بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الاقتصاد المجنون – الرأسمالية والسوق اليوم

« السابق التالي »

2. الفصل الأول: عـالم مجـنون

1) إفلاس علم الاقتصاد:

من المفترض أن يستطيع الاقتصاديون المحترفون أن يفسروا لنا كيف نتجت كل هذه التناقضات، ومع ذلك فمن يتطلع إليهم اليوم من أجل التوضيح سوف يزول عنه هذا الوهم سريعا، فالمدرسة الرأسمالية المهيمنة اليوم في علم الاقتصاد والتي تسمى بالمدرسة الحدية أو الكلاسيكية الجديدة، والتي يدعي أنصارها أن علمهم نظام تقني “أي العلم الإنساني الذي يدرس العلاقة بين الموارد النادرة والاستخدامات المختلفة التي تتنافس علي هذه الموارد”، ترى أن الإنتاج يقوم على أساس قانون العرض والطلب، وأن الطلب يعتمد على الاختيارات التي يقوم بها الأفراد، أي الحد الذي يفضلون عنده أشياء على أخرى كما يتضح من الطريقة التي ينفقون بها أموالهم. والعرض يعتمد على تكلفة الإنتاجـ أي حجم تكلفة توظيف العمالة واستخدام الماكينات التي يعملون عليها، ويتم إنتاج سلعة ما حين تكون القيمة المضافة لاستعداد الناس فشراء هذه السلعة مساوياً للتكلفة الإضافية لإنتاجها.

ويمكن بناء صور رائعة من هذه النظريات حيث يتحرك منحنى العرض في اتجاه و يتحرك منحنى الطلب في اتجاه آخر وحيث ما يتم إنتاجه أخيراً  يعتمد على نقطة الالتقاء بينهما. والمشكلة هي أن هذه الصورة في الواقع لا تفسر شيئاً حيث أنها لا تفسر من أين يأتي العرض والطلب في المقام الأول. ففي جانب الطلب، لا يفسرون لماذا تعبر رغبات بعض الناس (أي ملاك الأراضي الأغنياء، والمليونيرات أو رؤساء الصناعات الخاصة) عن نفسها في “طلب فعال”، أي طلب تدعمه النقود الجاهزة، بينما يتم تجاهل الحاجات الضرورية لآخرين (أي العاطلون عن العمل، وأصحاب الأجور المنخفضة، والشعوب الجائعة في أفريقيا وأمريكا اللاتينية). وفي جانب العرض، لا يفسرون لماذا لا يتم إنتاج الأشياء الضرورية جدا حين تكون الموارد اللازمة لها متوفرة بكثرة.

يقول الاقتصاديون الحديون أن هامش دخل الأشخاص، وبالتالي هامش طلبهم، يعتمد على الكمية التي يسهم بها كل منهم في إنتاج الثروة. ويدعون أن الأجور تدفع للناس وفقا للقيمة المضافة التي يخلقها عملهم. ولكن ذلك يثير عدة تساؤلات؛ لماذا يحصل بعض الناس على أجور عن أعمالهم أكثر بعشر مرات أو عشرين مرة من آخرين، ولماذا بعض الناس يكسبون برغم أنهم لا يعملون على الإطلاق ولكنهم فقط يملكون الثروة؟! وما العمل الذي يقوم به مالك الأسهم أو المرابي؟!

ويقول الاقتصاديون أن الإجابة سهلة على هذا السؤال، فليس العمل فقط، بل رأس المال أيضا يساهم في إنتاج الأشياء. وبالضبط كما يحصل العمل على أجر مقابل إسهامه في إنتاج الثروة، كذلك أيضا رأس المال. فكل “عنصر إنتاج” يحصل على “عائد” مساوي “لإنتاجه الحدي”.

والواقع أن هذه النظرية لا تقدم حلا ـاللهم إلا أنها تسهل على ملاك رأس المال إراحة ضمائرهم. وهي تصل بالفعل إلى الزعم بأن الأغنياء يستحقون أن يصبحوا أغنى. وهي تعتمد على تكرارية ـكأن تقول “2=2” أو “القطة هي القطة”، حيث أنه إذا وجهت السؤال للاقتصاديين عن كيف يتم قياس قيمة رأس المال فإنهم ينسبونها إلى “الناتج الحدي” الذي ينتجه رأس المال. ولكن إذا وجه إليهم السؤال عن كيفية قياس ذلك “الناتج الحدي” فإنهم ينسبونه إلى قيمة رأس المال الذي استخدم في إنتاجه. وبالتالي فإنهم ينتهون إلى القول بأن “قيمة رأس المال تساوي قيمة رأس المال” أو أن “الربح يساوي الربح”!

إن الشيء الوحيد الذي يستطيع علم الاقتصاد العقائدي قوله هو أن أشياء معينة تشترى وأشياء معينة تباع في الوقت الحالي، دون توضيح لماذا يتم إنتاج أشياء معينة ولا تنتج أخرى، لماذا بعض الناس أغنياء وبعضهم فقراء، ولماذا تتكدس بعض السلع ولا تباع بينما لا يحصل عليها من هم في أمس الحاجة إليها. كما لا يستطيع الاقتصاديون العقائديون أن يفسروا لنا لماذا يحدث الرخاء أحيانا والكساد أحيانا أخرى.

غير أن معظم هذه الانتقادات طرحت ضد علم الاقتصاد الحدي منذ أكثر من ثمانين عاما من قِبَل كل من الماركسي النمساوي رودلف هيلفردينج والثوري الروسي نيقولاي بوخارين. وطرحت مرة ثانية مؤخرا بصورة أكثر عنفا من قِبَل اقتصاديين أكاديميين منشقين اشتهروا باسم “مدرسة كمبريدج”.

وهناك سخافات كثيرة أخرى في صميم علم الاقتصاد الكلاسيكي. فنموذج السوق بالنسبة له يفترض المعرفة التامة بجميع التعاملات الاقتصادية، ليس فقط في الحاضر بل أيضا في المستقبل ـ وهو ما يعد مستحيلا. وعلى صعيد آخر، تُستخدم “نظرية المنفعة المقارنة (الحدية)” المستعارة من الاقتصادي ديفيد ريكاردو في أوائل القرن التاسع عشر لدعوة أفقر بلاد العالم إلى الحرية المطلقة للتجارة ـ ولكن النظرية الأصلية تم تطويرها عندما لم يكن لرأس المال الحرية التي يتمتع بها اليوم في التنقل من بلد إلى بلد. وهي نظرية تصر على أنه إذا لم تتدخل الدولة، سيتوازن العرض والطلب تلقائيا ـ ولكن معادلاتها، ذاتها، تبين أن الوضع على خلاف ذلك. وأخيرا، يصر علم الاقتصاد العقائدي على أنه إذا أزيلت العوامل المتعددة التي تعيق المنافسة الحرة في الواقع ـ سواء القوى الاحتكارية للشركات العملاقة أو النقابيون المدافعون عن العمل ـ فسوف تتحسن الأمور بالضرورة. ولكن علي أرض الواقع، تكشف حسابات، ذاته، أن إزالة أحد العوائق دون الأخرى يمكن أن يزيد الأمور سوءا.

وفي الحقيقة أن هذا النموذج لا يصلح مرشدا إلى ما يحدث وما يمكن أن يحدث في العالم الحقيقي، وكما أشار أحد الاقتصاديين المنشقين، بول أورميرود، في كتابه “نهاية علم الاقتصاد” أن فائدة الحكمة العقائدية في فهم الاقتصاد تعادل فائدة علم الفلك في القرون الوسطى في التنبؤ بالأحداث، لقد فشل الاقتصاديون الذين ينسبون أنفسهم إلى الأرثوذكسية تماما في التنبؤ بموجات الصعود والهبوط في الاقتصاد العالمي:

إن النشرات الاقتصادية باتت موضوعاً للسخرية العامة. فعلى امتداد العالم الغربي كانت دقتها مدهشة. فخلال العام الماضي وحده، أثناء كتابة هذا الكتاب، فشلت في التنبؤ بالركود الياباني، وقوة الانتعاش الأمريكي، وعمق الأزمة في الاقتصاد الألماني، وفوضى السوق الأوربية.

ومع ذلك يستمر تعليم هذه النظرية في المدارس، ودراستها في الجامعات وتطرح في مواجهة من يطرح إمكانية وجود بديل لنظام رأسمالية السوق الحالية. فمضمونها الأساسي، أن السوق هو الطريق الوحيد المناسب لتنظيم الإنتاج، قد تم قبوله في السنوات الأخيرة ليس فقط من قبل اليمين التقليدي ولكن من قبل القادة العالميين لحزب العمال، والاشتراكيين الديمقراطيين والأحزاب الشيوعية السابقة. وهذا القبول من الممكن تفهمه فقط إذا لم تسعي إلي تحدي أمراض هذا العالم. فهذه العقيدة تستند على التسليم بالعالم كما هو، بالأمر الواقع، بالقول بأن الأمور كما هي لأنها كما هي. ولكنها عديمة الفائدة بالنسبة لمن يرون أن حياة العالم القائم لا تطاق، الذين يريدون بديلا للأزمات الطويلة التي تتخللها فترات قصيرة من الرواج، للبطالة المتزايدة والبؤس المتفاقم، للبضائع الراكدة من جانب والناس الذين لا يستطيعون شرائها من الجانب الآخر. ولفهم هذه المشكلات نحتاج إلى وجهة نظر مختلفة.

2) تفسير فوضى العالم

اختلفت رؤية كارل ماركس لعلم الاقتصاد كثيرا عن نظرية اليوم، فقد اهتم بعلم الاقتصاد لأنه استطاع فهم السخافات اللاإنسانية للنظام الاقتصادي الجديد ـ الرأسمالية ـ الذي كان ينمو حوله حينذاك في ألمانيا في منتصف أربعينات القرن التاسع عشر، وأدرك أن هذا المجتمع يدفع الناس فيه باستمرار إلى العمل بشكل أشد لإنتاج الثروة، ولكنهم لا يجنون أي عائد لجهودهم.وكما وضعها في 1844:

“كلما زاد إنتاج العامل، كلما قل استهلاكه. وكلما خلق قيما أكثر، كلما أصبح أكثر انحطاطا وكلما أصبح أقل قيمة. يستبدل النظام الرأسمالي العمل بالآلات، ولكنه في الوقت نفسه يدفع قطاعا من العمال إلى أشكال همجية من العمل، ويحول القطاع الآخر إلى مجرد آلات… فهو نظام ينتج الذكاء للسادة ـ والغباء للعمال… وينتج القصور من جهةـ والأكواخ القذرة من جهة أخري. وهو ينتج الجمال، ولكنه يشوه العامل… فيشعر العامل بنفسه فقط خارج العمل، وفي العمل يشعر بغربته عن نفسه. ويشعر بوجوده عندما لا يعمل,وعندما يكون في العمل لا يشعر بوجوده.”

وبعد ذلك بأربع سنوات كتب:

“يعمل العامل كي يعيش، ولا يعتبر العمل حتى جزءا من حياته,ولكنه تضحية بحياته…فما ينتجه لنفسه ليس الحرير الذي ينسجه، وليس الذهب الذي يستخرجه من المنجم، وليس القصر الذي يبنيه. إن ما ينتجه لنفسه هو الأجر، ويعبر كل من الحرير والذهب والقصر عن نفسه بالنسبة له في كمية محددة من وسائل العيش، ربما في شكل سترة قطنية، أو بعض العملات المعدنية أو الإقامة في كوخ… والعامل الذي يظل 12 ساعة يغزل، أو ينسج، أو يثقب، ويدير الماكينات، ويبني، ويحفر، ويحطم الصخور، ويحمل الأثقال، الخ ـهل يعتبر هذه الساعات الاثنى عشر من الغزل والنسج أو الثقب أو تشغيل الماكينات أو البناء أو الحفر أو تحطيم الصخور أو حمل الأثقال مظهراً لحياته، كحياة، على العكس، تبدأ الحياة بالنسبة له عندما يتوقف هذا النشاط، على المنضدة، في المقهى، أو فوق السرير.”

تدور كتابات ماركس الاقتصادية حول كيفية ظهور هذا الشكل من المجتمع وكيف يحافظ على بقائه. كما تناولت أيضا ما يطلق عليه المفكرون الأكاديميون الرسميون “الفلسفة”، و”علم الاجتماع” و”التاريخ”. وهي كتابات لا تلقي الضوء بالأساس علي كيف تتخذ الأشياء سعرا معينا دون الآخر، ولا حتى حول متى تحدث الأزمة الاقتصادية. ولكنها كتابات حول عالم “اغتراب العمل” بالكامل ـالعالم الذي يكتسب فيه النشاط الإنساني وجودا مستقلا ويسيطر البشر على أنفسهم، عالم من العمل الدائم والبطالة، من الإنتاج الزائد والموت جوعا.

أكد ماركس في كتاباته الأولى على عبثية هذا العالم المقلوب على رأسه. والكلمة التي استخدمها لوصفه هي “الاغتراب”، وقد استعارها من الفيلسوف الألماني هيجل الذي تتسم كتاباته غالبا بالغموض إلى حد ما. ولكن ماركس نفسه اعتمد على مصادر أخرى متنوعة. فقد استفاد من نظريات خاصة بالنظام الاقتصادي الرأسمالي المذكورة في كتابات مؤسسي علم الاقتصاد الرأسمالي العقائدي مثل آدم سميث وديفيد ريكاردو. واستفاد من خبرة الحركات العمالية الأولى في صراعها ضد النظام الرأسمالي، بما فيها التشارتيين في بريطانيا.

وفي الكتابات الاقتصادية التالية لماركس، خاصة في المجلدات الثلاثة من كتابه رأس المال تخلى عن كثير من اللغة الفلسفية. الأمر الذي دفع بالبعض إلى الإدعاء بأن رؤيته عن علم الاقتصاد بالكامل قد تغيرت. في الواقع كان هدف رأس المال هو تفسير الطريقة التي يتطور من خلالها عالم “اغتراب العمل” بالكامل، كقوة لاإنسانية تسيطر على البشر الأحياء. ويتضح هذا من الكراسات التي كتبها ماركس مباشرة قبل تجميع المسودة النهائية لرأس المال. وفيها كتب:

“إن السلطة التي يمارسها الرأسمالي على العامل هي سلطة الموضوع على الذات، العمل الميت على العمل الحي، سلطة المنتَج على المنتج، لأنه في الحقيقة، السلع التي تصبح وسيلة السيطرة على العامل، هي منتجات عملية الإنتاج. إنها “عملية اغتراب” عمله الاجتماعي الخاص.”

وهو يوضح نقطة أن النظام الرأسمالي يحدد كل ما يستطيع الرأسمالي الفرد أو العامل الفرد أن يفعله. ولكن بينما “..يقف العامل، كضحية، ومنذ البداية في موقف التمرد عليها ويدرك العملية على أنها استعباد له..”، فإن الرأسمالي “..منغمس في عملية الاغتراب ويجد فيها قمة الرضا…فالتوسع الذاتي لرأس المال هو الهدف المحدد والمسيطر والسائد بالنسبة للرأسمالي، هو القوة المحركة المطلقة والمكونة لنشاطه..”

3)الإنتاج والسلع

أوضح ماركس أنه لا يمكن فهم أي مجتمع إلا إذا نظرنا إلى كيف يمتلك الناس في هذا المجتمع الأشياء التي يحتاجونها للبقاء ـأى طعامهم ومسكنهم وملبسهم.لأنهم حتى يطمئنون إلى توافرها لا يستطيعون القيام بأى نشاط آخر.

ولكن الحصول على هذه الأشياء اعتمد دائما على تعاون البشر لتغيير العالم الطبيعى من حولهم. فعلى خلاف فصائل الحيوانات الأخرى، لسنا مجهزين بأسنان خاصة أو مخالب حتى نتمكن من قتل الحيوانات أو مضغ الخضراوات النيئة. وليس لنا فراء للتدفئة. والوسيلة الوحيدة حتى يستطيع البشر الحياة وحماية أنفسهم من تقلبات الطبيعة هى العمل من أجل تغيير هذه التقلبات. وكما بين ذلك إنجلز “إن العمل ليس فقط مصدر كل الثروات بعد الطبيعة، ولكنه أكثر من ذلك فهو الشرط الأساسي الأول لكل الوجود الإنسانى.”

وتاريخيا اتخذ العمل الإنسانى أشكالا متنوعة. فلمدة عشرات الآلاف من السنين تضمن أن يعمل الرجال والنساء ويعيشون معا في جماعات من حوالى 40 فردا، يقتطفون ثمار الفواكه وجذور النباتات ويصيدون الحيوانات البرية. وكانوا قادرين على عمل ذلك دون حكام أو سيطرة الرجال على النساء. بعد ذلك، منذ حوالى 10 آلاف سنة، بدأ العمل، في أجزاء مختلفة من العالم، يشمل زراعة المحاصيل واستئناس الحيوانات. ولكن لازال تنظيم العمل لا يتضمن وجود قسم من المجتمع يعيش دون عمل بينما يكدح الآخرون. وكانت المساواة العامة بين جميع الرجال والنساء لا تزال قائمة، مع توزيع الغذاء والملابس حسب احتياجات الناس ـ وقد استمرت تلك الحياة  في أجزاء كثيرة من العالم حتى الفتوحات الاستعمارية في القرن الماضى.

وفي تلك المجتمعات لا توجد أي علامة على الطبيعة الإنسانية “الأنانية”,”والمحبة للتملك” و “التنافسية” التي نسلم بها في ظل الرأسمالية: هكذا لاحظ أحد الباحثين في أوائل القرن الثامن عشر عن مزارعى الإيروكوا:

“إذا قابلت مجموعة من الإيروكوا الجائعين مجموعة أخرى لم ينفذ بعد مخزونها بالكامل، تقتسم الأخيرة مع المجموعة الأولى القليل الذي تبقى دون أن تسألها ذلك، برغم أنهم يعرضون أنفسهم بالتالى إلى نفس مخاطر الانقراض مثل من ساعدوهم.”

ولاحظ كاهن يسوعي عن مجموعة أخرى (المونتاجنيس):

“لا يوجد الطموح والطمع في الغابات العظمى، لأنهم مسرورون بمجرد الحياة، ولا واحد منهم سلم نفسه للشيطان من أجل حيازة الثروة.”

وذكرت دراسة كلاسيكية لقبيلة الرعاة النوير في شرق أفريقيا أنه “عموما يمكن القول بأنه لا يوجد في قرية النوير من يعاني الجوع إلا إذا عانى الجميع”.

ولم يظهر الانقسام الطبقي وسيطرة الرجال على النساء في أي مكان إلا منذ 5000 عام فقط. كان ذلك نتاجا لتغيرات جديدة في الطرق التي ينتج بها الناس وسائل عيشهم، شملت الزراعة الكثيفة، واستخراج المعادن وبناء المدن الأولى. وظهرت الطبقات المستغلة التي تعيش على عمل بقية المجتمع، وأسست دولا ـفصائل دائمة من رجال مسلحين منظمين في الجيوش وقوات الشرطة ـ للحفاظ علي سلطتها وتوسيعها.

أحيانا، كما في مصر القديمة وفي ميزوبوتاميا القديمة وإمبراطورية الإنكا في أمريكا الجنوبية، استخدمت الطبقات الحاكمة القوة المباشرة للدولة للاستيلاء على الثروة التي خلقها أولئك الذين يعملون عبر فرض الضرائب. وأحيانا، في اليونان القديمة وروما، تملكت العبيد الذين قاموا بكل الأعمال. وأحيانا، كما أوروبا في القرون الوسطى، تحكمت في الأرض وأجبرت الذين يعملون فيها إما أن يعملوا لصالحهم دون مقابل أو يسلمونهم النصف أو أكثر من ناتجها. ولكن في كل الحالات كانت الأقلية تعيش من خلال إجبار غالبية المجتمع على العمل من أجلها.

ولكن برغم ذلك، ففي كل تلك المجتمعات كان يوجد شئ واحد مشترك مع مجتمع المساواة الذي سبقها، كان هدف العمل هو تلبية احتياجات الناس المباشرة ـبرغم أن حاجات الأقلية الحاكمة كان لها الأولوية على حاجات غالبية الناس. كان العبد أو الفلاح أو الحرفي يكدح لإنتاج منتجات تستخدم مباشرة إما لأنفسهم أو لأولئك الذين يعيشون على حسابهم. لذا فلو أكل مالك العبد أكثر من اللازم بكثير أو بنى لنفسه قصرا أو مقبرة مغالية في فخامتها، لن يتبقى لدى العبد ما يكفي لمعيشته وسيعاني من الجوع. وإذا كان المحصول سيئا في أحد المواسم وأصر السيد الإقطاعي على استمراره في نمط الحياة الفاخرة فسوف يتعرض الفلاح القن للمجاعة. ولكن كان من المستحيل أن يأتي وضع يتعرض فيه الناس للجوع، كما في النظام الحالي، بسبب فائض الإنتاج. فقد كان الإنتاج يتم من أجل الاستهلاكـحتى لو كان إلى حد كبير لاستهلاك طبقة واحدة تستغل الآخرين. ولهذا السبب اتبع ماركس اقتصاديين آخرين في تسميته بإنتاج “القيم الاستعمالية”.

ومع ذلك ففي المجتمع الرأسمالي الذي نعيش فيه اليوم فإن القليل جدا يتم إنتاجه للاستهلاك المباشر، فعمال السيارات لا ينتجون العربات لاستهلاكهم الخاص الفوري، أو حتى للاستهلاك الفوري لمديرهم. إنهم ينتجون السيارات حتى يتمكن صاحب عملهم من بيعها لشخص آخر. ونفس الشىء ينطبق على عامل الصلب وصانع الأحذية وفني التصوير ومبرمج الكمبيوتر أو ينطبق في واقع الأمر علي أي شخص يقوم بعمل مقابل أجر. فمن الممكن مثلا أن تقضي حياتك كلها في صناعة المسامير، فتنتج عشرات الآلاف منها يوميا بالعمل على آلة. ورغم ذلك فمن المحتمل أن لا تستهلك منها شخصيا أكثر من مئات قليلة.

إن الأشياء تنتج لكي تباع. إنها “سلع”  يجب أن تبادل مقابل النقود قبل أن يحصل المنتجون على أي فائدة من جهدهم. وبالطبع في النهاية يجب أن يكون للبضائع فائدة. ولكن يجب أن يتم تبادلها أولا.

لذا فالأشياء في ظل الرأسمالية لها خاصية غريبة، فقبل إمكانية استخدامها، أي أن تكون “قيما استعمالية” يجب أن يتم تبادلها مقابل النقود والتي يمكن في المقابل تبادلها ببضائع أخرى. ويتم قياس قيمتها حسب الثمن الذي تحصل عليه عند مبادلتها. فالمهم هو “القيمة التبادلية” ـكم من النقود، وبالتالي كم وحدة من البضائع الأخرى، يمكن الحصول عليها مقابل سلعتك.

ومن خلال التبادل، تنشأ الصلة بين الجهد المبذول من فرد ما وبين جهد ملايين من الأفراد الآخرين عبر النظام العالمي ويتضح ذلك عندما تنظر إلى ما نشتريه بالنقود التي نحصل عليها مقابل ما ننتجه بأنفسنا.

4) العمل والثروة

بدأ الاقتصاديون السابقون على ماركس في تقديم رؤية لهذا النظام. وأرجعوا إلى ما أطلقوا عليه “اليد الخفية” ارتباط أنشطة الناس ببعضها.وقد لاحظوا أيضا شيئا آخر وافق عليه ماركس، وهو أن كل السلع تشترك في خاصية واحدة ـأنها جميعا من منتجات العمل البشري.

تساءل ماركس في رأس المال عما يشترك فيه شيئان مختلفان تماما يتكلفان نفس الكمية من النقود، علي سبيل المثال زوج من الجوارب ورغيف من الخبز. بالطبع ليس خصائصهما المادية، فهما يختلفان من ناحية الوزن، ومصنوعان من مواد مختلفة، ولهما شكلان مختلفان وهكذا. استخدامنا لهما. فبالطبع نحن لا نرتدي رغيف الخبز ولا نأكل الجوارب.إن المقارنة بين الاستخدام النهائي لرغيف الخبز بالاستخدام النهائي للجوارب تشبه المقارنة بين وزن الفيل ولون السماء، إنهما شيئان مختلفان تماما. بدلا من ذلك، نادى ماركس بأن ما يشترك فيه الاثنان هو كمية العمل التي تستخدم لإنتاجهما. والأكثر من ذلك، فهذا العمل فعليا هو ما يحدد قيمتهما.

من الأسهل فهم ذلك عندما ينتج الأفراد للتبادل فيما بينهم. ربما يصنع النجار منضدة ويبادلها ببدلة ينتجها الخياط ـولكنه لا يفعل إذا استطاع صناعة بدلة بنفس الجودة في وقت أقل مما يحتاجه في صناعة المنضدة. فهو يعتبر أن البدلة تساوي على الأقل نفس عدد الساعات من العمل الذي تساويه المنضدة.

وينطبق نفس المبدأ عندما يصنع الناس أشياء ويبيعونها مقابل النقود. فالنجار يبيع المنضدة التي تستغرق صناعتها أربع ساعات مثلا مقابل مبلغ من  المال يمكنه من شراء شئ آخر يستغرق أربع ساعات في صناعته. إن سعر المنضدة يعبر عن كمية من العمل استهلكت في صناعتها. وطبعا لن يكون كل النجارين بالمهارة الكافية للقيام بالعمل المطلوب في أربع ساعات، فبعضهم  سيستغرق ضعف الوقت (كما بالنسبة لي إذا حاولت صناعة منضدة). لكن لن يبدي أحد استعداده لأن يدفع لهم ما يعادل ثماني ساعات عمل مقابل المنضدة، حين يوفرها آخر مقابل ما يعادل أربع ساعات عمل. إن سعر المنضدة لا يعبر عن كمية العمل التي يقوم بها فرد محدد، ولكن كمية العمل الضرورية لفرد متوسط المهارة.

وخلال التبادل، يقارن كل عمل فردي باستمرار بالعمل علي مستوى النظام ككل، أو كما وضعها ماركس، يقاس “العمل المتجسد” لكل فرد كحصته من “العمل الاجتماعي” للمجتمع ككل.

لم يبتدع ماركس الرأي القائل بأن العمل هو المصدر الوحيد للقيمة. فذلك كان مقبولا علي الأقل جزئيا، لدي كثير من الاقتصاديين الأوائل الذين انتموا إلي النظام الرأسمالي الصاعد، من جون لوك في أواخر القرن السابع عشر، وحتى آدم سميث في القرن الثامن عشر إلي ديفيد ريكاردو في أوائل القرن التاسع  عشر. هكذا جادل آدم سميث:

إن السعر الحقيقي لأي شئ، أي التكلفة الفعلية التي يتحملها من يريدون حيازته، هو الكد والتعب لحيازته…إنه ليس الذهب ولا الفضة، ولكنه العمل، إن كل ثروة العالم كانت أصلا مشتراة، وقيمتها بالنسبة لهؤلاء الذين يمتلكونها ويريدون مبادلتها بشىء آخر، هي بالضبط مساوية لكمية العمل التي تمكنهم من الشراء أو السيطرة، ولكن المدافعين عن الرأسمالية المؤيدين “لنظرية العمل في القيمة” اندفعوا دائما في مشكلة كئود. فلو أن العمل هو مصدر القيمة، فكيف يأتي الربح؟ لو أن جميع السلع يتم تبادلها حسب كمية العمل المتضمنة فيها، إذن فيجب أن يكون كل من في المجتمع علي قدم المساواة بدرجة أو بأخرى. ربما يختار البعض أن يعمل لمدة أطول، وبالتالي يجنون ثروة أكثر قليلا، مع وقت فراغ أقل قليلا ولكن يجب أن يعيش الناس حياة مرضية بالتساوي. ومرة ثانية ربما يكون البعض أقل مهارة فيخسرون في البداية، ولكن مع الوقت سوف يمكنهم اللحاق بالآخرين. أذن فمن أين يأتي الربح المنتظم؟ بالقطع يستطيع الأفراد تحقيق أرباح من خلال خداع الآخرين. ولكن ذلك لا يفسر كيفية وجود طبقة كاملة من الأغنياء ـوبالطبع، في ظل الرأسمالية الحديثة فإن كل من يبيعون السلع تقريبا أغنياء.

وكما أوضح ماركس:

“إن طبقة الرأسماليين ككل لا يمكنها أن تثرى نفسها كطبقة، فلا يمكنها زيادة إجمالي رأس المال الذي تمتلكه من خلال كسب أحدهم لما يخسره آخر. إن الطبقة ككل لا يمكنها خداع نفسها.”

ولكن إذا لم يكن الرأسماليون يحصلون أرباحهم من بعضهم البعض، إذن فمن الضروري أن هناك مصدر آخر لأرباحهم. ولكن من أين؟

وبالفعل، حاول آدم سميث منذ مائة عام تقريبا قبل ماركس، تفسير الربح من خلال المزج بين نظريته للعمل كمصدر للقيمة مع نظرية أخرى ترى أن رأس المال يضيف إلى القيمة بإنتاج “عائد”.

ويشير سميث إلى أن بعض أشكال رأس المال ـمثل الآلات، ومباني المصانع وهكذا ـتجعل العمل أكثر إنتاجية من المتوقع في ظروف أخرى، حتى الأداة الأكثر بدائية تضيف إلى إنتاجية البشر بصورة هائلة: يستطيع العامل باستخدام الرافعة تحريك وزن أكبر بكثير بجهد أقل من عامل يحمل الأثقال على ظهره. ولكن الآلات ومباني المصانع ليست أشياء توجد من تلقاء نفسها. إنها منتجات العمل الإنساني السابق. والرافعة التي تساعد العامل نفسها نتاج لكد عامل التعدين. لهذا السبب أطلق ماركس على وسائل الإنتاج “العمل الميت” (في مقابل العمل الحالي، الذي أطلق عليه “العمل الحي”).

تظل قيمة السلع عند البيع تعتمد على العمل المتضمن فيها، مع أن جزءا من هذا العمل عمل أُنجز من قبل وليس عملا حاليا. وإذا ادعى الرأسمالي بأنه يجب أن يحصل على عائد مقابل الاستثمار في المصانع أو الميكنة، فيجب أن نسأل كيف استحوذ على هذا المصنع أو تلك الآلات، ولم يحوزه أولئك الذين أنتجوه من كدهم. وفوق ذلك، لا يمكن للآلة أن تضيف إلى قيمة أي شئ دون أن يديرها العمل الحي. فالآلة وحدها لا يمكنها عمل شئ. إنه العمل الإنسانى الذي يدير الماكينة هو ما يجعلها تنتج سلعا جديدة، مع قيمة زائدة.

فالبشر يستطيعون أن ينتجوا بدون الماكينة، ولكن الماكينة لا تستطيع إنتاج أي شئ دون أن يديرها الإنسان.

إن واقع  العمل الإنساني هو الذي يحدد القيمة التبادلية للأشياء بصورة مطلقة يتضح مما يحدث مع التقدم التكنولوجي الحديث. فقد انخفضت أسعار منتجات كانت مرتفعة جدا من 20 أو 30 عاما حيث قلل التقدم التكنولوجي من كمية العمل الضرورية لإنتاجها، برغم أن الآلات المستخدمة في إنتاجها غالبا ما أصبحت أغلى وأكثر تعقيدا. هكذا فآلة الجمع الميكانيكية كانت تكلف 40 أو 50 جنيه إسترلينى في الستينات (أي ما يعادل 400 أو 500 جنيه إسترلينى بسعر العملة اليوم)، ولكن اليوم من الممكن شراء الآلة الحاسبة الإلكترونية ذات إمكانيات أكبر مقابل 1 أو 2 جنيه إسترليني، ونفس الشيء، كان الكمبيوتر متوسط الإمكانيات تصل تكلفته إلى نصف مليون جنيه إسترلينى حينذاك، والآن من الممكن الحصول على نفس الكمبيوتر مقابل 600 أو 700 جنيه إسترلينى.

إن البضائع التي لم ينخفض سعرها بهذه الطريقة هي البضائع التي ما زالت تتطلب تقريبا نفس كمية العمل لإنتاجها كما في الماضي ـأي السيارات، الأغذية والمشروبات، الطوب والمدافع الثقيلة، وكثير من الملابس.

5) الأرباح والاستغلال

أصبحت فكرة أن العمل مصدر كل القيم، بما فيها تلك التي تعود على الرأسمالي في صورة الربح، والفائدة والإيجار، تدعو للقلق بازدياد بالنسبة لمبرري النظام الرأسمالي بعد زمن آدم سميث. لقد تضمنت أن الرأسماليين كانوا طفيليين بالضبط كما كان الإقطاعيون الذين حلوا محلهم. دفع هذا الاقتصاديين من مناصري الرأسمالية إلى تطوير نظريات تستند إلى “التضحية” تفسيرا للأرباح. ويدعون الآن أن الأرباح عائد يحق للرأسمالي مقابل استخدام ثروته في توظيف عمالة بدلا من استهلاكه الفوري الخاص.

ولكن ذلك، كما أوضح ماركس، محض هراء. فتوظيف الناس يتضمن شراء عملهم، لو أن الرأسمالي يحصل على الربح مقابل ذلك، إذن فيجب أن يحصل أي شخص آخر يشتري شيئا ما على أرباح. وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا لا يحصل العمال على ربح مقابل شرائهم للأشياء التي يحتاجونها للمعيشة؟

إن نظرية ‘التضحية’ هي محض خرافة. فالرأسمالي لا يضحي بثروته الحالية عندما يستثمرها. والحقيقة، إن استثماره لها يحفظ قيمتها، بينما تكون الأرباح شيئا إضافيا يحصل عليه دون عمل. وهكذا إذا كانت معدلات الأرباح 10% (وهو رقم منخفض تماما حسب المستويات الرأسمالية)، سيستطيع شخص يمتلك مليون جنيه قابلة للاستثمار أن ينفق 100,000 جنيه سنويا (أي 2000 جنيه أسبوعيا) علي متعته الخاصة وتظل قيمتها كما هي في نهاية السنة ـويحصل علي 100,000 جنيه أخرى في السنة التالية بدون عمل. وعلي العكس فحتى لو أن العامل الذي يحصل علي متوسط أجر عام 1995 كان قادرا، بمعجزة، أن “يحرم” نفسه تماما من الطعام، والمسكن والملبس، فسوف يستغرق 80 سنة لكسب ما يكفي للقيام بهذا الاستثمار.

يشدد ماركس علي أن ما يحدث فعلا هو أن الرأسمالي يمكنه تحقيق الأرباح من خلال الاستيلاء علي جزء من عمل العمال، بالضبط كما كان مالك العبيد يستمتع بحياة الرفاهية عن طريق إجبار العبيد علي الكد لصالحه، وكما كان السيد الإقطاعى يملأ بطنه بإجبار الفلاحين علي العمل في أراضيه دون مقابل. الفرق الوحيد هو أنه لم يكن هناك ما يخفي علي العبيد أو فلاحي القرون الوسطي مجمل الحقيقة القاسية بأن منتجات عملهم يستحوذ عليها آخرون. لقد كانوا يعرفون ذلك لأن شخص ما كان يقف وراءهم بالكرباج أو العصا.

وعلي العكس، يبدو أن هناك تبادلا عادلا ومتكافئا بين العامل والرأسمالي في ظل النظام الحالي. يبيع العمال عملهم مقابل مبلغ من المالـأي أجورهم، وما يحصلون عليه يعتمد علي السعر الجاري لعملهم ويشبه كثيرا ما يحصل عليه البقال مقابل البيض والذي يعتمد أيضا علي السعر الجاري. فيبدو أن هناك”عمل يومي عادل مقابل أجر يومي عادل”.

ولكن هذا التبادل “العادل” في الظاهر بين العامل والرأسمالي يخفي عدم مساواة جوهرية فيما بينهما. فكل منهما لديه القدرة علي العمل (برغم أن الرأسمالي لا يضطر إلي استخدام هذه القدرة). ولكن فقط أحدهما، أي الرأسمالي، هو الذي يسيطر علي الأدوات والمواد الضرورية لاستمرار العمل. ولكن إذا لم يكن لدي الناس الحق في استخدام الأدوات والأرض فانهم يواجهون الخيار الصعب بين الجوع أو العمل لدي أولئك الأفراد الذين يمتلكونها.

وكما أشار آدم سميث:

“في الوضع الأصلي للأمور، الذي يسبق كلا من الاستحواذ علي الأرض وتراكم المخزون، فان كامل إنتاج العمل كان يخص العامل…لكن بمجرد أن تحولت الأرض إلى ملكية خاصة، يطالب مالك الأرض بحصة من المنتج…”

“إن منتج العمل الإجمالي عرضة لخصم مماثل من الربح…وفي كل المصانع يكون الجزء الأكبر من العمال في حاجة إلى السيد ليقدم لهم مواد عملهم. وهو يقتسم معهم منتج عملهم.”

وان ما كان صحيحا في أيام آدم سميث، عندما كان الكثير من الفلاحين والحرفيين المستقلين لازالوا يمتلكون وسائل عيشهم الخاص، أصبح أكثر صحة مائة مرة اليوم. إن جميع وسائل إنتاج الثروةـ أي المصانع، والماكينات والأراضي الزراعيةـ في أيدي عدد صغير من الناس. ففي بريطانيا على سبيل المثال، تسيطر 200 شركة كبرى، يديرها مجموعة مغلقة من حوالي800 مدير، علي وسائل إنتاج تنتج ما يزيد عن نصف الناتج القومي. وليس للكتلة الهائلة المكونة من 24 مليون عامل في بريطانيا خيار إلا محاولة العمل لصالح هؤلاء. لا ينطبق ذلك فقط علي العمال اليدويين الذين يطلق عليهم عادة “الطبقة العاملة بل أنه ينطبق أيضا علي كثير من الموظفين ذوى الياقات البيضاء الذين يعتبرون أنفسهم “طبقة وسطي”. فموظفي الأرشيف، ومشغل الكمبيوتر، وصغار المحررين في المجلات والجرائد أو بائعي المجلات جميعهم مضطرون إلي بيع قوة عملهم بنفس القدر مثل عمال السيارات أو عمال المواني.

وقليل جدا من الناس، الذين يتركون المدرسة أو يستغنى عنهم في العمل، يستطيعون أن يقيموا مشروعات خاصة. فالبديل الوحيد لمحاولة بيع عملهم للشركات التي تمتلك المصانع والمكاتب هو محاولة العيش على القدر الضئيل الذي يوفره نظام الرعاية الاجتماعية. وحتى هذا القدر الضئيل يستمر في النقصان من قبل الحكومات التي تتحدث عن الحاجة إلى إعطاء الناس “حافزا” على العمل.

والحقيقة القاسية هي أن الجمهور الأعظم من السكان لا يمكن أن يحظى بحياة شبه لائقة إلا إذا كانوا مستعدين لبيع عملهم لهؤلاء الذين يسيطرون على وسائل الإنتاج. ربما كانوا أحرارا بمعنى أنهم غير مجبرين على العمل لدى شركة أو رأسمالي محدد واحد. ولكن لابد لهم من السعي للعمل لدى شخص ما.

وكما بين ماركس، “يستطيع العامل أن يترك الرأسمالي الفرد الذي استأجره عندما يشاء…ولكن العامل الذي يمكنه العيش فقط عن طريق بيع قوة عمله، لا يستطيع أن يترك كل طبقة المشترين، أي الطبقة الرأسمالية، دون أن يتخلى عن وجوده. إنه لا يخص هذا البرجوازي أو ذاك، ولكنه يخص الطبقة البرجوازية ككل”.

ربما لا يكون العامل عبدا، أي ملكية شخصية لرأسمالي معين. ولكنه “عبد مأجور”، مجبر على الكد لصالح أحد أعضاء طبقة الرأسماليين. يضع ذلك العامل في موقف يضطره إلى قبول أجر أقل من الناتج الإجمالي لعمله. إن قيمة الأجر في ظل الرأسمالية لا تصل أبدا إلى قيمة العمل الذي يقومون به بالفعل.

6) من أين يأتي الربح؟

في لغتنا اليومية غالبا ما نقول أن العمال يحصلون علي أجر “مقابل عملهم”، ولكن ماركس أوضح أن عبارة “عملهم”تعني شيئين مختلفين. إنها تعني”العمل الذي يقومون به”، ولكنها أيضا تعني”قدرتهم علي العمل” ـوالتي اختصرها إلى “قوة العمل”.

وهذان المعنيان مختلفان تماما. فقدرة الناس علي العمل تعتمد علي توفير الطعام الكافي، والمسكن، والملبس وكذا وقت الراحة الذي يمكنهم من الذهاب إلي العمل كل يوم بحيوية كافية للقيام بالجهد المطلوب والانتباه الكافي للمهام التي تواجههم. ولو لم يحصلوا علي أجر كافي لشراء هذه الأشياء، سيكونون عاجزين جسمانيا عن العمل.و كما لاحظ أدم سميث:

“يوجد حد أدني معين من المستحيل بعده تخفيض الأجر العادي لأقل نوعية من العمل لمدة طويلة. فيلزم أن يعيش الإنسان دائما من خلال عمله، ويجب أن يكفي أجره للإبقاء عليه. بل يجب حتى في معظم الأحوال أن يزيد إلى حد ما، وإلا سيكون مستحيلا بالنسبة له إعالة أسرته وجنس العمال لن يستطيع البقاء أكثر من الجيل الأول.”

وبالضبط، فما يعتبر ” كافيا ” بالنسبة للعمال يعتمد على العمل الذي يقومون به والظروف العامة في المجتمع الذي يعيشون فيه. لذلك، فالعمال اليوم في أوروبا الغربية، والولايات المتحدة واليابان وحتى كوريا الجنوبية يتوقعون عامة الحصول على غذاء أفضل، ومسكن وملبس أفضل، ووقت راحة أطول مما كان يتوقعه عمال مانشستر الذين قابلهم إنجلز في منتصف أربعينات القرن التاسع عشر ـ وأيضا يتوقعون حياة، أفضل من حياة كثير من العمال الهنود والأفارقة اليوم. ويعرف صاحب العمل الأبعد نظرا أحيانا أنه يجب أن يوفر لعماله حد أدنى معين إذا أراد منهم أن يعملوا بصورة أكثر إنتاجية، بالضبط كما يعرف الفلاح الماهر أنه يجب عليه أن يطعم بقراته بما يكفي من العلف إذا أراد أن يحصل على إنتاج أعلى من اللبن. وكما جاء في تقرير نشرته جريدة الفايننشال تايمز في يناير 1995: “.. يدرك العديد من المديرين أنه لو لم يحصل موظفوهم وعمالهم على إجازاتهم ويستطيعون الحياة خارج العمل سوف يفشلون في العمل بكفاءة..”. وأعلن أحد الشركاء في شركة محاسبة بريطانية هامة “..أننى أصر على أن يحصل الموظفون على إجازاتهم وإلا سيصبحون أقل إنتاجية”.

وبالطبع، لا يرى كثير من رجال الأعمال الأمور بهذه الصورة، فهم يمتعضون لكل بنس ينفقونه على الأجور ولكل دقيقة لا يكدح فيها العمال لصالحهم. والعمال بالتأكيد لا يعتبرون أجورهم فقط وسيلة لتمكنهم من العمل لصالح أصحاب الأعمال، وإنما يعتبرونها كشىء يمنحهم الفرصة لشراء ما يريدونه ـعبوات قليلة من البيرة، أو سيارة مستعملة، أو لعب للأطفال، أو توفير نفقات رحلة  لمدة أسبوعين، لهذا السبب يوجد دائما الصراع بين أصحاب الأعمال والعمال، حيث يحاول أصحاب الأعمال تخفيض الأجور إلى ما دون الحد الأدنى الضرورى لإعالة أسر العمال ويحاول العمال أن يرفعوا أجورهم فوق هذا الحد ليمنحوا أنفسهم “..وقت فراغ أطول قليلا وقليل من بعض السلع الفاخرة..”.

ولكن الواقع في ظل الرأسمالية اليوم، بنفس القدر، تماما كما كان في أيام ماركس، هو أن جماهير العمال اليدويين وعمال الياقات البيضاء يتم استنزافهم جسديا أو ذهنيا أثناء العمل وينفقون أموالهم على أشياء لا تقدم إلا القليل لإعادة استعدادهم إلى مواصلة العمل في اليوم التالى أو الأسبوع التالى. فنحن قلما نرى عمالا يدويين أو مكتبيين كثيرين لا يبدو عليهم التعب عندما يتكدسون في الأتوبيسات أو القطارات إلى العمل في الصباح، أو عندما يتكدسون فيها مرة ثانية للعودة إلى البيت في المساء.

ويعتمد تحديد الأجر أو المرتب الذي يحصل عليه العامل على تكلفة تجديد هذه القدرة عل العمل ـأى تكلفة تجديد “قوة العمل”. لو أن الأجور قليلة جدا، فلن يستطيع العمال العيش ولن يستطيع الرأسمالى الحصول على أقصى إنتاج ممكن بالقدر الذي يريده. ومن ناحية أخرى، لو كانت الأجور أعلى من تكلفة تجديد قدرة العمال على العمل، سيبذل صاحب العمل كل ما في وسعه لاستبدالهم بعمال آخرين أرخص منهم.تماما مثل أي سلعة أخرى تباع وتشترى، تعتمد قيمة قوة عمل العامل على كمية العمل الضرورى لإنتاجها. هكذا، فهى تعتمد على كمية العمل الذي يستهلك في إنتاج الغذاء الضرورى للحفاظ على لياقة العامل وصحته واستعداده للعمل، أى الكمية الضرورية لتوفير ثلاث وجبات في اليوم، وكذا وسيلة المواصلات التي تنقله إلي العمل، ووقت قليل للراحة في المساء والعطلة الأسبوعية، بالإضافة إلي تربية أطفاله الذين سيصبحون الجيل الثانى من العمال. ولكن كمية العمل الضرورية لإنتاج السلع التي تجعلك لائقا وقادرا على العمل ليست نفس الكمية التي تستطيع فعليا القيام بها بمجرد أن تبدأ في العمل، وربما تحتاج إلى أربع ساعات عمل من إجمالي العمل الاجتماعي لإنتاج الطعام والسكن والملبس لعائلتك. ولكنك تحت الضغط، يمكنك أن تعمل لمدة ثمانية أو عشرة أو حتى أثنى عشر ساعة يوميا. وسوف يرفض الرأسمالي أن يدفع لك أجرك لو لم تفعل ذلك.

إنه يدفع لك السعر الجارى لقوة عملك، ولكنه يحصل منك على عمل يوم كامل وهذا يساوى أكثر كثيرا من السعر الجارى لقوة العمل في اليوم، لذلك فأنك تحتاج إلى العمل لمدة أربع ساعات لإنتاج السلع التي تعيش عليها ولكنك تعمل لمدة ثمانى ساعات، إذن فالرأسمالى يستحوذ على أربع ساعات عمل يوميا منك بدون مقابل. فلأنه يتحكم في وسائل الإنتاج يستطيع أن يسرق فائضا من أربع ساعات عمل يوميا،هذا الفائض أطلق عليه ماركس “فائض القيمة” مصدر الربح والفائدة والإيجار.

يقتنص الرأسمالى هذه القيمة من العامل كل يوم، وبعمله هذا يضع نفسه دائما في موقف يمكنه من اقتناص فائض قيمة أكبر. لأن فائض القيمة يمنحه الوسيلة التي تمكنه من الحصول على وسائل إنتاج جديدة وإجبار العمال على العمل العبودي لصالحه في المستقبل.

وبعد كل هذا يدعى الرأسماليون أنهم يصنعون معروفا للعمال بالسماح لهم بالعمل. يدعون أنهم هم “مقدمو العمل”، كما لو أنه لا يمكن للعمل الاجتماعى أن يتم دون السرقة التي يقومون بها أولا. وبعض الناس داخل حركة الطبقة العاملة أغبياء بما يكفي لاعتبارهم “شركاء في الإنتاج”، كما لو أن مالك العبيد “شريك للعبيد أو أن السيد الإقطاعى “شريك” للقن.

والواقع أنه في كل مرة يعمل العامل يضيف إلى السلطة التي يمارسها الرأسمالى، ويظل هذا صحيحا حتى لو سمحت الظروف بتحسين مستوى معيشة العمال. وكما أوضحها ماركس في رأس المال:

بالضبط، كما أن الغذاء الأفضل واللبس والمعاملة الأفضل لا تعوض العبد عن استغلاله، فإنها لا تنفي استغلال العامل المأجور، كما أن ارتفاع سعر العمل يعنى فقط أن طول ووزن السلسلة الذهبية التي صاغها العامل المأجور لنفسه تسمح بتخفيف التوتر الذي يعانيه منه..

يمكن هذا الرأسماليين من تركيز الآلات والمصانع والمواد الخام الضرورية لإعادة الإنتاج في أيديهم. يستطيعون حينئذ التظاهر بأنهم “خالقى الثروة” وأنهم هم الذين “يوفرون العمل” للآخرين ـوالحقيقة أن كل ما يعملونه هو سرقة ناتج عمل الآخرين ـثم يمنعون استخدامه لإعادة الإنتاج إلا إذا سمح لهم بالسرقة مرة أخرى.

7) النهب وصعود الرأسمالية

نحن اليوم نسلم بديهيا بعملية بيع وشراء قوة العمل ويبدو ذلك طبيعيا مثل شروق الشمس وغروبها، ومع ذلك، فلم يكن ذلك، في أي مكان أكثر من ظاهرة باهتة منذ مئات  قليلة من السنوات. في أوروبا في أواخر العصور الوسطى أو في أفريقيا أو أسيا في عصر الاستعمار الأوروبى في القرنين الثامن والتاسع عشر كان لدى معظم الناس حقا مباشرا في وسائل إنتاج حياتهم حتى لو اضطروا إلى تسليم جزء من إنتاجهم إلى إقطاعى طفيلى. كان الفلاحون يزرعون غذاءهم في أراضيهم. والحرفيون ينتجون البضائع في ورشهم الصغيرة الخاصة بهم.

ولكن السرقة الهمجية هى التي غيرت ذلك ـاستخدام القوة لتجريد جماهير الناس من أى سيطرة على وسائل الإنتاج، وتم هذا بواسطة قوة الدولة وتحت وصاية بعض المجموعات الأكثر تميزاً في المجتمع.

هكذا في إنجلترا وويلز، مثلا، كان صعود الرأسمالية مصحوبا “بالحجوزات” ـوهى سلسلة من الإجراءات البرلمانية التي طردت الفلاحين من الأراضى المشاع التي كانوا يزرعونها لمئات السنين. وتم تمرير قوانين أخرى ضد “التشرد”،  وهي التي أجبرت الفلاحين منزوعى الملكية على البحث عن عمل مقابل أجر يمكن الحصول عليه. وكان “للتطهيرات” في اسكتلندا نفس الأثر حيث طرد اللوردات صغار المزارعين من الأرض واستبدلوهم بالأغنام وبعد ذلك بالغزلان.

وبعد أن اقتطع الحكام البريطانيين إمبراطورية لأنفسهم في بقية العالم، اتخذوا إجراءات لإنتاج نفس الانقسام بين جماهير الناس من خلال عملية السيطرة على وسائل كسب المعيشة. وعلى سبيل المثال في الهند منحوا الملكية الكاملة للأرض لطبقة الزيمندار العليا المتميزة فعلا. وفي شرق وجنوب أفريقيا عادة ما أجبروا السكان على دفع مبلغ محدد من المال، ضريبة الرأس، والتي لا يمكنهم تدبيرها إلا إذا أرسلوا بعض أفراد عائلاتهم للبحث عن عمل لدى ملاك المزارع الأوروبيين أو رجال الأعمال. وفي أمريكا الشمالية والكاريبى عندما وجدوا أنهم لم يستطيعوا إجبار السكان المحليين لأن يصبحوا عمال مأجورين “أحرار”، استوردوا ملايين العبيد بعد اختطافهم من غرب أفريقيا لتوفير الأرباح التي يريدونها.

وقد أطلق ماركس على هذه العملية من خلق شروط نمو الإنتاج الرأسمالى “التراكم البدائى لرأس المال”. وقد تضمنت أمرين ـ من ناحية، تركيز الثروات الضخمة في أيدى الطبقة الرأسمالية، ومن ناحية أخرى “تحرير” جماهير السكان من أى سبيل للسيطرة علي وسائل إنتاج معيشتهم.

وبمجرد أن وطدت الرأسمالية نفسها، دفعت ميكانيزماتها الاقتصادية الخاصة هذه العمليات أكثر إلى الأمام، هكذا ففي بريطانيا، في أواخر القرن الثامن عشر كان لازال يوجد مئات الآلاف من النساجين اليدويين الذين كانوا يعملون لدى أنفسهم في نسج القماش للبيع. وخلال 50 عاماً تم إخراجهم من سوق العمل من قبل الشركات الرأسمالية التي تستخدم النول الكهربائى. وفي أيرلندا في أربعينات القرن الثامن عشر تسببت مجاعة فظيعة نتجت عن مطالبة الفلاحين الجائعين بدفع الإيجار إلى ملاك الأرض (معظمهم بريطانيين) ـ حتى بعد فشل محصول البطاطسـإلى موت مليون شخص من الجوع ومليونا آخرين هجروا أراضيهم بحثا عن عمل في بريطانيا والولايات المتحدة.

تكررت هذه القصة عدة مرات منذ ذلك الوقت. ففي أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية دفعت الضغوط “الاقتصادية” العاديةـالتي تساندها إجراءات البوليس ضد من لا يستطيعون تحمل الإيجار ـملايين من الناس لترك ممتلكاتهم الصغيرة للبحث عن عمل في المدن الكبرى، وغالباً لم تنجح محاولاتهم. وهناك لم يكن لهم خيار إلا الكد مقابل أى أجر يمكنهم الحصول عليه. فبمجرد أن توطد الرأسمالية نفسها تماماً في أى جزء من العالم، تقل حاجتها إلى استخدام القوة المباشرة لإجبار الناس على العمل. ومع الوقت ينسى الناس أنهم كان باستطاعتهم كسب عيشهم دون العمل لدى الآخرين. ويبدأوا في التسليم بطبيعة العلاقة بين العامل وصاحب العمل. وفي الأغلب يقبلون الإدعاء الرأسمالى الذي يحرف واقع عبودية الأجر وراء مقولة أن الرأسماليين “يوفرون العمل”. وتدريجيا يختفي واقع الاستغلال ـاستغلال الأقلية التي تستحوذ على القيمة التي يخلقها الأغلبية ـ عن الرؤيا.

وفي هذا السياق استخدم ماركس اصطلاح ” صوفية البضاعة” لتعريف مثل هذا الموقف. يوضح أن الناس يخطئون بالنظر فقط إلى ما يحدث في السوق الرأسمالى، دون النظر إلى العلاقات الإنسانية الحقيقية التي يقوم عليها. والنتيجة هى انعدام وجود أى طريقة أخرى مرئية لتنظيم الأمور.

8) ديناميكية الرأسمالية

يقول تونى بلير، أحد قيادات حزب العمال البريطاني، أن الماركسية قد انتهى زمنها، لأنها كما يدعى لا تفسر “دينامية” “اقتصاد السوق”.

هذا الادعاء يوضح جهل تونى بلير بأفكار ماركس، لأن تحليل ماركس الشامل للرأسمالية يقوم على فهمه لدينامية النظام، أي لعدم قدرة الرأسمالية على التوقف لتحويلها المستمر للإنتاج ولحياة من يعملون داخل النظام.

ولقد أكد البيان الشيوعى الذي كتبه ماركس وإنجلز في 1848 علي هذا الفهم:

“خلقت البرجوازية، خلال سنوات حكمها الأقل من مائة عام، قوى إنتاج هائلة وأكبر بكثير من كل الأجيال السابقة مجتمعة.”

فقد تم تكثيف التحول المستمر للصناعة في ظل الرأسمالية:

“لا يمكن للبرجوازية أن تستمر دون التثوير المنتظم لوسائل الإنتاج.. إن التثوير المنتظم للإنتاج يميز عصر البرجوازية عن كل العصور السابقة.”

وفي رأس المال يرى ماركس الاندفاع المستمر لبناء صناعة أكبر كطابع مميز في الرأسمالية:

“يجبر الرأسمالي بإصراره الهوسى على التوسع الذاتى للقيمة، بعناد، الجنس البشرى على الإنتاج من أجل الإنتاج… التراكم من أجل التراكم، والإنتاج من أجل الإنتاج.”

ويبين كتاب رأس المال كيف أن هذا الهوس الأًصيل بالتراكم ينتج عن الطبيعة الخاصة للسوق الرأسمالى. فالجزء الأول من الكتاب يبدأ بتحليل الإنتاج من أجل السوق (الإنتاج السلعى)، ثم يبحث فيما يحدث عندما يظهر العمل المأجور وعندما تتحول قوة العمل إلى سلعة، ويركز على توضيح كيف يؤدى الإنتاج باستخدام العمل المأجور إلى عملية التراكم الجبرى الذي يتجاهل الحاجات الإنسانية والرغبات الفردية.

ليس الخلاف بين ماركس وتونى بلير ومدعي”الحداثة” الآخرون، وهم في الواقع ينتمون إلي الطراز العتيق من المفكرين أنصار الرأسمالية، لأنه فشل في فهم ديناميكية الرأسمالية، بل لأنه يرى، ما لا يرونه هم، أن ديناميتها لا تنفصل عن عدم إنسانيتها وعبثيتها.

تقوم الرأسمالية على نمط من الإنتاج الاجتماعى، يضم اليوم حوالى 3 مليارات عامل على مستوى العالم. ومع ذلك، يقوم بتنظيم الإنتاج شركات منفصلة ومتصارعة (معظمها يملكها أفراد، وبعضها تملكها دول قومية متصارعة)، ومحركهم الرئيسي هو الحاجة إلى تجاوز بعضهم البعض في المنافسة. إن واقع كل شركة تنخرط في استغلال العمل المأجور يعنى عدم إمكانية القبول بالوضع الحالي للمنشأة، فمهما كانت الشركة ناجحة في الماضى، فستظل خائفة من أن تقوم شركة منافسة باستثمار أرباحها في مصانع وآلات جديدة أحدث. لذلك تهتم كل شركة منافسة باستمرار بالحفاظ على أرباحها أعلى من منافسيها. وهذا يعني أن كل شركة تحاول دفع عمالها إلى العمل  ساعات أطول بقدر الإمكان مقابل أجور منخفضة قدر الإمكان. ولا يجرؤ أى رأسمالى على التوقف لفترة من الزمن. فهذا لا يعنى سوي  التراجع خلف منافسيه ولا يقوده في النهاية سوي إلي الإفلاس.

إن هذا هو ما يفسر دينامية الرأسمالية، الضغط الواقع على كل رأسمالى لسباق أى منافس آخر، للتطوير المستمر للمصانع والآلات، والضغط المستمر على العمال لتوفير الأرباح التي تجعل هذا التطوير ممكنا، ولكن هذا أيضا هو ما يجعل النظام لا إنسانيا.

في عالم عقلانى يؤدى إدخال آلات جديدة، توفر الجهد أوتوماتيكيا، إلى رفع مستويات المعيشة وضمان وأسبوع عمل أقصر. ولكن هذا لا يحدث في ظل الرأسمالية، حيث تسعى كل شركة إلى تخفيض نفقاتها حتى تستمر في السوق ـ وهذا لا يعنى سوي محاولة تخفيض مستويات معيشة العمال.

إن عبثية وعدم إنسانية عملية صنع القرار في ظل الرأسمالية تصل حتى إلى درجة أن المديرين لا يكونوا أحراراً في أن يفعلوا ما يريدون. فهم يستطيعون الاختيار في أن يستغلوا العمال بطريقة ما بدلاً من الأخرى. ولكنهم لا يستطيعون اختيار عدم استغلال العمال مطلقاً، أو حتى استغلالهم بدرجة أقل مما يفعل رأسماليون آخرون ـإلا إذا أرادوا أن يفلسوا. فهم أنفسهم خاضعون لنظام له قوانينه الصارمة بغض النظر عن مشاعر الأفراد، فالرأسمالية حقا سباق للفئران. ولو لم يكن الرأسمالى فأرا، وحاول معاملة العمال بشكل أفضل، ووضع احتياجاتهم فوق الاندفاع إلى التنافس، فإنه لن يستمر طويلا.

أكثر من ذلك، تنتج المنافسة العمياء بين الرأسماليين حتى الظروف التي تهدد بدفع النظام ككل إلى الفوضى، فإنتاج الشركات المتنافسة يتعلق بالسوق. ولا يستطيع أى رأسمالى الاستمرار في الإنتاج إلا إذا باع بضائعه. ولكن القدرة على البيع تعتمد على إنفاق رأسماليين آخرين ـعلى إنفاقهم المباشر على البضائع ( مثل السلع الفاخرة والمصانع والآلات لشركاتهم) وعلى الأجور التي يدفعونها للعمال ( الذين ينفقونها في المقابل على وسائل معيشتهم) ولكن هؤلاء الرأسماليون لا يستطيعون الإنفاق إلا إذا باعوا منتجاتهم الخاصة.

إن السوق يجعل الإنتاج في أى موقع في النظام يعتمد على ما يدور في كل موقع آخر. فإذا انقطعت سلسلة الشراء والبيع عند أى نقطة، يمكن أن يبدأ النظام بالكامل في التفتت والتوقف. عند ذاك تحدث أزمة اقتصادية.

« السابق التالي »