بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الاقتصاد المجنون – الرأسمالية والسوق اليوم

التالي »

1. مقدمة

دائما ما يقال أن الرأسمالية هي النظام الاقتصادي الوحيد الناجح غير أن ما يبدو جليا بالنسبة لمعظم سكان العالم اليوم هو أنها لا تعمل من أجل تلبية احتياجاتهم، وتخبرنا تقارير منظمة الصحة العالمية أن أكثر الأمراض ضراوة وأكثرها فتكا في عالمنا اليوم ليس تجلط الشريان التاجي أو السرطان، ولكنه “الفقر المدقع” الذي يعاني منه ألف مليون شخص، وهذا البؤس هو أحد الخصائص المميزة للحياة حتى في البلاد المتقدمة صناعيا، حيث يوجد أكثر من ثلاثين مليون عاطل عن العمل وخمسة عشر مليونا آخرين يعملون عملا مؤقتا وغير مستقر، كما تشير آخر إحصائيات منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي.

وفي الولايات المتحدة ـ أغنى مجتمع في تاريخ البشرية ـ كان يعيش اثنان وثلاثون مليونا تحت خط الفقر في 1988 (أي في قمة رخاء الثمانينات) وواحد من خمسة أطفال تقريبا يولد في فقر شديد، وفي بريطانيا يربى ثلث الأطفال في ظروف بائسة.

ويواجه الأشخاص في أعمالهم عدم اطمئنان وتوتر أكثر من أي وقت في نصف القرن الماضي، وحسب دراسة أجريت على أكثر من خمس آلاف عامل مكتبي في ستة عشر دولة، ” فقد أصبح العمل هو السبب الرئيسي للتوتر”. وجاء في تقرير لجريدة الفايننشال تايمز أيضا أن أكثر من نصف المراسلين صرحوا أن معدلات التوتر ارتفعت على مدى السنتين الماضيتين.

وفي كل مكان هناك ضغوط عنيفة على الجماهير للعمل أكثر وقبول أجور أقل من الماضي، وهو ما يتضح بشكل واسع في الولايات المتحدة، حيث تنخفض الأجور الحقيقية منذ عشرين عاما، وحسب ما جاء في جريدة لوس أنجلوس تايمز، لاحظت الغرفة التجارية في الولايات المتحدة:

منذ 1973 انخفضت الأجور الحقيقية بمعدل سنوي مركب 0ر7% ويستمر هذا الاتجاه، وخلال الثلاثة أشهر حتى يونيو 1974 انخفضت القوة الشرائية لعمال الولايات المتحدة بنسبة 0ر7%.

وتتحدث دراسة قامت بها جولييت سكور بعنوان “الأمريكيون المعذبون” عن “التدهور غير المتوقع في أوقات الفراغ”:

يعمل الأمريكيون الآن في المتوسط 164 ساعة سنويا أكثر مما كانوا يعملون منذ عشرين عاما، ويصل هذا إلى حوالي شهر عمل زيادة في السنة.

وفي بريطانيا وألمانيا ومعظم بلاد أوربا الغربية كانت الأجور الحقيقية ترتفع حتى زمن قريب. ولكن الأوضاع تغيرت وباتت الجماهير تتعرض لضغوط واسعة أيضا. ففي بريطانيا بدأت محاولة تجميد الأجور تماما في القطاع العام، وفي ألمانيا تؤدي الضرائب الجديدة إلى تخفيض مستويات معيشة الطبقة العاملة، وفي البلدين يقول لنا السياسيون المحافظون أننا عشنا طويلا في رخاء، وفي هذا السياق يقول رئيس الوزراء الألماني هيلموت كول أنه يجب على ألمانيا الغربية “أن تعتاد على تغيرات عميقة في الحياة بالعمل لساعات أطول”، بينما يدعي وزير العمل البريطاني مايكل بورتيلو أن “الأوربيين يحصلون على أجور أكثر من اللازم” ويحصلون على إجازات “طويلة جدا” ويعملون لفترات “قصيرة جدا”، ويخبرنا السياسيون أننا يجب أن نكف عن توقع الحصول على “وظائف مدى الحياة”، ويجب علينا أن نبحث عن وسائل لتخفيض “الأعباء الاقتصادية” الناتجة عن دفع معاشات لعدد متزايد من كبار السن.

يمثل كل هذا الآن جزءا من حزمة الأفكار الاقتصادية التي تدعو إليها الحكومات الكبرى، وتتعزز من خلال تزايد نفوذ ما يطلق عليه بأفكار الجناح اليميني المتطرف، ففي الولايات المتحدة على سبيل المثال نالت أفكار أناس مثل تشارلز مورييه تأييد جمهورا ضخما، ويفسر مورييه وجود أعداد ضخمة من الناس يعيشون في فقر شديد بأنه خطأ نتج عن صندوق الرعاية الاجتماعية الذي خلق “طبقة سفلى” من الكسالى العاجزين عن انتهاز الفرص المتاحة أمامهم والحل الوحيد كما يدعي “اليمين الجديد” هو إلغاء الرعاية الاجتماعية للأمهات غير المتزوجات اللاتي يصممن على إنجاب أطفال أكثر. وفي بريطانيا أيضا يتزايد الحديث عن خطر “الاعتماد على الرعاية الاجتماعية” ـ ذلك الحديث الذي بدأ يتردد داخل حزب العمال كما يتردد بين دوائر المحافظين.

وإذا كانت هناك مستنقعات من البؤس في البلاد المتقدمة صناعيا، فهناك بحار هائلة منه في الكثير من بقية العالم، فقد اشتد الفقر في قارتي أفريقيا وأمريكا اللاتينية في السبعينات والثمانينات، مع انخفاض متوسط دخل الفرد فيهما، وبينما يضطر الفقراء لشد الحزام ليتمكنوا من العيش في أوروبا والولايات المتحدة، نجدهم يموتون جوعا بالملايين في أجزاء من أفريقيا.

وينعدم الأمل أيضا في جزء كبير من الكتلة الشرقية السابقة. ففي 1989 أوهمت الدعاية الغربية الناس بأن السوق سوف يمنحهم “معجزة اقتصادية” جديدة، وبعد خمسة سنوات ساءت أحوالهم المادية أكثر مما كانت في ظل الديكتاتوريات القديمة، حيث انخفضت مستويات المعيشة بنسبة 40 أو 50 بالمائة.

وبرغم ذلك، فالصورة ليست قاتمة بالنسبة للجميع، بل أصبح الأغنياء أفضل حالا مما كانوا عليه من قبل. ففي 1980 كان دخل كبار المديرين في أكبر 300 شركة في الولايات المتحدة أكبر 29 مرة من الدخل المتوسط للعامل الصناعي، وبحلول عام 1990 أصبحت دخولهم أكبر 93 مرة من دخل العامل، وفي حين يعيش 2 مليار شخص في بلاد العالم الثالث عند أو تحت خط الفقر، تعيش الأقلية المسيطرة حياة فاخرة، فقد أورد تقرير لجريدة الفايننشال تايمز في فبراير 1995 معلومات عن كيف استطاعت البنوك أن تتعامل مع تلك الأقلية: “بناءا على تقديرات تشيز مانهاتن أن الأغنياء في أوروبا والشرق الأوسط يحوزون ألف مليار جنيه إسترليني نقدا أو أصول متداولة.. ويصل بالنسبة لأمريكا اللاتينية وآسيا إلى ألف مليار أكثر من الثروات الخاصة ويتزايد هذا الرقم بسرعة”.

ويطالب “الخبراء” ذوي الأجور المرتفعة في الولايات المتحدة بإلغاء الإعانات الاجتماعية لتخفيف الأعباء عن الأغنياء من أجل الحفاظ على حياة الفقراء، وفي البرازيل يستأجر الأغنياء عصابات لقتل الأحداث الذين ينامون في الشوارع.

وفي وسط هذا البؤس وتلك القذارة، انتعشت مئات الشرور الأخرى. فقد عادت للظهور الأمراض القديمة مثل الالتهاب الرئوي والكوليرا وحتى الطاعون الملقب ـ بالموت الأسود ـ، وانتشر إدمان المخدرات حيث يعتبر الناس ذلك هو الطريق الوحيد للهروب، ولو مؤقتا، من معاناتهم. وارتفعت معدلات الانتحار وتزايدت الجريمة حيث أن أقلية من الفقراء يرون فيها الطريق الوحيد للحصول على الثروة التي تتيح لهم تقليد الحياة الفاخرة للأغنياء التي تتباهى بها أمامهم وكالات الإعلام، وفوق كل ذلك جاء التأثير الفظيع للحرب. وقد حذر تقرير الأمم المتحدة للتنمية البشرية بأن “السبب الرئيسي في زيادة الصراعات الداخلية في العالم هو التهديد المستمر للجوع والعنف والأمراض” ويلاحظ أن الدول، صغيرة وكبيرة، تفضل إنفاق المليارات على الأسلحة الحديثة على الاهتمام بالحاجات الضرورية للشعوب.

وبالطبع فإن الفقر والمرض والجوع والألم واليأس والإحباط لا تعد أشياء جديدة على المجتمع البشري، بل وجدت على مدى معظم تاريخه المسجل، ولكن البؤس في عالمنا اليوم يختلف، لأنه يوجد جنبا إلى جنب مع ثروة يكفي مقدارها بسهولة للقضاء على الفقر إلى الأبد. ففي 1992 كان إجمالي الناتج الاقتصادي للعالم ككل خمسة أضعاف الناتج في 1950، كما جاء في تقرير الأمم المتحدة للتنمية البشرية. وبرغم ذلك، يظل الفقر في معظم أجزاء العالم بنفس الدرجة اليوم إن لم يكن أسوأ مما كان منذ 45 عاما.

ويتواجد الجوع جنبا إلى جنب مع مخزون هائل من الأغذية، والدليل على ذلك جبال الأغذية في الاتحاد الأوروبي، وبينما تدفع الحكومات في أوروبا وأمريكا تعويضات للفلاحين حتى لا يزرعوا أراضيهم، يقال للشعوب أنه لا توجد موارد تكفي الجميع، وتغلق الشركات المصانع وتطرد العمال الذين يمكنهم إنتاج ثروات أكثر. ويقال للجماهير أنه لا يمكنهم الحصول على عمل إلا إذا عملوا ساعات أطول وبصورة أعنف مقابل أجور أقل، نجد أن هناك في كل بلد تعيش أقلية قليلة تحيا حياة فاخرة لم تحدث من قبل، في 1950 كان الخمس الأغنى من سكان العالم يمتلك 30% من الدخل، واليوم يمتلكون 60% من هذا الدخل، في نفس الوقت، فان الخمس الأفقر من البشر يقتسمون 4.1% فقط من إجمالي الناتج العالمي.

وقليل من هؤلاء الذين يؤيدون النظام العالمي القائم يتوقعون أن تتحسن الأمور، وتوجد أحزاب في بلاد كثيرة، مثل حزب العمال في بريطانيا،التي وعدت ذات مرة أنها ستعمل على تحسين أحوال الفقراء بالتوظيف الكامل، والإنفاق أكثر على الرعاية الاجتماعية وإعادة توزيع الدخل من الأغنياء إلى الفقراء. ولكنهم اليوم يقولون أن هذه الأفكار أصبحت “موضة قديمة”.

إن لغزا كبيرا يواجهنا، ولم تستطع أياً من الأحزاب السياسية القائمة فهمه، فبينما يتم إنتاج ثروات أكبر مما كان ينتج من قبل في التاريخ، وتوجد اختراعات تزيد من إنتاج أشياء متنوعة، شاملة أغذية أساسية حرمت منها أجيال من البشرية، ويستطيع البشر أن يقتحموا الفضاء الخارجي ويستكشفوا أعماق المحيطات، ويستطيعون استخدام الماكينات للقيام بالأعباء الضخمة أو إرسال المعلومات من جانب من العالم إلى الجانب الآخر في جزء من الثانية. ومع ذلك، بدلا من ضمان تخفيف أعباء البشرية تصبح هذه الأعباء أشد حدة، وبدلا من أن يتطلع الناس إلى حياة أكثر رغدا وراحة، غالبا ما يعيشون في خوف من أن تزداد الأمور سوءا، وبدلا من أن يختفي البؤس نجده يتزايد.

التالي »