تغدو سوى أن تصبح عبارة فارغة” (6).

وفي نفس الوقت، يعد الفهم العلمي للمعالم العامة للتطور النضال الطبقي تاريخياً في غاية الأهمية بالنسبة للقائد الثوري؛ فلن يكون القائد الثوري قادراً على الحفاظ على ثباته ومواقفه، خلال تحولات وانعطافات الصراع، إذا لم يكن لديه إدراك عام بالسياسة والاقتصاد. هكذا كان لينين يتحدث مراراً وتكراراً عن أن الاستراتيجية والتكتيك يجب أن يقوما على “تقييم دقيق للأوضاع القائمة” (7)، وفي نفس الوقت يتم “تشكيلهما بعد تحليل العلاقات الطبقية في مجملها” (8). وبكلمات أخرى، يجب أن يقوما على تحليل نظري واضح وواثق، وبشكل علمي.

إن التجريد النظري لا يمكن أن يتماشى مع الفعل الثوري؛ فالأمر المهم هنا هو “أن تكون واثقاً من أن الطريق الذي اخترته هو الطريق الصحيح. هذه الثقة، التي تضاعف الطاقة الثورية والحماس الثوري، يمكنها أن تصنع المعجزات” (9). وبدون فهم قوانين التطور التاريخي، لا يمكن الحفاظ على النضال صامداً وصلباً.

خلال سنوات الشقاء والإحباط ومعاناة العزلة، لا يمكن أن يستمر الثوريون بدون قناعة تامة بأن حركتهم لابد أن تتوائم مع التطور التاريخي. ومن أجل تجنب الارتباك والتخبط أثناء تحولات وانعطافات الطريق الطويل، لابد من التماسك الأيديولوجي الصارم، أما التشكك النظري فلا يمكن أن يتوافق مع الصرامة والحزم الثوريين. إن قوة لينين تنبع بالأساس من أنه دائماً ما كان يربط بين النظرية وعمليات تطور الصراع؛ فلقد كان يحاكم كل قضية أو مفهوم نظري على أساس علاقته بالاحتياجات والضرورات العملية، وبالمثل كان يحاكم كل خطوة عملية على أساس موائمتها مع النظرية الماركسية. لقد دمج بامتياز بين النظرية والممارسة. وبالتالي لم يكن على سبيل المبالغة أن يكتب المؤرخ البلشفي م. ن. بوكروفسكي أنك “لن تجد في لينين عملاً واحداً نظرياً خالصاً، كل عمل نظري له كان يحمل بعداً عملياً” (10).

لقد آمن لينين بالارتجال، لكن لكي لا يفسد هذا الارتجال ويتحول إلى مجرد انطباعات يومية متقلبة، يجب أن يكون مبنياً على فهم متماسك للنظرية، وقبل كل شيء فإن الممارسة بدون النظرية تقود حتماً إلى حالة من الضبابية والوقوع في الأخطاء. وعلى الجانب الآخر، فإن دراسة النظرية بمعزل عن النضال لا تعني إلا فصلها عن مجراها الحيوي – الحركة والممارسة – ولا ينتج عنها سوى مثقفين عديمي النفع. وهكذا فإن الممارسة يتم توصيفها بالنظرية، والنظرية يتم تفعيلها بالممارسة, والتراث الماركسي لا يتوغل في عقول ودماء الماركسيين إلا بالمشاركة في النضال.

إن النظرية هي تعميم لممارسات الماضي، وكما شرح الماركسي الإيطالي أنطونيو جرامشي بوضوح، فإن “الأفكار لا تتولد من أفكار أخرى، أو الفلسفات من فلسفات أخرى، إنهم تعبيرات تتجدد باستمرار عن التطور التاريخي الحقيقي” (11). ولكي يكيّف المناضل الثوري نفسه على أي وضع جديد دون أن يفقد مبادئه، فهو بحاجة إلى الوحدة بين النظرية والممارسة.

أدرك لينين أن لا منظمة ثورية يمكن أن تحيا بدون معمل أيديولوجي دائم وحي وخلاق. كان دائم البحث عن طرق عملية يستخدم بها أبحاثه النظرية، لكن في نفس الوقت لم ينتابه أي تردد للإقلاع عن العمل السياسي اليومي في مقابل التفرغ لشهور من أجل الدراسة في المتحف البريطاني أو في المكتبة الوطنية الفرنسية (2*).

ينطلق برنامج الحزب الثوري، في مبادئه العامة، من الإمكانات التاريخية لدى الطبقة العاملة؛ أي يُستمد من الظروف الموضوعية المسيطرة على المجتمع بشكل عام ومن أوضاع الطبقة العاملة بشكل خاص. أما الاستراتيجية والتكتيكات فهما لا ينطلقا من الظرف المادي المهيمن، لكن من مستوى وعي العمال أنفسهم. إذا استطاع الوعي – الذي سماه ماركس بالبنية الفوقية الأيديولوجية – أن يعكس بشكل مباشر القاعدة المادية التي يقوم عليها المجتمع، إذن فينبغي أن تُستمد الاستراتيجية والتكتيكات مباشرةً من برنامج الحزب. إلا أن اشتقاق استراتيجية الحزب وتكتيكاته أمر معقد يتأثر بتراث وخبرة العمال، بما يشمل نشاط الحزب نفسه. الحزب الثوري، على سبيل المثال، يعارض نظام العمل المأجور القائم في المجتمع الرأسمالي، لكنه من الناحية التكتيكية عليه أن يكون منغرساً في نضال العمال من أجل أجور أعلى.

تحتاج القيادة الثورية ليس فقط فهماً عميقاً لمسارات الصراع، لكن أيضاً قدرة على طرح الشعارات المناسبة عند كل نقطة تحول في هذا الصراع. ولا يمكن لهذه الشعارات أن تُشتق بشكل مجرد من برنامج الحزب ومبادئه العامة، لكن أن تكون على توافق مع الظروف القائمة، وقبل كل شيء أن تكون منسجمة مع المزاج العام للجماهير، حتى تنجح هذه الشعارات في قيادة نضالات العمال. هذه الشعارات يجب أن تكون متوافقة ليس فقط مع المسار العام للحركة الثورية، لكن أيضاً مع مستوى وعي الجماهير. وفقط من خلال التطبيق العملي للخط السياسي العام للحزب، تظهر القيمة الحقيقية لهذه الشعارات بشكل جلي وواضح. لقد كانت الوحدة العضوية، بين النظرية من ناحية والتكتيكات العملية من ناحية أخرى، تمثل قلب نضال لينين ونشاطه الثوري.

“من دون برنامج، لا يمكن أن يبقى الحزب كياناً سياسياً متكاملاً قادراً على السير وفق المسار الذي حدده أياً كانت التحولات التي يمر بها. وبدون خط تكتيكي مرن، مبني على تقييم الوضع السياسي الجاري، مقدماً إجابات محددة لمواجهة “المشاكل المعقدة” التي نعيشها، قد نصبح في نهاية الأمر حلقة من المنظرين، لكن ليس كياناً سياسياً فاعلاً” (13).

والطريقة الوحيدة للتحقق من صحة الخطط الاستراتيجية أو التكتيكات هي اختبار الممارسة العملية، أي من خلال تطبيق هذه الخطط على خلفية خبرة التطور الفعلي للنضال الطبقي.

“ينبغي، بشكل دائم قدر الإمكان، التحقق من القرارات التكتيكية على ضوء الأحداث السياسية المتجددة. هذا التحقق وإعادة النظر بشكل دائم ضروريين من الزاوية النظرية والعملية معاً؛ من الزاوية النظرية من أجل التأكد من صحة القرارات التي اُتخذت وأي تعديلات تفرضها التطورات السياسية المتلاحقة بحيث تجعل من الضروري إدخالها، ومن الزاوية العملية من أجل التعلم كيفية استخدام هذه القرارات بشكل صحيح كمرشد للحركة، وكموّجه للتطبيق العملي” (14).

عبر تروتسكي عن هذه الفكرة بوضوح عندما كتب أن “نقطة الانطلاق البلشفية الأساسية هي الاعتقاد بأن الإنسان، كي يتعلم امتطاء الخيل، لابد أن يقوم بالمحاولة الأولى دون تهيئة مسبقة” (15). وفقط في مسار النضال نفسه، يمكن للثوري أن يتعلم الاستراتيجية والتكتيك. ومرة بعد أخرى، كان لينين يكرر كثيراً مقولة نابليون الشهيرة “فلنشتبك أولاً، ثم نرى – On s’engage et puis.. On voit”.

في الحرب، وبالأخص الحرب الطبقية أثناء الفترات الثورية، تتعدد الأمور المجهولة، ليس فقط في معسكر العدو الطبقي، لكن أيضاً في معسكر الثورة نفسه، الأمر الذي يستلزم تحليلاً هادئاً ورصيناً مصحوباً بجرأة في الارتجال والمبادرة مبنية على الحدس وعلى الخيال الخلاق.

“تتميز الماركسية عن باقي النظريات الثورية، بكونها تقرن، على نحو فريد، الوضوح العلمي التام في تحليل الوضع الموضوعي والتحليل الموضوعي، بالاعتراف الجازم بدور الطاقة والإبداع والمبادرة الثورية للجماهير، وأيضاً، وبالطبع، للأفراد أو التجمعات أو المنظمات أو الأحزاب التي تحسن اكتشاف وتحقيق الارتباط بهذه الطبقات أو تلك” (16).

لقد شدد لينين كثيراً على أنه من الضروري إدراك أفكار ومشاعر الجماهير بشكل ملموس في كل مرحلة، وقد تفوق لينين كثيراً في ذلك. وكما كتب تروتسكي: “يشتمل تسعة أعشار فن القيادة الثورية، في أحرج اللحظات، على معرفة استجلاء صوت الجماهير وإرادتها مع أن من الضروري أن تكون الرؤية أوسع مدى ومجالاً، وكان الذي يصنع أكبر قوة في وجود لينين هو قدرته التي لا يمكن أن تجارى في الخوض إلى أعماق الجماهير” (17).

وفقط في مسار النضال نفسه، يستطيع الحزب أن يتلمس ما يشغل بال الجماهير وما تستطيع الجماهير إنجازه في كل مرحلة. إن الماركسية لا تقبل ولا يمكن أن تنسجم مع الحتمية الميكانيكية والقدرية، أو مع الإرادوية، بل أن قاعدة الماركسية هي المادية الجدلية ومبدأ أن الجماهير تكتشف قدراتها وإمكانياتها فقط خلال حركتها. وبالتأكيد ليس هناك ما هو مشترك بين واقعية لينين والسياسة الواقعية السلبية والمبتذلة، فكما كتب لينين: “الديالكتيك الثوري للواقعية الماركسية يشدد على المهمات الملحة للطبقة المتقدمة، ويكتشف في الوضعية الراهنة للأشياء تلك العناصر التي ستؤدي إلى الإطاحة بها” (18). أدرك لينين جيداً ضرورة التقدير الرصين للقوى الحقيقية في الصراع، وأن الحزب الثوري نفسه يمثل عاملاً مركزياً في توازن هذه القوى. إن جرأة وقوة الحزب الثوري تعطي ثقة هائلة للعمال في نضالهم، وعلى العكس، ربما تقود هشاشة وتردد الحزب إلى انتشار السلبية والشعور بالإحباط بين صفوف الجماهير. والسبيل الوحيد لتحديد التوازن بين القوى وتقدير إرداة الجماهير في النضال، هو النضال نفسه الذي يسعى الحزب الثوري لقيادته.

وطالما أن النضال الثوري يتطور ويتغير، فإن على الثوريين أن يحذروا خطر التشبث بتكتيكات ربما تكون قد نفذت صلاحيتها. إن الخطر الأكبر والأكثر تدميراً الذي يمكن أن يرتكبه القيادي الثوري هو أن يكون أسيراً لتلك الصيغ التي كانت صالحة بالأمس، لكنها لم تعد مناسبة لتوازنات القوى الطبقية المختلفة اليوم. وفي أغلب الحالات، عندما يتخذ التاريخ انعطافات حادة، تصبح الأحزاب – حتى التقدمية منها – غير قادرة على تكييف نفسها على الأوضاع الجديدة ومواكبتها لبعض الوقت، وتعمد إلى تكرار الشعارات التي كانت صحيحة تماماً في الماضي لكنها فقدت معناها اليوم، وهي في الحقيقة تفقد معناها بشكل مفاجئ تماماً مثلما يفاجئنا التاريخ بتحولاته الحادة.

في الفترات الثورية تصبح مسألة التوقيت مسألة ملحة؛ فعلى القيادة الثورية أن تحدد بشكل دقيق كلما أمكن السرعة والوتيرة التي تتطور الثورة وفقها، وبدون ذلك لن يصبح من الممكن طرح تكتيكات واقعية وعملية ناجحة. وفي الحقيقة، فإن منظور القيادة الثورية لإيقاع تطور الأحداث لا يمكن أن يكون دقيقاً بشكل كامل، لذا فإن عليها بأسرع ما يمكن أن تجري التصحيح اللازم لما يتعلق بمسألة التوقيت.

ولكي يتناسب التكتيك والاستراتيجية مع المبادئ العامة للحزب، لابد من أن يتمتعا بقدر كبير من الصراحة والوضوح. ومن أجل أن تعي الجماهير سياسات الحزب جيداً، لابد من تجنب إغراقهم في التفاصيل وتشتيت انتباههم عن جوهر سياسات الحزب. لابد أن يعبر الحزب عن سياساته في عدد محدود من الشعارات البسيطة والواضحة. “السياسة المستقيمة هي السياسة الأفضل.. والسياسة المبنية على المبادئ هي السياسة الأكثر عملية” (19).

“في التحليل النهائي، تعد السياسة المبدئية هي السياسة الوحيدة العملية.. ومن يتعامل مع المشاكل الجزئية من دون تسوية المشاكل العامة، سوف “يصطدم” حتماً بتلك المشاكل العامة حتى من دون أن يدرك ذلك. وعندما يتكرر هذا “الاصطدام” في كل مرة، فإن هذا لا يعني سوى الوقوع في أسوأ فخاخ التردد واللا مبدئية” (20).

“يمكن للخط السياسي، بل ويجب، أن يستند إلى النظرية، وإلى التراث التاريخي، وإلى تحليل الوضع السياسي بأكمله، إلخ. لكن خلال تلك النقاشات، ينبغي على الحزب المنخرط في النضال ألا يتغافل عن الحاجة إلى الإجابات العملية الحاسمة والواضحة والتي لا تقبل أي تأويلات لكافة التساؤلات حول خطنا السياسي: “نعم” أم “لا”؟ هل ينبغي فعل هذا الآن، أو هل ينبغي تجنب ذاك؟” (21).

من الضروري حساب توازنات القوى الطبقية بدقة بالغة، وفور اتخاذ القرارات يجب السعي لتنفيذها على الأرض بكل دأب وحسم. كتب نابليون ذات مرة إلى الجنرال برتييه: “ليس هناك أي رجل أكثر جبناً مني عندما أضع خطة حربية؛ إذ أضخّم لنفسي تقدير كل الأخطاء وكل المآسي الممكنة.. وعندما أتخذ أي قرار أنسى كل شيء فيما عدا ما يصنع النجاح”.
أما تروتسكي، فقد كتب فيما بعد معلقاً على هذا الخطاب:

“إذا تجاوزنا عن بعض التصنع في كلمة ضعيفة التلاؤم وهي “جبن”، فمن الممكن تطبيق جوهر الفكرة على لينين. فعندما يحل لينين مسألة استراتيجية، كان يزود العدو مسبقاً بقراره الخاص وذكائه. وكانت أخطاء لينين التكتيكية في غالب الأحيان تمثل المحصلات الثانوية لقوته الاستراتيجية” (22).

التالي »