بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الاقتصاد المجنون – الرأسمالية والسوق اليوم

« السابق التالي »

3. الفصل الثاني: تفسير الأزمة

1) رخاء وكساد

إن تاريخ الرأسمالية الصناعية هو تاريخ فترات من الرخاء وفترات من الركود، ـأي تاريخ ما يطلق عليه الاقتصاديون الرأسماليون الرسميون، “الدورة الاقتصادية”. فلأكثر من مائتى عام كانت هناك فترات من التوسع الشديد في الإنتاج تتخللها أزمات مفاجئة ـتتحطم فيها قطاعات كاملة من الصناعة وتتوقف.

لقد عانينا من ثلاث أزمات كهذه خلال العشرين عام الماضية، وكل منها فرضت عبئا اكبر على أولئك الذين يعملون، من الأزمة التي سبقتها، مع تزايد حياة الناس بؤسا حيث يفقدون مصادر معيشتهم وأحيانا بيوتهم أيضا. هذه الأزمات الدورية هى من صميم الطريقة التي يدور بها النظام.

فكل شركة تحاول تحقيق أقصى ربح وإذ بدا من السهل تحقيق الأرباح، تزيد كل الشركات على مستوى النظام من إنتاجها بأقصى سرعة ممكنة. فتفتح مصانع ومكاتب جديدة، وتشترى آلات جديدة وتضم عمال جدد، معتقدة أنها ستتمكن من بيع البضائع التي تنتجها. وحين تفعل الشركات ذلك، فهى توفر سوقاً جاهزا لشركات أخرى، التي يمكن أن تبيع لها بسهولة المصانع والآلات، أو بضائع استهلاكية للعمال التي استخدمتهم. فيدخل النظام ككل في فترة رخاء، ويتم إنتاج سلع أكثر، وتنخفض البطالة.

ولكن ذلك لا يمكن أن يستمر طويلا. فحرية السوق تعنى أنه لا يوجد تنسيق بين الشركات المتنافسة المختلفة. هكذا، مثلاً، من الممكن أن يقرر صانعو السيارات زيادة إنتاجهم، دون أن تقوم في نفس الوقت الشركات المنتجة للصلب بأى زيادة ضرورية في إنتاجها اللازم لهياكل السيارات أو تشهد مزارع ماليزيا أي زيادة لإنتاج المطاط اللازم للإطارات. وبنفس الطريقة يمكن أن تبدأ الشركات في توظيف عمالة ماهرة، دون تقبل أى شركة منها أن تتولى التدريب الضرورى لزيادة العدد الإجمالى من هؤلاء العمال.

فكل ما يعنى هذه الشركات هو تحقيق أقصى ربح ممكن في أسرع وقت. ولكن السباق الأعمى لتحقيق ذلك من الممكن أن يؤدى بسهولة إلى استنزاف الموارد الحالية من المواد الخام والمكونات والعمالة الماهرة والتمويل اللازم للصناعة.

وفي كل ازدهار مرت به الرأسمالية من قبل، تصل إلى حد معين يظهر فيها فجأة العجز في المواد الخام والمكونات والعمالة الماهرة والتمويل. وتبدأ الأسعار ومعدلات الفائدة في الارتفاع ويدفع ذلك العمال في المقابل إلى اتخاذ إجراءات لحماية مستويات معيشتهم.

يؤدى الرخاء بالضرورة إلى زيادة في التضخم. والأخطر من ذلك، بالنسبة للرأسماليين الأفراد، يؤدى ارتفاع التكلفة بسرعة إلى تأكل أرباح بعض الشركات ودفعها إلى حافة الإفلاس. وسيلتهم الوحيدة لحماية أنفسهم هى تخفيض الإنتاج، وطرد العمال وإغلاق المصانع. ولكنهم عندما يفعلون ذلك يدمرون أسواق البضائع التي تنتجها شركات أخرى، وبالتالي يمهد الرخاء الطريق إلى الأزمة.

وفجأة يظهر “فائض الإنتاج”. تتراكم البضائع في المخازن لأن الناس لا يملكون القدرة على شرائها ويتم طرد العمال الذين أنتجوها لعدم إمكانية بيعها. هذا يعنى أن استهلاك العمال يقل وتتزايد أكثر فأكثر كمية “فائض الإنتاج” في النظام ككل.

فعلى سبيل المثال، لن تتمكن شركات صناعة السيارات من بيع نفس الكمية التي كانت تبيعها في الماضى، ولذلك تشترى كمية أقل من الصلب. وكنتيجة لذلك، تغلق مصانع الصلب أبوابها وتطرد العمال. ولكن عمال الصلب الذين طردوا لن يتمكنوا من شراء السيارات، وبالتالى سيقل إنتاج السيارات أكثر. ويأتى الدور على عمال السيارات فيطردون، ولكنهم حينذاك لن يتمكنوا من شراء سلع مثل الغسالات أو الثلاجات المصنوعة من الصلب، بالتالى سيقل الطلب على الصلب، وتغلق مصانع أكثر للصلب، ويطرد عدد أكبر من عمالها، ويقل الطلب أكثر فأكثر على السيارات وندخل في دائرة جهنمية تزعم فيها كل شركة أنه بإمكانها البقاء في المنافسة من خلال تخفيض الأجور وزيادة الإنتاجية وطرد العمال. ولكن في كل مرة تقوم بذلك، يزداد تقلص أسواق الشركات الأخرى، وإلى اللجوء إلى مزيد من  طرد العمال ومن تخفيض الأجور وأخيرا يتقلص سوق منتجاتها هى نفسها.

إن التحول من الرخاء إلى الأزمة دائما يحدث بصورة مفاجئة للشركات الكبرى. فعلى مدى أواخر الثمانينات كان الزعماء الرسميون على كلا جانبى الأطلنطى يعلنون أن اقتصادهم يحقق المعجزات. وفي 1990 أعلن رئيس وزراء بريطانيا جون ميجور، ووزير المالية نورمان لامونت، مراراً أنه لن تحدث أزمة ركود، وأيدهم تقريبا كل المحللين الاقتصاديين المحترفين، وجاء في تقرير لبيتر نورمان في جريدة الفايننشال تايمز “..إن آخر بحث اقتصادى من منظمة التعاون التنمية الاقتصادية يشير إلى أن النشاط الاقتصادى في العالم الصناعى قد استقر على معدل نمو اقتصادى ثابت بنسبة 3%.”

ثم، وكما لو كان ذلك ضربا من الخيال، انفجرت الأزمة، والآن يعلن بيتر نورمان بنفسه مؤشرات الأخبار الاقتصادية السيئة. “عمليا أصبحت كل المؤشرات الواردة عن تدهور الناتج وانخفاض مبيعات التجزئة وزيادة البطالة أسوا من المتوقع”. وكانت جريدة الفايننشال تايمز نفسها عاجزة تماما عن فهم ما حدث. واعترف أحد المحررين بها قائلا ” لقد فقدنا الوضوح” وتحدث لامونت الآن عن أزمات الركود كما لو كانت ظاهرة طبيعية مثل المد والجذر. وأكد سلفه نايجل لوسون، والذي كان يتباهى “بالمعجزة الاقتصادية” في الثمانينات، أن “الدورة الاقتصادية حقيقة قائمة. لقد وجدت دائما وسوف تستمر إلى الأبد موجات الصعود والهبوط”.

وكما لاحظ ماركس، يعتقد رجال الأعمال دائما أن الأمور تسير كأحسن ما يكون حتى تحدث الأزمة فجأة: “يبدو النشاط التجارى دائما قويا وشاملا حتى تحدث الأزمة”. ولكن الأزمة دائما تحدث انقطاعا ودائما تؤدى إلى إهدار فظيع لحياة الناس وفقدان هائل للموارد. ومع ذلك يكون الرد الجاهز لأصحاب الأعمال والحكومات على الأزمة هو أن يخبروا الشعوب بأنه لا سبيل لتفاديها وأن “على الجميع أن يقوم بتضحيات” و “يشد الحزام”.

في أزمة أوائل التسعينات كان إنتاج الاقتصاد البريطانى السنوى أقل بنسبة 6% عما كان من الممكن أن ينتجه ـوأدى ذلك إلى إجمالى خسائر وصلت إلى 36 بليون جنيه إسترلينى من الناتج كل عام لمدة ثلاث سنوات تقريبا. وبمعنى آخر، بلغت الخسارة السنوية تقريبا نفس تكلفة الخدمات الصحية العامة. كانت الأزمة أقل خطورة في الولايات المتحدة بالمقارنة  ببريطانيا. وبرغم ذلك وصلت الخسائر في الناتج إلى أكثر من 50 بليون دولار سنويا. ولو كان نمو الناتج طبيعيا، لكان قد حقق فائضا يبلغ 150 بليون دولار سنويا، وهذا الرقم يعادل ما يحتاجه كل السكان السود في أفريقيا للحصول علي أسباب المعيشة.

وذلك لا يعد بأى شكل حسابا دقيقا لإجمالى الفاقد المتحقق، لأن هذه الأزمة لم تكن الأولى، ولكنها ثالث أزمة يمر بها الغرب خلال السنوات الستة عشر السابقة. وإذا كانت الاقتصاديات الغربية قادرة على النمو خلال هذه السنوات بنفس متوسط سرعتها منذ عشرين عاما، لكان إجمالى الناتج قد ازداد بأكثر من 40% مما كان عليه.

وليس خافيا علي أحد إن الفاقد الذي ينتج على مستوى العالم من الأزمات الاقتصادية أكبر بكثير من ذلك الذي ينتج من الكوارث الطبيعيةـجميع الزلازل، والانفجارات البركانية، والفيضانات والأوبئة مجتمعة، ولكن الأزمات الاقتصادية ليست كوارث طبيعية. ففي ظل تلك الأزمات تظل وسائل إنتاج الأشياء التي يحتاجها الناس في الوجود تماما بنفس القدر كما كانت من قبل ـفمن جانب، تكون المصانع والمناجم والمزارع قادرة على إنتاج السلع، ومن ناحية أخرى يكون العمال قادرون على العمل فيها. إنها آليات النظام الرأسمالي هي التي توقف الرجال والنساء والعاطلين عن العمل في الصناعات المغلقة، وليست الكوارث الطبيعية.

2) علم الاقتصاد الرأسمالى والأزمة الاقتصادية

برغم الفاقد وبؤس حياة الشعوب الذي تسببه الأزمة الرأسمالية، فقد حاول معظم الاقتصاديين التظاهر بأنها لا تحدث فعلا، واتبعوا قانونا طوره اقتصادى فرنسى عاش منذ قرنين هو ‘جان باتبيت ساى’. حيث يرى أن الأزمة مستحيلة، حيث أنه في كل مرة تباع سلعة ما فهى تشترى بواسطة شخص آخر. هذا القانون متضمن في المدرستين الاقتصاديتين اليوم “المدرسة الحدية” و”الكلاسيكية الجديدة”. ويزعم هؤلاء أن “اليد الخفية” للسوق تضمن أوتوماتيكيا إمكانية شراء أى سلعة تنتج، إن “العرض” يساوى “الطلب”. وتعتبر النظرية أن أسعار البضائع تعمل كمؤشرات لتوجيه الرأسماليين إلى ما ينتجونه. وهذه النظرية هى أساس موجة التهليل للسوق التي يتبعها السياسيون اليوم في كل أنحاء العالم. وهى أيضا مبررهم لإزالة كافة العقبات، وخصخصة الصناعات وإعلان أن الاشتراكية قد “عفا عليها الزمن”.

نجد إن وهذه النظرية مليئة بالثغرات. فلا يمكن0 أن تحدد “مؤشرات الأسعار” العلاقة بين الناتج والطلب، بين البيع والشراء، أو بين الإنتاج والاستهلاك بشكل سلس. لأن الإنتاج دائما هو عملية تحدث في وقت معين. و”مؤشرات الأسعار” لا تخبرك عما سوف يطلب عندما ينتهى الإنتاج ولكن عما كان مطلوبا قبل بدايته.

ويسبب عامل الوقت هذا مشاكل هائلة، حتى في أبسط أشكال الإنتاج السلعى مثل إنتاج الحبوب بواسطة جمهور صغار الفلاحين. فإذا كان المناخ سيئا في سنة وأثر على المحصول، ترتفع الأسعار فعلا. وبرغم ذلك، لا يؤدى هذا إلى زيادة إنتاج الحبوب في تلك السنة. ففي العالم الحقيقى (على خلاف أصحاب نظرية السوق) على الفلاحين انتظار الموسم التالى لحصاد المحصول الجديد. وربما يستجيبون لمؤشرات الأسعار ويحصدون مساحة اكبر من السابقة. ولكن لو لم تتبع، بالصدفة، سنة أخرى يكون مناخها سيئا كالأولى، فإن النتيجة الوحيدة ستكون إنتاج محصول اكبر مما يطلب المستهلكون.

وأشهر مشكلة من هذا النوع معروفة بـ “دورة الخنزير” لأن أصحاب مزارع الخنازير يفاجئون بشكل متكرر بأنه إما أن يتعدى الطلب على لحم الخنزير عدد الخنازير التي يريدون بيعها، أو أن عدد الخنازير التي يمتلكونها أكبر بكثير من رغبة الناس في شراء اللحوم. ولكن موجات مماثلة من الصعود والهبوط دائما ما تحيط كل أنواع الإنتاج الزراعى. ولا تختفي الدورة عندما ننتقل من عالم صغار الفلاحين إلى الشركات الرأسمالية العملاقة وفي الواقع تزداد سوءا.

لا يبدأ الإنتاج الصناعى فقط بشهور قليلة قبل الاستهلاك النهائى. فهو يعتمد على القيام باستثمارات ضخمة في رأس المال الثابت، في بناء المصانع وتركيب الماكينات، على مدى سنوات عديدة. وحيث يوجد “السوق الحر” فلا يمكن التنسيق بين الشركات المتنافسة. وهكذا تكون التقلبات من “الإنتاج الزائد” و “الطلب الزائد” ومن الأزمة والرخاء، أكثر وضوحا منها في النظام الزراعى الصرف.

والطريق الوحيد أمام الأرثوذكسية لتخطى المشكلة هو تجاهلها. ولقد اعترف بذلك علنا أحد مؤسسى “المدرسة الحدية” هو ليون والراس. فقد كتب “‎”سوف نحل هذه المعضلة ببساطة بتجاهل عنصر الوقت في هذا الموضوع”. واضطر روى رادنر، وهو اقتصادى بدأ في أواخر الستينات إلي البرهنة حسابيا على أن اقتصاد السوق التنافسى سيؤدى إلى معادلة، لأن يفترض أن أولئك العاملين في النظام سيضطرون مقدما إلى تحديد كيف سيستجيبون لكل الاحتمالات التي تواجههم في أى وقت في المستقبل. إن نموذج التوازن التام، كما استنتج “ينهار تماما” في مواجهة استحالة أن يفعل الناس ذلك.

في الواقع، في العالم الحقيقى، إذا تعادل كل من الإنتاج والاستهلاك أخيرا، لا يكون ذلك من خلال التلاقى السلس والفعال والمريح بين العرض والطلب، ولكن من خلال التوتر العنيف ـأى الأزمة. لقد اعترفت مدارس الاقتصاديين المؤيدين للرأسمالية بذلك.

وفي الثلاثينات من هذا القرن دفعت الأزمة الكبرى ببعض الاقتصاديين، أشهرهم جون ماينرد كينز، إلى رفض الصياغة الفجة لقانون ساى. كان كينز مؤيدا للرأسمالية ـوحقق هو نفسه ثروة من خلال المضاربة في البورصة ـولكنه جادل بأنه إذا ترك النظام لنفسه، سوف تحدث أزمات يتقلص فيها كل من الإنتاج والسوق. وبالتالى يتساوى “‎”العرض” و”الطلب” فقط لأنهما يكونان في مستوى منخفض جدا. دفعه ذلك إلى رفض الاعتقاد السائد في عصرهـوفي عصرنا بعد مرور أكثر من 60 عاما ـ بأن الاقتصاد سوف يزدهر أوتوماتيكيا فقط إذا توقفت الحكومات عن “حشر أنوفهم” في الاقتصاد. وعلى العكس اعتقد كينز أن التدخل الحكومى فقط يمكنه إيقاف الأزمات.

وفي الأربعينات والخمسينات والستينات كانت هذه الآراء مضمنة داخل صياغة معدلة من “المدرسة الحدية” لتصبح العقيدة المقبولة لدى الحكومات من كل الأصناف، ويتم تدريسها لطلبة علم الاقتصاد. وتباهى جون صموئيلسن، الفائز بجائزة نوبل والذي كتب الكتاب الأكثر مبيعا في علم الاقتصاد في عصره، في أن الأزمات لن تحدث أبدا مرة ثانية : “لقد حدد المكتب القومى للبحث الاقتصادى واحدة من أهم وظائفه ـأى الدورة الاقتصادية”.

هذا الإيمان بالتدخل الحكومى في النظام لم يتحمل الكساد الكبير لسنوات 74 ـ1976، وفجأة في يوم وليلة تقريبا، بدل الاقتصاديون والسياسيون، الذين دعوا إلى النظرية الكينزية لمدة ثلاثين عاما، أفكارهم. وكما أوضح الاقتصاديان الأمريكيان مانكيف ورومر، أن الأفكار الكينزية حل محلها العودة إلى الفكرة القديمة بأن “السوق دائما واضح” وأن “اليد الخفية” دائما ما تقود الاقتصاد إلى التوزيع الأمثل للموارد.

وحاليا، يتبنى الاقتصاديون والسياسيون، بدرجات مختلفة، نظرية تسمى “النقدية”. وتتضمن هذه النظرية أنه، على العكس من كون التدخل الحكومى ضروريا، لا يجب على الحكومات التدخل في الاقتصاد إلا لمراقبة إجمالى كمية النقود ووقف “الاحتكار غير الطبيعى” وهو ما يدعون أن النقابات تمارسه عند دفاعها عن مستويات المعيشة.

إن انتصار العقيدة القديمة في أواخر السبعينات والثمانينات تميز بعودة الافتراض بأن السوق دائما يربط العرض بالطلب معا بإتقان. برز هذا الاعتقاد تماما لدى جناح تاتشر في حزب المحافظين في بريطانيا ولدى أولئك الذين تبنوا أفكار مماثلة في الكتلة الشرقية السابقة وفي العالم الثالث. ولكنه تردد أيضا لدى الكثير ممن كانوا يساريين.

ولكن كان هناك تناقضا يصعب ملاحظته ضمن أفكار التاتشريين أنفسهم، لأنهم كانوا إلى حد كبير متأثرين بمدرسة أخرى منشقة، وهى التي اشتهرت بـ “المدرسة النمساوية” والتي كان اشهر شخصياتها فريدريك هايك. وقد عارض دائما الكينزية وتدخل الدولة، على أساس أن ذلك يؤدى إلى “الاستبداد ” ويدمر “دينامية” السوق. ولكنه لم يقبل أبدا النظريات الحدية والنيوكلاسيك، بإنكارها للأزمة، واعترف بأن النظام معرض حتما إلى موجات صعود وهبوط مدمرة، وعلينا التعامل معها “كشرط ما سيئ” في المعادلة.

وتبنى هايك أيضا أن السوق ينتج دائما عكس ما يحتاجه الناس. وتكون المنافسة حقيقية فقط بقدر ما لا يمكن التنبؤ بنتائجها، وتختلف في كليتها عما استهدفه، أو كان من الممكن أن يستهدفه، عمدا أى شخص. إن النظام العشوائى الذي يحدثه السوق لا يضمن أن يلبي ما يعده الرأى العام الحاجات الأكثر أهمية، دائما قبل الحاجات الأقل أهمية.

وشدد هايك، بمنتهى الصراحة، أن السوق لا يؤدى إلى التوازن السلس بين العرض والطلب، ولكنه اتجه نحو ما أسماه نظيره النمساوى جوزيف شومبيتر “التدمير البناء” الذي لا يؤدى إلى معادلة اقتصادية بل إلى “نظام اقتصادى”.

على أى حال، ليست هذه نظرية اقتصادية مستساغة بالنسبة للسياسيين الذين يسعون إلى الأصوات الانتخابية أو للأيديولوجيين الساعين لتغيير الأفكار. ففي النهاية فإن هذا “التدمير البناء” يكون لوسائل المعيشة ـوأحيانا لحياة ـالملايين من البشر. لذلك فإن صياغة أفكار هايك التي عادة تمتدح اليوم هى صياغة مهجنة، وفيها تحل الفكرة “النيوكلاسيكية” عن التعادل السلس محل فكرة “التدمير البناء”.

إن الصورة التي تقدم إلينا هى أن الرخاء المنتظم سيأتى فقط لو آمن الناس بالسوق دون تحفظ. وهو ما وعد به أنصار السوق شعوب الكتلة الشرقية السابقة عقب دخول الاقتصاديات الستالينية القديمة في أزمة عميقة في أواخر الثمانينات. وبشروهم بأن السوق سيؤدى إلى “معجزات اقتصادية” كتلك التي أدعى أن ألمانيا الغربية شهدتها في الخمسينات والستينات ـوسوف يحدث ذلك في خلال “400 أو 500 يوما”.

وهي نفس الرسالة التي وجهها صندوق النقد الدولى إلى حوالى 60 أو70 من بلاد العالم الثالث مع “برنامج التكيف الهيكلى”. ولم يختلف خطاب حزب المحافظين البريطانى في الانتخابات العامة في 1992 عن ذلك، حيث وعد الشعب البريطاني بأن الانتعاش الاقتصادى سيبدأ في اللحظة التي يعود فيها للسلطة ببرنامجه لزيادة مساحة حرية السوق إلى مدى أوسع.

وفي كل من تلك الحالات، لم يحدث في الواقع ذلك التعادل المزعوم، ولكن حدث التدمير. ففي حالة بلاد أوروبا الشرقية تم تدمير من 20 ـ 40% من الصناعة عبر أسوأ أزمات عرفها التاريخ. وفي بلاد أفريقيا كان الانخفاض الهائل لمستويات المعيشة، وكقارة كانت قادرة على إطعام كل سكانها منذ 20 عاما مضت أصبحت موطنا لملايين الجوعى. وفي حالة بريطانيا، كان ذلك يعنى أسوأ أزمة عرفتها منذ الثلاثينات.

3) كيف تتفجر الأزمة

إن الحماس لقدرات السوق العجيبة والمزعومة عادة يصل إلى قمته أثناء فترات الرخاء. حيث تتزايد الأرباح، ويتسابق الرأسماليون فيما بينهم في الإسراع في زيادة إنتاج السلع أكثر وأكثر. وتنتقل بعض الثروات التي يسيطر عليها الأغنياء إلى أيدى أولئك الذين يتلونهم مباشرة في التراتب الاجتماعى. فيحقق المقاولون أرباحا من بناء مكاتب ومخازن ومصانع جديدة. وتجد الوكالات الإعلانية طلبا غير محدود ـظاهريا ـعلى خدماتهم. ويزدهر السماسرة حيث تنتقل الثروات بسرعة مطردة من يد إلى يد. وتشعر قطاعات كاملة من الطبقة الوسطى بأن عليهم فقط أن يبدأوا مشروعاتهم الخاصة وستنهمر الأموال فورا بين أيديهم.

وتشترى كل هذه المجموعات لنفسها عددا متزايدا من السلع، مما يزيد الطلب على السلع الفاخرة من الشمبانيا والكافيار إلى سيارات البورش والشقق الفاخرة. ويزداد أيضا الطلب على عمل جماهير العمال، حيث تزداد فرص العمل في مواقع البناء ومعارض السيارات، وفي تصميم الإعلانات وطباعة إعلانات بديلة. ويجد هؤلاء العمال الجدد أن بإمكانهم شراء سلع لم يكونوا قادرين على شرائها ـوهذا في المقابل يؤدى إلى زيادة الطلب على سلع ينتجها قطاع آخر كامل من العمال، وهكذا تنتشر حالة من الزواج بين أوساط عمال الصناعات المختلفة.

وتنخفض البطالة أخيرا ـ حتى ولو، كما في وقتنا الحالى، لم تكن لمستوياتها السابقة. ويتنافس أصحاب العمل، المتلهفين على عمال ذوى درجة معينة من المهارة، فيدفعون الأجور قليلا إلى أعلى. ويبدأ عمال آخرون، وقد أصبحوا أقل خوفا من تهديد البطالة، في المطالبة بنصيبهم من “الرخاء” الذي يسمعون عنه في وسائل الإعلام ويطالبون بزيادة الأجور والتي يشعر أصحاب العمل أحيانا أنهم مضطرون إلى تلبيتها.

ولكن على صعيد آخر، وفي قاع المجتمع تظل أعداد واسعة من الناس لا تشعر بأى تحسن في أوضاعهم. وكذلك العمال الذين تزداد أجورهم يجدون هذه الزيادات غير كافية بسبب ارتفاع الأسعار. ولكن لفترة قصيرة يبدو الإدعاء بأن السوق يعني الرخاء، بالنسبة لأى شخص لا ينظر فيما وراء الأفق، بأنه ينطبق مع الواقع.

غير أن الصورة لا تظل على ورديتها طويلا، فكل العوامل التي تحيل الرخاء إلى أزمة تتطور بالفعل عندما يصل الرخاء إلى قمته ـ أى ارتفاع الأسعار، العجز المتزايد في التمويل للاستثمارات الجديدة وتزايد أجور بعض العمال المهرة. ولكنها تختفي وراء الطبيعة الحادة للرخاء. وبالفعل، حتى عندما تبدأ (هذه العوامل) في تخفيض بعض الأرباح، فمن الممكن أن تؤدى إلى تزايد المضاربة، وإلى سباق محموم لجنى أرباح أكثر. ويحول الرأسماليون، الذين يعتقدون بأن فرص تحقيق الأرباح لن تنتهى أبدا، ثرواتهم من قطاع إلى آخر بسرعة أكبر ـ ويشترون المواد الخام معتقدين أنهم سيستطيعون بيعها بأسعار أعلى، ويمولون بناء المكاتب متوقعين ارتفاعا أكثر في الإيجارات، ويتأرجحون وراء أحدث مشروعات الإعلانات، ويدفعون بمبالغ ضخمة في البورصة بافتراض أن أسعار الأسهم لن تنخفض أبدا. وحتى العمال يمكن أن ينجذبوا إلى جنون المضاربة، ويغرقون في الديون لشراء المنازل اعتقادا منهم أن أسعارها سترتفع. وينتعش الغشاشون والمحتالون من كل صنف في هذا الجو من الإثراء السريع. وأى محتال صغير يقود مؤسسة تعد بالربح السريع مهما كان المشروع سيئ السمعة، يتوقع أن يجد بعض المشترين. وكل رأسمالى كبير يرغب في أن يصبح أكبر من خلال التلاعب في الدفاتر لتمويل مناقصة، يجد من السهل أن يفعل ذلك.

وفي هذا الجو البراق، حيث تبدو الأموال كأنها تتساقط كالمطر على الطبقات شاربة الشمبانيا، ولا يبدو هناك أي ارتباط بين النشاط الرائع في جنى الأرباح والنشاط الأسود للاستغلال في محل العمل. هكذا كان، على سبيل المثال، الوضع في بريطانيا في أواخر الثمانينات حيث تفوقت كل من شركة ميردوخ وماكسويل وهانسون ورايخمان برازرز. واعتقد أولئك الذين وهبوا حياتهم لنظام الربح أن زمنهم قد أتى.

وهكذا كانت قوة أخر فترات الرخاء الرأسمالى التي جذبت إليها بعض أولئك الذين عارضوا النظام في الماضى. وأدينت الماركسية من كل الجوانب كنظرية غير واقعية، بل أن مجلة أطلقت على نفسها “الماركسية اليوم” احتفت على طراز الطبقة المتوسطة العليا بالملابس غالية الثمن ومتعة الاختلاط بمجلس وزراء حزب المحافظين. لقد أصبحنا، كما ادعوا، في عالم ما بعد الماركسية ـ عالم ما بعد الثورة الصناعية وما بعد الإنتاج الكبير، ما بعد الأزمة، وما بعد الحداثة.

ثم، وتماما كما تنبأ أولئك الذين لم يكونوا “بعدـ ماركسيين”، انفجرت الأزمة، وأفلست الأسماء الكبيرة لعهد الثمانينات الواحدة بعد الأخرىـمثل بى آندس كالرار، وكانرى وورف، وهابتيات وماكسويل، وأخيرا أفلست الرؤية ما بعدـ الماركسية التي تبنتها مجلة “الماركسية اليوم”.

لقد تحولت فجأة نغمة وسائل الإعلام، وأعلن فجأة أولئك الذين استخدموا الصفحات الاقتصادية في الصحف الكبرى للاحتفال بالرخاء أن النظام “على حافة التحلل” وأنه يهوى ولا أحد يستطيع إدراك إلى أين.

وكان ذلك يحدث دائما عندما يتحول الرخاء إلى إفلاس. هكذا، مثلا، استطاع رائد الصلب الأمريكى آندرو كارنجى أن يكتب في ثمانينات القرن الماضى:

“يجد الصناعيون أن مدخرات سنوات عديدة تصبح أقل فأقل، دون أى أمل في تغير الموقف. إن التربة ممهدة لاستقبال أى شئ يعد بتخفيف الأزمة، بل أنه يقابل بمنتهى الترحيب. إن الصناعى في موقف المريض الذي يجرب عبثا كل الأطباء منذ سنوات”.

وسادت هذه النغمة نفسها مرة ثانية في الثلاثينات، حيث كان الإحباط شاملا تقريبا في ألمانيا والولايات المتحدة.

في هذه الأثناء يتبنى الاقتصاديون والصحفيون الذين قبلوا سابقا معجزات نظام السوق كافة أشكال التفسيرات الغريبة والأسطورية حول سبب حدوث الأزمات. ففي القرن التاسع عشر أرجع جيفون، أحد مؤسسى “علم الاقتصاد الحدى”، حدوث الأزمات إلى البقع الشمسية التي ادعى أنها تؤثر على المناخ. وأدت أزمة 73ـ1975 إلى موجة جديدة من النظريات التي ادعت أن البترول ينفذ من العالم وأن العالم يواجه عصرا جليديا جديدا. وأدت أزمة أوائل التسعينات إلى استنتاجات أشد غرابة، مثل نظرية وليام هوستين والذي، حسب رأى جريدة الفايننشال تايمز، هو “واحد من أكثر محللى الدورة الاقتصادية احتراما في العالم”، والذي يرى أن “الدورات الكونية” ـمثلا الموقع النسبى لكوكبى المشترى وعطارد في علاقتهما بالأرض ـيمكن مباشرة أن تسبب كوارث اقتصادية. في نفس الوقت، يعتقد روى كالن، أستاذ الجراحة في جامعة كمبريدج، ببساطة أن تزايد أعداد الناس في البلاد الصناعية المتقدمة يقف حائلاً أمام قدرة الحكومة “لتوفير التوظف الكامل” والحل الوحيد لذلك هو الحد من الإنجاب ليقتصر على من تخطوا 25 سنة والذين يمكنهم توفير وضمان “النضج الكافي والموارد المالية للقيام بالرعاية المناسبة للأطفال”.

وتمشيا مع تلك التفسيرات المخبولة لما هو الخطأ الذي يؤدى إلي حدوث الأزمة نجد بعضها يحتوى على الأقل على بعض عناصر الحقيقة. وأكثر التفسيرات شيوعا، من هذا النوع، هو ذلك الذي يرجع كل شئ إلى المضاربة والمضاربين. ويدعى أنه لو أن هذا الجانب من الرأسمالية فقط يمكن تجنبه، فلن تحدث الأزمات أبدا.

وبالطبع تلعب المضاربة دورا في الأزمة، فهى تسمح لبعض الرأسماليين أن يزيدوا ثرائهم بينما يتجاهلون العمليات الحقيقية لإنتاج الثروة. يحقق المضاربون ثروات هائلة مع كل رخاء عن طريق الاقتراض حتى ترتفع الأسعار ورفع الأسعار حتى يزيد الاقتراض. وتكون النتيجة زيادة المديونية. والتي تفاقم بشدة “تأثير المعاناة” عندما تأتى الأزمة في النهاية. تزيد المضاربة أيضا من الصعوبات التي تواجه الحكومات الرأسمالية التي تحاول الحفاظ على نوع ما من السيطرة على ما يحدث في الاقتصاد القومى عندما تهرب البلايين وحتى التريليونات من الدولارات والين يوميا من البلاد إلى بلد آخر.

وبرغم ذلك، ليست المضاربة ولا المضاربين هم سبب دورة الرخاء والأزمة، فتلك توجد في التنظيم الرأسمالى للإنتاج، في المنافسة بين الرأسماليين الصناعيين لتحقيق الأرباح. تساعد المضاربة والمضاربون على زيادة حدة الرخاء والأزمات التي سوف تحدث في أى حال. فليس المضاربين هم الطفيليين الأساسيين الذين يدفعون النظام إلى الأزمة، ولكنهم طفيليون يعيشون على حساب طفيليين آخرين هم الرأسماليين.

ويدعى بعض السياسيين وغالبية المعلقين أن الأمور ستصبح على ما يرام لو تم القضاء على المضاربين. كانت تلك في الأغلب رؤية أولئك الذين يسعون إلى صيغة محسنة جزئيا من النظام الرأسمالى الحالى. فمثلا في 1964، ادعى هارولد ويلسون، رئيس وزراء حكومة العمال في بريطانيا، أن الأثرياء الذين يعملون في الخفاء هم الذين دفعوه إلى التخلى عن وعوده الانتخابية في حين أنهم كانوا في الواقع يشكلون القطاعات الرئيسية من الشركات البريطانية الكبيرة.

واليوم يلقى الكتاب الاقتصاديون أمثال ويل هوتون الكثير من اللوم بخصوص الأزمة على “قصر عمر” المؤسسات التمويلية” في مدينة لندن، متجاهلين تقريبا الدور الذي لعبه كبار الصناعيين. وعلى أقصى اليمين، كان يسهل دائما على الفاشيين والنازيين التحريض على ـ “التمويليين”ـمدعين أنهم “دخلاء” و”فاسدين” أو “يهود” ـ كطريقة لتحويل غضب الجماهير بعيدا عن كبار الرأسماليين الصناعيين. وفي الواقع، نادرا ما يكون الرأسماليون الصناعيون سيسعون إلى زيادة أرباحهم من خلال المضاربة عندما يبدو ذلك سهلا ومتاحاـمثلا المضاربة في أسواق البورصة العالميةـبينما يسعى الرأسماليون التمويليون إلى زيادة ثرواتهم الخاصة عبر شراء الشركات الصناعية.

وهناك نقطة أخرى أخيرة، فأحيانا ما يخلط البعض بين الأزمات وبين “انهيار” النظام الرأسمالى أو على الأقل يظنون أنه لا يمكن أبدا أن يحدث انتعاش بعد الأزمة. ولكن حتى في أشد الأزمات عمقا، لا يفلس كل الرأسماليين، سيظل هناك دائما البعض ممن يجدون طرقا لتحقيق الأرباح من خلال بؤس الآخرينـمن فتح مكاتب الرهن وتوزيع الأغذية التي انتهت صلاحيتها، إلى تأسيس شركات التصفية أو توفير حراس أمن لحماية الأغنياء من الفقراء. لذلك يمكن أن يتحمل النظام حتى أسوأ الأزمات لو لم يؤد نضال عمالى ناجح إلى تغييره إلى مجتمع أفضل.

وهذا يعنى أنه، برغم أن الأزمات لا تنتهى تلقائيا وبسلاسة كما يدعى مؤيدو النظام الرأسمالى، فإن النظام الرأسمالي يصل أخيرا إلى نقطة عندها يثق الرأسماليون بالقدر الكافي من إمكانية تحقيق الأرباح للبدء في الاستثمار من جديد. في الواقع، تمكن الأزمة نفسها بعض الرأسماليين من زيادة ربحيتهم وإنتاجهم من خلال شراء المواد الخام والآلات من الشركات التي أفلست بسعر رخيص. وعادة ما تمارس نوعا من الضغط على تكلفة العمل حيث يقبل العمال، خوفا من فقدان أعمالهم، أجورا وشروطا أسوأ. وبمجرد أن تستمر الأزمة لفترة، عادة ما يتبع ارتفاع أسعار الفائدة انخفاض أسعارها، الأمر الذي يمكن الرأسماليين من الاقتراض بشروط أسهل.

وهكذا يحدث انتعاش الإنتاج بعد عدة شهور أو أحيانا عدة سنواتـويتم توظيف عددا أكثر قليلا من العمال. ثم يتسع السوق بالتالى لشركات أخرى والتي تتمكن هى نفسها من زيادة الإنتاج، وتوظيف عمال أكثر وهكذا. ويمكن أن تفسح حلقة التدهور اللعينة في الأزمة المجال لصعود الدورة الحميدة من “الانتعاش” حتى تنتج فترة رخاء جديدة، ومعها مرحلة قصيرة جديدة من التفاؤل الزائد عن الحد لدى الطبقة الرأسمالية ومبرريها الأيديولوجيين، حيث يظهر الحديث مرة أخرى “المعجزات” تماما حتى تتجمع المكونات لأزمة أخرى أكثر تدميرا.

« السابق التالي »