بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الاقتصاد المجنون – الرأسمالية والسوق اليوم

« السابق التالي »

4. الفصل الثالث: الوضع يزداد سوءًا

1) الأزمات تزداد عنفا

من السهل أن نرى بوضوح دائرة الأزمة ـ الرخاء ـ الأزمة ـ الرخاء في الإحصائيات الاقتصادية في أغلب القرن التاسع عشر الذي كتب خلاله ماركس. كانت فترات من الزيادة السريعة في الإنتاج، مع انخفاض معدلات البطالة إلى حوالى 10%. وبدا أن التبدل بين (الرخاء والأزمة) يتبع إيقاعا منتظما وطبيعيا مثل القمر أو “سنوات الرخاء السبع والسنوات السبع العجائز” في الكتاب المقدس. ولكن يوجد أيضا اتجاه طويل المدى، على مدى دورات عديدة لتصبح الأزمات أطول وأشد عمقا وليصبح الرخاء أقصر وطفيفا.

هكذا كانت أواخر سبعينات وثمانينات القرن الماضى ـ الوقت الذي أتت منه تعليقات كارناجى ـ يشار إليها غالبا بسنوات “الكساد الكبير”، بمعنى أن الاقتصاد الرأسمالى العالمى بدا أنه يعانى من متاعب أسوأ مما عرفها من قبل. بعد ذلك بحوالى 50 عاما، كانت ثلاثينات القرن العشرين، مع مستويات بطالة أعلى بكثير، يشار إليها بالمثل بـ ” الكساد الكبير”.

كيف يمكن فهم هذا التفاقم في الأزمة الرأسمالية؟

لقد لاحظ بعض الاقتصاديين الأوائل المناصرين للرأسمالية مثل ديفيد ريكاردو أن معدلات الأرباح تتدهور بمرور الوقت، فقد كانت أقل كثيرا عندما كتب ريكاردو وآخرون مما كانت عليه قبل ذلك بعشرة أو عشرين أو ثلاثين عاما. هذا التدهور في معدلات الربح يمكن من تفسير تزايد عمق الأزمات، لأنه مع انخفاض معدلات الأرباح ستحتاج الصناعة إلى وقت أطول للانتعاش. ولكن كيف كان يفسر تدهور معدلات الأرباح نفسه؟

فسر ريكاردو ذلك بظاهرة توجد في الزراعة ـ أى “قانون تناقص الغلة”، فبعد حد معين، لا ينمو عائد المحاصيل من مزرعة معينة بنفس سرعة كمية البذور المزروعة أو الجهد الذي يبذل في ريها، بسبب الاقتراب من حدود خصوبة التربة. إن الخلل في هذه النظرية، التي لازالت تدرس في علم الاقتصاد بـ “النيوكلاسيك” اليوم، هو عدم وجود أى سبب واضح لوجوب انطباقها على المنتجات الصناعية. كما إن الإنتاج الصناعي غالبا ما يكون أرخص نسبيا في دورات الإنتاج الطويلة أكثر من دورات الإنتاج القصيرة. وبالتالي، فلا يوجد سبب يوجب انخفاض معدل الربح.

وبالتالى، فإن تزايد عمق الأزمات وارتفاع مستوى البطالة يعد لغز غامض بالنسبة للاقتصاديين الرأسماليين اليوم. وكما يقول أحدهم، أندرو أوسولد من كلية لندن للاقتصاد:

..يبدو أن ارتفاع البطالة على مستوى دول العالم الغربى لا يمكن إيقافه… والحقيقة إن الاقتصاديين لا يعرفون لماذا تتجه البطالة إلى التزايد..

وعلي صعيد آخر، فلقد قدم ماركس تفسيرا لاتجاه معدلات الربح نحو الانخفاض ـوبالتالى لتزايد عمق الأزمات على المدى الطويل وارتفاع مستويات البطالة. وأوضح أن ذلك كامن في الطبيعة الخاصة للتراكم الرأسمالى. فكل رأسمالى يدخل في منافسة مع كل الرأسماليين الآخرين. والطريقة الوحيدة للصمود في هذه المنافسة هى إدخال ميكنة جديدة باستمرار، والتي ستتضمن كميات أكبر من “العمل الميت”.

وكل رأسمالى يضطر إلى إدخال كمية اكبر من الآلات التي توفر العمل بقدر الإمكان. لذلك ينمو الاستثمار أسرع من قوة العمل.

ويمكن ملاحظة ذلك اليوم إذا نظرنا إلى استثمارات كل الشركات تقريبا، نجد أنها مصحوبة  بدرجات متفاوتة من سياسات “إعادة الهيكلة” ـ عبر تخفيض عدد العمال المطلوبين لكل مهمة. وهذا لا يعنى دائما انخفاض إجمالى قوة العمل. فأحيانا ما تسمح زيادة كبيرة في الناتج بتزايد قوة العمل الإجمالية. ولكنها نادرا ما تتواكب مع نمو الناتج الإجمالى أو توسع الاستثمارات الإجمالية. فيميل معدل الاستثمار بالنسبة للعمل (الذي عرفه ماركس بأنه “التركيب العضوى لرأس المال”) إلى التزايد.

وتوجد الكثير من الدراسات الامبيريقية التي تبين حدوث ذلك على مدى ربع القرن الأخير. فقد أشار الاقتصادى الأمريكي “بايلى” في جريدة بوكنج بيبر الشهيرة في1981 إلى أن معدل رأس المال بالنسبة للعمل في صناعة الولايات المتحدة كان 43ر1 في 1957ـ1968 و 24ر2 في 72ـ1975، بينما كشف الإحصائى كوللين كالارك عن زيادة في معدلات رأس المال بالنسبة للناتج في بريطانيا من 87ر1 في 59ـ1962 إلى 19ر2 في 72ـ1975. ولاحظ أحد محررى الفايننشال تايمز ” صموئيل بريتان” متخبطا في 1977:

يوجد اتجاه ضمنى طويل المدى للتدهور في كمية الناتج عن كل وحدة من رأس المال في الصناعة… في البلاد الصناعية… ومن الممكن تكوين صياغة معقولة إلى حد ما بالنسبة لأى بلد بمفردها، ولكن ليس للعالم الصناعى ككل..

ويشير مقال في مجلة “ايكونوميك رفيو” لبنك لويدز ( يونيو 1989) كيف أنه : وفي المملكة المتحدة، كما هو الحال في الكثير من البلاد الصناعية الحديثة، يميل عدد السكان العاملين إلى الثبات، بينما يتزايد حجم رأس المال.

إن نمو معدل الاستثمار بالنسبة للعمل لا يشكل مشكلة بالنسبة للشركة الواحدة، فكل ما تهتم به شركة معينة هو الحصول على الماكينات الموفرة للعمل أسرع من منافسيها حتى تتمكن من الإنتاج أرخص منهم لدفعهم نحو الإفلاس. لذا ستميل كل شركة دائما للبحث عن أحدث الماكينات التي تحتاج أقل كمية من العمل، معتقدة أن ذلك سيمكنها من الاستحواذ على الأسواق من منافسيها ويزيد من أرباحها على حسابهم.

ولكن ذلك يمكن أن يشكل مشكلة للرأسمالية ككل. لأنه لو كل شركة أدخلت آلات موفرة للعمل، إذن سيزداد معدل الاستثمار بالنسبة للعمل على مستوى النظام ككل بصورة أكبر.

وكما رأينا، أن العملـ وليس الآلاتـهو الذي يخلق القيمة. وعندما تزداد الآلات أسرع من العمل، ينمو الاستثمار أسرع من القيمة. وإذا كانت حصة أصحاب العمل من القيمة التي يحصلون عليها كفائض قيمة، ثابتة، إذن سينمو الاستثمار أسرع كثيرا من الأرباح.

ولكن إذا كان الأمر كذلك، فسيتدهور حتما معدل الربح ـأى معدل الربح بالنسبة للاستثمار.

بكلمات أخرى، بقدر ما ينجح الرأسماليون في تحقيق التراكم، بقدر ما يزداد الضغط على مستوى النظام الرأسمالى، نحو انخفاض معدل الربح.

ومن الهام ملاحظة أن هذه الرؤية بكاملها تقوم على فهم أن ما هو جيد بالنسبة للرأسمالى الفرد، سيئ بالنسبة للنظام الرأسمالى ككل. يستثمر الرأسمالى الفرد لأنه يستطيع التفوق على منافسيه والاستحواذ على بعض الأرباح التي حصلوا عليها من قبل بزيادة التكنولوجيا المتقدمة والتي توفر العمل. ولكن لو فعل كل الرأسماليين ذلك، ينخفض إجمالى معدل الربح حتى يصيبهم جميعا. وهذا بدوره يزيد من الضغط التنافسى على كل منهم ويدفعهم إلى زيادة الاستثمار في التكنولوجيا التي توفر العمل وإلى انخفاض أكثر لمعدلات الربح على مستوى النظام.

ويدعى بعض الاقتصاديين أن ماركس لابد أن يكون مخطئا حول ميل معدل الربح للانخفاض، لان أي رأسمالي لن يقوم بالاستثمار إذا كان ذلك سيخفض أرباحه. كانت هذه هى الرؤية التي قدمها الاقتصادى اليابانى “أوكيشيو” وتبناها الكثيرون ممن كان ممكنا أن يشكلوا الجناح اليسارى من ناقدى الماركسية، مثل “جان ستيدمان”، في السبعينات والثمانينات. ولكن هذه الرؤية محض هراء، لأنها لا تفهم أن الرأسمالى الفرد يمكن أن يفعل أشياء لزيادة أرباحه الخاصة بينما يقوم في نفس الوقت، عن غير عمد، بتخفيض ربحية النظام ككل.

إن الاشتراكيين الذين تبنوا آراء “أوكيشيو” و”ستيدمان” انتهى بهم الأمر إلى موقف غريب في السبعينات والثمانينات بالإدعاء بعدم وجود ضغط يدفع معدلات الربح نحو الانخفاض، وعدم وجود سبب لأن تصبح الأزمة أشد صعوبة في تجاوزها. ومع ذلك في هذه السنوات انخفضت معدلات الأرباح بشكل أقل من تلك التي شهدتها عقود سابقة، وهزت فيها ثلاث أزمات النظام عالميا.

2) تزايد الاستغلال

 إن ميل معدلات الربح نحو الانخفاض، لا يعنى أن ذلك يحدث دائما، كما أن قانون الجاذبية لا يمنع بعض الأجسام (مثل الصواريخ والطائرات) من الصعود لأعلى، بل إن هذا الميل يعمل كضاغط على الأرباح نحو الانخفاض بينما يبحث الرأسماليون عن وسائل لتعويقه.

إن أكثر الوسائل وضوحا بالنسبة لهم للرد على هذا الضغط على الأرباح هو جعل العمال يعملون أشد ولمدة أطول مقابل أجور أقل. وصف ماركس ذلك بأن الرأسماليين يحاولون “زيادة معدل الاستغلال”. وقال أنهم يحاولون ذلك بثلاث طرق:

أ) فائض القيمة المطلق

أولا، يمكن أن يجبر الرأسمالى العمال على الكد لمدة أطول دون زيادة أجورهم بنفس النسبة. فتكون النتيجة أن عدد الساعات “الزائدة” التي يقدمها العامل للرأسماليين يزداد “بشكل مطلق” ـلهذا السبب سمى ذلك ماركس بزيادة فائض القيمة المطلق.

هذه الطريقة لدفع الأرباح إلى أعلى كانت منتشرة جداً في الأيام الأولى للرأسمالية الصناعية، ويقدم كتاب رأس المال لماركس أمثلة كثيرة على ذلك. على أي حال، فلحقبة طويلة من القرن الحالي، بدا أن ذلك قد عفي عليه الزمن. ففي البلاد الصناعية المتقدمة على الأقل أجبرت مقاومة العمال الرأسماليين على قبول أسبوع عمل أقل وإجازات مدفوعة الأجر. وأصبح أسبوع العمل المكون من 72 ساعة في العصر الفيكتوري أسبوعا من 48 ساعة ثم تحول إلى 44 ساعة. وخلال الأزمة الاقتصادية في أوائل الثلاثينات ذهب الكونجرس الأمريكى أبعد من ذلك بالتصويت على مشروع كان مقدرا أن يؤدى إلى تخفيض أسبوع العمل إلى 30 ساعة. وبرغم أن ذلك المشروع رفض أخيرا بعد معارضة الشركات الكبيرة، كانت الفكرة الرائجة هى أن المستقبل سيشهد عمالا يتمتعون بكميات اكبر من وقت الفراغ.

وكما يقول هونيكت في دراسة عن ساعات العمل في الولايات المتحدة، كانت هناك تنبؤات واثقة أن:

ساعات العمل سوف تستمر في الانخفاض كما حدث لأكثر من مائة عام، وأنه قبل أن ينتهى هذا القرن، سيكون مطلوبا من العامل المتوسط أقل من 660 ساعة سنويا ـأى أقل من 14 ساعة أسبوعيا”.

ولكن “في الواقع وصلت حركة القرن طويلة المدى (لتخفيض عدد ساعات العمل) إلى نقطة تحولها في عام 1933، وانعكست العملية فجأة، مع تزايد عدد ساعات العمل لعشر سنوات”.

ففي مرحلة الأربعينات، استقرت ساعات العمل في أمريكا على مستوى جديد أعلى. ولكن بعد ذلك ومع مرحلة جديدة من الأزمة الاقتصادية بعد 1973 ازدادت مرة أخرى، كما يقول هونيكوت أيضا:

قامت منظمة لويس هاريس بسلسلة من البحوث على مدى الـ 15 سنة الماضية حول متوسط أسبوع العمل في الولايات المتحدة. ووجدت أن متوسط أسبوع العمل قد زاد بنسبة 20% من 6ر40 ساعة في 1973 إلى 4ر48 ساعة في 1985.

وفي بريطانيا ازداد متوسط أسبوع العمل عنه في 1983، حيث يعمل العامل المتوسط من الذكور لمدة 1ر45 ساعة أسبوعيا شاملة الوقت الإضافي. وفي اليابان انخفض متوسط ساعات العمل في السنة حتى منتصف السبعينات، ولكنها استقرت بعد ذلك. وفي وسط أوروبا الغربية استمر اتجاه ساعات العمل للانخفاض حتى بداية الركود في التسعينات. ولكن منذ ذلك الوقت يمارس أصحاب العمل ضغطا متزايدا لعكس هذا الاتجاه، ويدعون أن هذه الساعات تجعل الشركات الأوروبية أقل قدرة على المنافسة بالمقارنة مع اليابان والولايات المتحدة. وتطلب ذلك إضراب نقابة عمال المعادن في ألمانيا لمنع أصحاب العمل من التراجع عن وعودهم في تطبيق أسبوع العمل المكون من 35 ساعة.

ب) “فائض القيمة النسبى”

ثانيا، يمكن أن يضغط الرأسماليون على العمال لزيادة كثافة العمل. أوضح ماركس أنه بمجرد أن يجد الرأسماليون أنهم لن يستطيعوا زيادة أسبوع العمل أكثر من ذلك في منتصف القرن التاسع عشر، سيتحولون لإجبار العمال على “زيادة إنفاق العمل في وقت محدد، وزيادة توتر قوة العمل وإحكام شغل الفراغات في يوم العمل..”.

وأصبح السباق نحو زيادة الإنتاجية وسواساً بالنسبة للشركات الكبيرة، كما اتضح من التوجه نحو”الإدارة العلمية” التي أسسها الأمريكى تايلور في تسعينات القرن التاسع عشر. كان تايلور يعتقد أن كل وظيفة تؤدى في الصناعة يمكن تقسيمها إلى مكونات جزئية وتوقيتها، حتى يتم تعيين الحد الأقصى لما يستطيع العامل إنجازه. بهذه الطريقة، اصبح ممكنا تقليل أى انقطاع في إيقاع العمل، بإدعاء تايلور أنه يمكن زيادة كمية العمل المبذول يوميا زيادة مقدارها 200%.

وجدت التايلورية التعبير الكامل عنها مع إدخال خط التجميع في مصانع سيارات هنرى فورد. إن السرعة التي يعمل بها الناس الآن اعتمدت على السرعة التي يتحرك بها الخط، بدلا من مبادرتهم الفردية. في صناعات أخرى، تحقق نفس الضغط على الناس للعمل بأقصى سرعة عبر زيادة خضوعهم للرؤساء، مثلا بتركيب آلات العد الميكانيكية على الآلات لتعلن معدلات العمل المنجزة. واليوم، يتم تجريب نفس المنهج في مختلف وظائف عمال الياقات البيضاء مع زيادة استخدام الحساب، ومحاولات ربط الأجر بالناتج، واستخدام عداد الضربات على مفاتيح الكمبيوتر، وهكذا.

إن زيادة شدة العمل لها ثلاث ميزات بالنسبة للرأسماليين:

الأول، أن من يزيد شدة العمل لعماله يكون قادرا على الإنتاج أكثر في نفس الوقت من منافسيه وهكذا يغرقهم في السوق. ولكنه يفقد هذه الميزة بمجرد أن ينسخ الرأسماليون الآخرون طريقته ويزيدون من إنتاجية عمالهم. لهذا السبب فإن السباق نحو زيادة الإنتاجية لا ينتهي، فكل ما يفعله هو إيقاع العمال في مختلف الشركات في فخ معركة عبثية لا تنتهى من العمل الشاق أكثر من بعضهم البعض.

ولكن المكسب الثانى للرأسماليين أكثر دواما، فزيادة الإنتاجية تعنى أن العمال ينتجون ما يعادل وسائل معيشتهم في وقت أقل من ذى قبل. هكذا فبدلا من قضاء، مثلا، أربع ساعات لإنتاج السلع الضرورية لتجديد قدرتهم على العمل (أى قوة عملهم)، فيمكنهم أن يفعلوا ذلك في ثلاث ساعات أو حتى ساعتين. وإذا استمر يوم العمل بنفس الطول، فسوف يزداد الجزء الذي يذهب إلى الرأسمالى كفائض قيمة. وبالتالي يزداد فائض القيمة بالنسبة لقوة العمل، برغم أن يوم العمل الكلى يظل ثابتاً. لهذا السبب، أطلق ماركس على هذه الظاهرة “زيادة فائض القيمة النسبى”.

إن زيادة كثافة الإنتاج لها ميزة ثالثة بالنسبة للرأسماليين، خاصة في أوقات التغير التكنولوجى السريع، فهى تمكنهم من الحصول على عمل أكثر من آلاتهم قبل أن تصبح قديمة. ويكون ذلك مفيدا بشكل خاص بالنسبة  لهم إذا ربطوا بين زيادة كثافة العمل ونظام الوردية ومرونة العمل الذي يمكنهم من إدارة الماكينات طوال ساعات اليوم وكل أيام الأسبوع.

وقد وصلت أهمية زيادة كثافة العمل لدرجة أن الرأسماليين، أحيانا، يكونون على استعداد للمساومة والقبول بتقصير يوم العمل في مقابل زيادة الإنتاجية. لاحظ ماركس:

أينما نجد عملا، لا يجرى بشكل منتظم، ولكنه يتكرر يوما بعد يوم بانتظام لا يتوقف، سنتوصل حتما إلى نقطة حيث ينفي كل من طول يوم العمل وكثافة العمل بعضهم البعض، بطريقة تجعل تطويل يوم العمل ملائما فقط مع كثافة أقل، وتتلائم درجة أعلى من الكثافة فقط مع يوم عمل أقصر.

ومن جانب الرأسماليين أدرك تايلور ذلك بوضوح. وطبق أحد نظرياته لزيادة كثافة العمل على مجموعة من عاملات الفحص. وكن يعملن لمدة عشر ساعات ونصف، ولكنه لاحظ أنهن يقضين بعض الوقت في الحديث مع بعضهن البعض. فخفض يوم العمل ساعتين وأبعد المقاعد فيما بينهن بحيث لا يستطعن الحديث. وأدى ذلك إلى زيادة هائلة في إنتاجيتهن، برغم أن ذلك أرهقهن كثيرا لدرجة أن انتباههن للعمل قد انخفض. فما كان من تايلور إلا أنه منحهن أربع راحات لمدة عشر دقائق في كل مرة أتاحت لهن الفرصة للتمشية والحديث إلى بعضهن، فاستعدن انتباههن للعمل.

وبطريقة مماثلة بمعنى ما، حاول هنرى فورد، علاوة على العمل بأقصى حد، التمسك بأن يكون لعماله فترات محددة من “وقت الفراغ” ـوحاول الإشراف عليها حتى لا يقضيها العمال في أشياء مثل شرب الخمور التي تضعف قدرتهم على العمل.

ومازال نفس هذا الاتجاه يسيطر في بعض الشركات اليوم. ووفقا لما جاء في تقرير عن اليابان نُشرته جريدة الفايننشال تايمز: “إن كثير من الشركات منعت الساعات الإضافية… أعلنت شركة اوكى الكهربائية لصناعة الآلات أنه سوف يتم تقييم باحثيها على أساس نتائج البحث بدلا من عدد ساعات العمل”. وتستطرد فتشير أنه في بريطانيا أيضا، يوجد “قلق حول العمل الزائد” حيث “أدرك الكثير من المديرين، مثلا، أنه ما لم يسمح للموظفين بالإجازات وممارسة الحياة خارج العمل سيعجزون عن العمل بكفاءة”.

في الواقع، هذا الحديث عن أسبوع عمل اقصر في مقابل زيادة كثافة العمل نادرا ما يترجم إلى واقع في هذه الأيام. ففي اليابان استمرت ساعات العمل في السنة 2100 ساعة لأكثر من عشر سنوات، حيث يعمل واحد من كل ستة عمال ذكور لمدة تزيد عن 3100 ساعة سنويا. وفي بريطانيا لا زال المديرون يفضلون الضغط على العمال للعمل ساعات أطول عوضا عن استخدام عمال جدد.هكذا يعمل العامل اليدوى المتوسط وقتا إضافيا لمدة 9 ساعات أسبوعيا، بينما يبذل المديرون في قطاعات مثل التعليم العالى قصارى جهدهم لتطبيق أسبوع عمل أطول وإجازات أقل على الموظفين. وفي ألمانيا يبذل أصحاب العمل، بعد فشل محاولاتهم لتحطيم اتفاقية أسبوع العمل المكون من 35 ساعة، الآن قصارى جهدهم لإجبار العمال على قبول العمل يوم الأحد. وكما ذكر راينر هوفمان، من اتحاد النقابات الأوروبى، لجريدة الفايننشال تايمز “إن الهم الأساسى لأصحاب العمل الأوروبيين هو تخفيض تكلفة وحدة العمل إلى الحد الأدنى لصالح القدرة التنافسية”. ويعنى ذلك محاولة إجبار العمال على قبول أنماط عمل أكثر “مرونة”، مع زيادة عمل الوردية، والعمل أكثر في الإجازات الأسبوعية، وقبول أنظمة ساعات العمل السنوية، والذي يجبر العمال على أسبوع عمل أطول من المعتاد.

غير أن هناك سبب بسيط يفسر لنا لماذا يكون الاتجاه اليوم مرة أخرى نحو زيادة وليس تخفيض ساعات العمل؟ فقد أشار ماركس في رأس المال إلي أن هناك حدود للمدى الذي يمكن لزيادة كثافة العمل أن تعوض الضغط على معدلات الربح، خاصة إن هذه الضغوط تنشأ لأن الكمية الكلية من قوة العمل الموظفة على مستوى النظام لا تزداد بنفس سرعة الاستثمارـبل إن، من الممكن فعليا أن تبدأ في الانخفاض بشكل مطلق، فمهما تم إجبار العمال على عمل أشد، فإن مجموعة صغيرة من العمال لا يمكنها أن تنتج فائض قيمة بالقدر الذي تنتجه مجموعة كبيرة.

ويبين ذلك مثال بسيط، نفترض، أن هناك مليون عامل يعمل كل منهم 8 ساعات يوميا، تكفي أربع ساعات منها لتعويض صاحب العمل عن تكلفة أجورهم. سوف تحصل الطبقة الرأسمالية منهم على ما يعادل 4 مليون ساعة من فائض القيمة يوميا.

ولكن ماذا سيحدث لو تم تخفيض قوة العمل إلى 000ر100 عامل كنتيجة لإدخال تكنولوجيا  حديثة تزيد الإنتاجية عشر مرات؟

يستطيع العمال الآن تغطية تكلفة أجورهم في عُشر الأربع ساعاتـأى 24 دقيقة. ويحصل أصحاب العمل على 7 ساعات و36 دقيقة فائض قيمة من كل عامل. ولكن إجمالى فائض القيمة من قوة العمل ككل لا يزداد. وفي الواقع، ينخفض من 4× 000ر1000 = 4 مليون ساعة، إلى 000ر100 ×7 ساعات و36 دقيقة = 760000 ساعة. وحتى لو ازداد الضغط أكثر على العمال بزيادة شدة العمل إلى الضعف، ستزاد كمية العمل الزائد التي يقدمها كل عامل فقط بـ 12 دقيقة إضافية لكل عاملـأو فقط 12 دقيقة × 000ر100= 20000 ساعة لهم جميعا.

بهذه الطريقة، يدرك الرأسماليون أخيرا أن هناك حدود لقدرتهم على تعويض انخفاض معدل الربح عبر زيادة إنتاجية عمالهم. وعندما يحدث ذلك، سوف يزداد لديهم إغراء محاولة زيادة ساعات العمل. وفي مثالنا، فإن كل ساعة إضافية يمكن إجبار العامل على تقديمها دون زيادة في الأجر تضيف 000ر100 ساعة إلى فائض القيمة ـأى خمسة أضعاف ما يقدموه من مضاعفة شدة العمل.

بالطبع، في الممارسة نادرا ما يستطيع الرأسماليون إجبار العمال على العمل لساعات أطول دون تقديم أى شيء في المقابل. وعادة ما يدفعون مقابلا للوقت الإضافي. ولكن غالبا ما يعتبرونها في صالحهم، لأن كثير من العمال سوف يتأقلمون مع أسعار الساعات، ما دام هناك وقتا إضافيا كافيا يمكنهم من معادلة النتيجة.

جـ) “الإفقار” (تزايد البؤس)

الوسيلة الثالثة بالنسبة للرأسماليين لمحاولة رفع مستويات الأرباح هى التخفيض المباشر للأجورـأو كما وضعها ماركس “الإفقار المطلق للعمال”. ولأن ماركس استخدم هذه العبارة فقد ظهرت الكثير من الهجمات المباشرة على تحليلاته الاقتصادية منطلقة من الادعاء بأن ماركس أكد أن العمال دائما سيزدادون فقرا في ظل الرأسمالية. وهذا هو السبب، مثلا، الذي يطرحه وليام كيجن، المحلل الاقتصادى في صحيفة الاوبزيرفر، لنبذ أفكار ماركس في كتابه “شبح الرأسمالية”.

ولكن ماركس لا يدعى أن الأجور تنخفض دائما في ظل الرأسمالية. لقد كان يعيش في إنجلترا في الربع الثالث من القرن التاسع عشر حيث رأى أن ذلك قطعا لا يحدث. وقد رفض بوضوح نظرية “القانون الحديدى للأجور” للقائد الاشتراكى الألمانى لاسال، الذي اعتبر أن الأجور لا يمكن أن ترتفع أبدا. ولكنه رأي أن الرأسماليين سيحاولون تعويض الضغط على معدلات الربح نحو الانخفاض بتخفيض الجزء من الناتج الذي يذهب للأجور.

عندما كان الناتج الإجمالى في تزايد، كان ذلك مناسبا تماما لزيادة محدودة في مستوى معيشة العمال. ومن الممكن أن يحدث “بؤس نسبى” عندما ينخفض نصيب العمال من الناتج، دون أن تسوء أحوال العمال أنفسهم.

وفي الممارسة، يحاول الرأسماليون دائما دفع عمالهم إلى زيادة الإنتاج في مقابل تحسينات محدودة في الأجور. لذا شهد العمال في البلاد الأوروبية الرئيسية في السبعينات والثمانينات تحسنا طفيفا في مستويات معيشتهم حتى خلال فترة من الأزمات. ولكنهم دفعوا ثمن هذا التحسن عبر زيادة العمل في الوردية، وزيادة التوتر.

وعلى سبيل المثال، ذكرت دراسة أجريت في 1978 عن الرجال ممن بلغوا 26 سنة في بريطانيا أن 38% منهم يشعرون أنهم تحت ضغط عصبى حاد في العمل، وأعلنت دراسة في 1982 أن 19% من الرجال و 23% من النساء في الأعمال غير الماهرة ومتوسطة المهارة “يعانون من التوتر العاطفي” وكشفت دراسة في الثمانينات أن “عمال الآلات” “يفرزون معدلات عالية من مادة الأدرينالين أثناء ساعات الراحة.. ويشكو العمال من عدم قدرتهم على الهدوء بعد عمل طوال اليوم”. بالإضافة إلى أنهم أشاروا إلي “التعب الشديد الذي يجعلهم عاجزين عن التفاعل مع زوجاتهم وأطفالهم بعد العمل طول اليوم”.

ويبدو أن الصورة تزداد سوءا، فتبين الأبحاث التي قامت بها النقابات السويدية أن نسبة العمال الذين يشعرون أن أعمالهم تتضمن “درجة عالية من التوتر أو الضغط الذهني” ازدادت من 9% في 1970 إلى 15% في 1980، بينما الأعداد التي تشكو من “التوتر إلى حد ما” ارتفعت من 22% إلى 37%، ومعظمهم يلقون باللوم على “تسارع إيقاع العمل”. وقد كشف المعهد السويدى للدراسات الاجتماعية عن “الزيادة المستمرة في نسبة السكان الذين يعانون من شروط عمل شاقة”. وبينت دراسات يابانية أنه بدلا من تخفيض أعباء العمل، أدت الزيادة في استخدام الآلات وتكنولوجيا الإلكترونيات إلى زيادة الوقت الإضافي، ومنح إجازات أقل، وتوتر ذهنى اكبر في المصانع وفي مواقع الإنتاج. وفي بريطانيا بيّن أحدث الأبحاث [أجريَ عن الملايين]، قام به العالم النفسى ديفيد لويس، أن “عمال المكاتب يعملون في ظل إجهاد شديد ويقتربون من نموذج أسبوع العمل اليابانى المكون من 12 ساعة يوميا والعمل المسائى، حيث “يعمل عمال المكاتب أشد من ذى قبل مع انخفاض وقت الراحة إلى 20 دقيقة”.

عند نقطة معينة يمكن أن ييأس الرأسماليون من زيادة أرباحهم بالقدر الكافي فقط من خلال تخفيض القسم من الناتج الذي يخص العمال ويبدأون في اتباع سياسة محاولة تخفيض الأجور بشكل مطلق. ويحدث ذلك في الولايات المتحدة على مدى الـ 20 عاما الماضية. فقد انخفض متوسط الأجور، حيث فرض أصحاب العمل على النقابات “تنازلات” تضمنت تخفيضا للأجور واتبعوا استراتيجية “الهروب” بنقل المصانع من مناطق النقابات القوية إلى مناطق تضعف فيها النقابات، وتخفيض الأجور إلى حوالى النصف في هذه العملية.

وتتم الآن محاولات لتكرار هذه العملية في بريطانيا، مع استخدام “مقاولات الباطن” لإجبار العمال على قبول أجور أقل للحفاظ على وظائفهم في مجالات مثل النظافة، والخدمة، وقطاعات من الخدمة المدنية.. الخ. وعندما تفشل هذه الوسائل، تهدد الشركات بنقل الإنتاج عبر البحار، إلى بلاد يكون فيها العمال أقل تنظيما وأقل أجورا.

إن الميول نحو “زيادة فائض القيمة المطلق” و “فائض القيمة النسبى” و”زيادة البؤس” ليست قوانين للاقتصاد الرأسمالى، حيث إنها ليست اتجاهات هيكلية لا يمكن مقاومتها. ولكنها وسائل يلجأ إليها الرأسماليون عندما تتعرض معدلات الربح للضغط. وهى أيضا وسائل تثير المقاومة العمالية بدرجات متفاوتة، مؤدية إلى تأكيد العداء في المجتمع وتزيد من احتمالات الصراعات الطبقية الواسعة.

3) بشاعة لا توصف

يحاول الرأسماليون زيادة معدل الاستغلال لتعويض الانخفاض في معدل الربح ولحماية أنفسهم من الأزمة.

وتنطلق أحد المبادئ الأساسية لنموذج النقديين من مدرسة النيوكلاسيك الاقتصادية من أنه من الممكن تجنب الأزمة لو نجح الرأسماليون في عمل ذلك. وتتمسك بأنه، إذا انخفضت الأجور بما يكفي، سيؤدى ذلك إلى نقطة فيها تنخفض “التكاليف الحدية للإنتاج عن الأسعار وسوف تحافظ على الربحية”. وعندئذ سيبدأ الرأسماليون الاستثمار من جديد وسيزداد سوق السلع حتى يحدث التوظف الكامل. إن مفتاح حل الأزمة، كما تصر هذه المدرسة، هو كسر “الاحتكارات النقابية” للعمل والتي تمنع انخفاض الأجور.

ولكن مجمل تاريخ الرأسمالية يبين أن زيادة معدل الاستغلال بهذه الطريقة لا يخفف من الأزمات. فقد حدثت نفس الأزمات بنفس الحجم تماما في بلاد فيها نقابات ضعيفة أو لا توجد بها على الإطلاق، كما حدثت في البلاد التي توجد بها نقابات قوية، ففي أوائل الثلاثينات علي سبيل المثال لم يحقق ضعف النقابات الأمريكية والبريطانية والانعدام الفعلى للنقابات في إيطاليا الفاشية هجوم الأزمة. ولم يمنع إضعاف النقابات في بريطانيا والولايات المتحدة في ظل تاتشر وريجان في الثمانينات والتسعينات أن تصبح الأزمة أشد عمقا منها في الأربعينات والخمسينات والستينات عندما كانت النقابات أقوى بكثير.

ولقد كانت أحد النقاط القوية لدى الاقتصاديين الكينزيين في الثلاثينات والأربعينات ضد الأفكار القديمة هى أن تخفيض الأجور من الممكن فعلا أن يزيد عمق الأزمة، وليس أن ينهيها. وليس خافيا على أحد أن البطالة تزداد مع هجوم الأزمة لأن الشركات لا تستطيع بيع السلع التي تنتجها. وتخفيض الأجور يقلل إجمالى سوق السلع الاستهلاكية، ويعنى بالتالى أن عددا أقل من البضائع يمكن بيعه. إذن فالأثر المباشر لتخفيض الأجورـأو لزيادة الإنتاجية دون زيادة الأجورـهو اتساع الفجوة بين ما يتم إنتاجه وما يمكن أن يشترى. إنه تعميق للأزمة.

وطبعا، لا يهم ذلك لو ازداد الاستثمار أوتوماتيكيا للتعويض عن أى انخفاض في الاستهلاك نتيجة لتخفيض الأجور. وبالتالي سوف يعوض الطلب على المبانى الصناعية الجديدة والآلات، الانخفاض في الطلب على السلع الاستهلاكية. ولكن لا يوجد ميكانيزم يؤكد أن الانخفاض في الاستهلاك يعوض تلقائيا بزيادة في الاستثمار. وبالفعل، إذا توقعت الشركات انخفاض الاستهلاك، فمن المحتمل أن يخافوا من انكماش سوق منتجاتهم فيخفضون استثماراتهم لتجنب التوصل في النهاية إلى امتلاك مصانع قادرة على إنتاج بضائع أكثر بكثير مما يستطيعون بيعه.

ولم يستطع الكلاسيكيون الجدد، الأرثوذكس، أبدا الرد على انتقادات الكينزيين العنيفة لموقفهم. وكل ما فعلوه حتى الآن هو التأكيد على أن، الأزمات لو لم تحل نفسها، فإن السبب في ذلك هو أن مقاومة العمال لانخفاض الأجور لم يتم تحطيمها بالقدر الكافي.

ولكن دائما ما نجد أوجه قصور أيضا في الرؤية الكينزية ـذلك القصور الذي يعتري أيضا رؤية بعض الماركسيين المتأثرين بالكينزية، أمثال الأمريكيين بول باران وبول سويزى، وذلك لأنهم لم يستطيعوا تفسير لماذا يجب أن يظل الاستثمار منخفضا للدرجة التي يؤدى فيها إلى أزمات أعمق وفترات رخاء أقل. ويرجع هذا إلى قبول الكينزيين للكثير من أفكار النيوكلاسيك العقائديين ولذا لم يتمكنوا من إدراك الوجود الحتمى للضغط طويل المدى على الأرباح نحو الانخفاض والذي لا يمكن إيقافه عبر تخفيض الأجور لذلك تحدث كينز نفسه عن انخفاض فيما اسماه ” الكفاءة الحدية لرأس المال” وتوقع أن يستمر ذلك في المستقبل. غير أن معظم اتباعه تخلوا عن هذه الفكرة وبنوا أفكارهم على فقرات من كتاباته التي ترجع الأزمة إلى الحالة النفسية لرجال الأعمال بدلا من وجود اتجاه هيكلى ما في النظام الرأسمالى. تدعى هذه الفقرات أنه، لو أن الشركات قامت باستثمارات، يكون ذلك بسبب ” الروح الحيوانية ـبسبب الحافز العفوى للفعل بدلا من الخمول”. ولكن، لو خمدت الروح الحيوانية وتراجع التفاؤل العشوائى… ستضعف المؤسسة وتموت، لدرجة أن “تتفاقم درجة الأزمات والانتكاسات”.

هكذا ادعى الكينزيون أن الميل نحو الأزمات يمكن إيقافه عبر التدخل الحكومى المحدود في الاقتصاد بهدف خلق شعور بالتفاؤل حول احتمالات المستقبل بين أولئك الذين يديرون الشركات الكبيرة. وجادلوا بأنه في ظل الأزمة، يجب أن تنفق الحكومة الأموال لتحبط عمليات تخفيض الأجور. بهذه الطريقة، سوف تخلق سوقا للسلع، وتسمح للشركات بزيادة إنتاجها ويتم تشجيع الاستثمار عبر جعل الأمور تبدو وكأن الأسواق ستنمو أكثر فأكثر. وهو ما سيسمح حسب رأيهم، بزيادة الثروة الناتجة عن انتعاش الاقتصاد من الأزمة بزيادة في كل من دخول الطبقة العاملة والأرباح.

سيطرت الأفكار الكينزية على الفكر الاقتصادى السائد خلال الربع القرن الذي تلي أزمة الثلاثينات كما رأينا. ولكنها فقدت تأثيرها مع أزمة منتصف السبعينات، فقد فشلت الدرجة العالية من التدخل الحكومى في الاقتصاديات الرئيسية في إيقاف الأزمة وبدا أن النتيجة الوحيدة هى تفضيل مستوى عالى من التضخم على زيادة معدلات البطالة. وتراجعت الحكومات ورجال الأعمال في كل مكان تقريبا إلى الأفكار القديمة التي تؤكد علي أن حل الأزمة يكمن في الربط بين القوانين المعادية للنقابات وتزايد البطالة لتخفيض الأجور.

بيد أن الاقتصاديين المتأثرين بالكينزية، مثل جالبريث في الولايات المتحدة وويليام كيجان وويل هوتون وبول آورميرود في بريطانيا، استطاعوا الكشف عن ثغرات هائلة في هذه العقيدة الجديدة. ومع ذلك، فهم يستطيعوا الإِشارة إلى أى طريق أكيد للتخلص من تزايد حدة الأزمة. والعلاج الذي يقدمونه لانخفاض الاستثمار يتمثل في حث بريطانيا وأمريكا على نسخ وسائل الاقتصاد الألمانى واليابانىـبرغم أن نفس هذه الاقتصاديات تمر بأزمات حادة، وتريدها بديلا عن ترك الأمور ببساطة إلى السوق لتزيد من بؤس العمال.

لكن كينز كان محقا في مسألة واحدة، فتخفيض الاستهلاك من المحتمل أن يزيد من تأثير أى أزمة. لأنه يعنى زيادة عدم التوازن بين القدرة الإنتاجية للاقتصاد وبين مستويات استهلاك الجماهير. وسيتطلب ذلك أن يسد الاستثمار فجوة هائلة إذا كان لكل البضائع التي يتم إنتاجها أن تباع. وفي حالة عدم القدرة على بيعها، فإن احتمال وجود “فائض في الإنتاج” سيتعاظم.

وإذا لم تكن معدلات الأرباح مرتفعة بما يكفي لتشجيع ذلك الاستثمار، ستحدث إذن أزمة عميقة. سيجد الرأسماليون أنفسهم في معضلة كبيرة. فلو زادوا استغلالهم للعمال لزيادة الاستغلال لتوسيع سوق السلع الاستهلاكية، ستنخفض معدلات الأرباح ولن يزداد الاستثمار بما يكفي لإيقاف تطور الأزمة على الرغم من ذلك.

وينشأ هذا التخبط بسبب تقدم التراكم إلى ذلك المستوى حيث يوجد تناقض هائل بين حجم الإنتاج وحجم قوة العمل. ويعبر ذلك عن نفسه من خلال عدم قدرة قوة العمل على إنتاج أرباح كافية لتتناسب مع مستوى الاستثمار المطلوب، بما يؤدى إلى رفض الرأسماليين للاستثمار وعجز الشركات عن بيع منتجاتها.

في مجتمع عقلانى لن تكون هناك مشكلة من هذا النوع، وذلك لوجود حاجة مطلقة للسلع التي يتم إنتاجها، حيث أن أولويات المجتمع هى تلبية حاجات الجماهير. ولكن القوة الدافعة للنظام الحالى ليست تلبية حاجات الجماهير. فأولئك الذين يسيطرون على رأس المال يتصرفون بطريقتهم هذه من أجل زيادة أرباحهم، وزيادة ما يمتلكونه من رأس المال.

4) كيف يستمر النظام في الحياة

يفترض علم الاقتصاد التقليدى أن الرأسمالية ستبقى إلى الأبد، ويعتبر الأزمات حادثة تقع في بعض الأحيان. وعلى النقيض، يبين تحليل ماركس أن الأزمات الحادة مرض مزمن في النظام. ولكن هذا لا يعنى أن الرأسمالية تنهار ببساطة من تلقاء ذاتها، أو أن الأزمات تستمر للأبد. شهد النظام في 125 سنة منذ انهى ماركس كتابه رأس المال، فترات رخاء ـبعضها  استمر لفترة طويلة جداً  من الوقتـكما شهد الأزمات، ووجدت فترات تحسنت  فيها مستويات معيشة العمال، كما وجدت فترات تحولت إلى الأسوأ.

والأكثر من ذلك، توسع النظام بشكل هائل على المدى الطويل، عندما بدأ ماركس أبحاثه في أربعينات القرن التاسع عشر، كانت الرأسمالية الصناعية تميز فقط شمال إنجلترا، وأجزاء من بلجيكا والساحل الشمالى الشرقى في الولايات المتحدة، مع مواقع صغيرة في فرنسا وألمانيا. وبحلول يوم وفاته في ثمانينات القرن التاسع عشر، كانت الرأسمالية سائدة في أوروبا الغربية تماما وفي عموم أمريكا الشمالية، وكانت تتقدم بخطواتها الأولى في اليابان. واليوم، تسيطر الرأسمالية على كل بلاد العالم. اليوم، يعادل إجمالى الناتج الاقتصادى العالمى أربعة أو خمسة أضعاف ما كان عليه في 1945، و20 أو 30 ضعف ما كان عليه في أربعينات القرن التاسع عشر.

لو تحدث تحليل ماركس للرأسمالية ببساطة عن ركود النظام الرأسمالى أو تدهوره، لكان من الممكن بوضوح أن يكون مخطئا تماما مثل تلك المدارس الاقتصادية الأرثوذكسية التي تحدثت فقط عن التوسع في النظام.

ولكن في الواقع، أكد ماركس على أنه مع اتجاه معدل الربح نحو الانخفاض توجد أيضا “عوامل تعويق” معينة.

فماذا كانت عوامل التعويق هذه؟ بعض هذه العوامل، بحثناها بالفعل، أي الإجراءات المختلفة التي يأخذها الرأسماليون لزيادة معدل الاستغلال وبالتالى يرفعون معدلات الربح. ولكن هذه الإجراءات في حد ذاتها لا يمكنها إيقاف الأزمة. ولا يمكنها أيضا إيقاف الاتجاه طويل المدى لتدهور معدلات الربح، لأنه، كما رأينا أيضا، الاستغلال الكثيف لعدد قليل من العمال لا يمكن أن ينتج فائض قيمة بنفس الحجم الذي تنتجه مجموعة اكبر من العمال تستغل بكثافة أقل.

هناك عامل آخر ساعد على زيادة معدلات الأرباح في عصر ماركس هو التجارة الخارجية. في ذلك الوقت كانت الاقتصاديات الرأسمالية الكاملة محاطة بمجتمعات ما قبل رأسمالية اكبر منها كثيرا في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية وأوروبا الشرقية. واستطاع الرأسماليون استخدام أبشع الوسائل (نهب الهند، نقل الملايين من العبيد من أفريقيا إلى الأمريكتين، إجبار الصينيين  على شراء الأفيون، احتلال مصر) لإحكام القبضة على ثروات هذه المجتمعات وبالتالي  زيادة أرباحهم الخاصة.

غير أن هذه الطريقة لا تصلح لوقت طويل اليوم. الآن والعالم بكامله رأسمالي يستطيع رأسماليو بلد معين تحسين موقفهم عبر إجبار حكام بلاد أخرى على بيع بضائعهم بأثمان رخيصة ـ مثل بترول الشرق الأوسط في الستينات وأوائل السبعينات، ولكن ذلك يؤدي إلى إعادة توزيع الأرباح بين البلدان الرأسمالية، وليس زيادة الأرباح على مستوى العالم الرأسمالي ككل.

عامل التعويق الثالث كان بالنسبة لماركس ذا أهمية حيوية، ويظل هكذا اليوم، وذلك هي الطريقة التي يكون بها لكل أزمة منفردة أثراً على الاتجاهات طويلة المدى داخل النظام.

إن الأزمات مؤذية جداً بالنسبة للرأسمالية. فهى تخلق ذعرا واسعا في أوساط الطبقة الحاكمة والبؤس الشديد بين جماهير الناس. ولكنها أيضا لها ميزات بالنسبة للرأسماليين الأفراد الذين يستطيعون تجنب الإفلاس. لأنهم يجدون بإمكانهم شراء أصول الرأسماليين الآخرين بسعر  رخيص ويستطيعون استغلال ارتفاع مستويات البطالة لتخفيض الأجور.

هكذا أثناء أزمة وول ستريت الكبرى في 1929 استطاع بعض الرأسماليين التراجع والانتظار حتى انخفضت أسعار الأسهم وبعد ذلك اندفعوا لشراء شركات بكاملها بسعر رخيص. وفي الأزمة الأحدث في أوائل السبعينات انخفضت قيمة مبنى كاناري وورف للتنمية في أقصى شرق لندن، والذي تكلف بناؤه بليون جنيه إسترلينى إلى 60 مليون. كان ذلك مميتاً بالنسبة لملاكه الأصليين، أخوان رايخمان الذين أزيحوا من السوق. ولكنه كان هبة من الله للشركات التي اشترته بسعر المزاد.

تتغلب الشركات الرأسمالية على الأزمة بواسطة الكانيبالية، أي أن يأكل بعضها البعض الأخر، ويستطيع الأحياء أن يستحوذوا على وسائل الإنتاج بسعر أقل بكثير من قيمتها الأولى ويجدون بإمكانهم البدء في توسيع الإنتاج مستخدمين أحدث المصانع والآلات بدون دفع السعر الكامل لها. ويمنع ذلك تزايد تكلفة الاستثمار أسرع كثيراً من إجمالي قوة العمل وتخفيف الضغط على معدلات الربح.

تفرض  الأزمة “إعادة هيكلة” الرأسمالية،  حيث تتنحى جانبا الكثير من الشركات المنفردة وتسمح للباقين بزيادة أرباحها على حساب الأخرى. وبسبب “تدمير” جزء كبير من رأس المال خلال الأزمة، فالأزمة لها ذلك الأثر المتناقض الذي يستعيد معدلات الأرباح والتوسع في الصناعة.

وكما يلاحظ أحد المؤرخين للأزمة الاقتصادية الحديثة، عندما اندفعت الولايات المتحدة بسرعة في الركود في 1884 تأتي الأزمات بتتابع سريع، ارتفعت البطالة وانخفضت الأجور من 25 إلى 30% في النسيج ومن 15 إلى 22% في صناعة الحديد والصلب، ولكن مجموعة شركات كارناجي استطاعت توفير أرباح هائلة خلال فترة الازدهار السابقة ولهذا استطاعت أثناء الكساد شراء المصانع المنافسة لها بسعر رخيص. وكان هناك تحسنا عاماً في المناخ الاقتصادي في أوائل 1886.

وبطريقة مماثلة، واكب الانتعاش من الأزمة في بريطانيا في أوائل تسعينات القرن التاسع عشر موجة من التسابق من خمسة بنوك كبيرة على شراء الشركات (باركليز، لويدز، ميدلاند، ناشيونال بروفيشنال، ويست منيستر) والتي مكنتهم من الاحتكار شبه التام. وتوازنا مع ذلك، تركزت الملكية في صناعة النسيج والتعدين، وتم ترشيد شامل للصناعة، وإدخال تكنولوجيا جديدة في صناعة الأحذية والطباعة، وإغلاق العديد من المصانع الأمر الذي أجبر العمال على قبول أجوراً أقل وشروط عمل أسوأ.

أعاقت الأزمات ميل الاستثمار للارتفاع بمعدلات أسرع كثيرا من قوة العمل خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر. ولكنها لم تقض على هذا الاتجاه تماماً. وحسب أحد التقديرات تضاعف معدل الاستثمار بالنسبة للعمل فيما بين 1880و1912 وحسب تقدير أخر ارتفع بنسبة 25% فيما بين 1900و1918، بينما يرد في تقدير ثالث أن معدلات الاستثمار بالنسبة للناتج ارتفعت من 2.ر2% في 1864 إلى  16ر2% في أعوام 75ـ 1883.

وحسب ما أوضحت دراسة هامة لجلمان، أن معدل الاستثمار بالنسبة للعمل في الولايات المتحدة “يكشف عن اتجاه ثابت إلى حد ما للارتفاع” في تلك الفترة برغم “أنه كان بطيئاً إلى حد ما بالمقارنة مع المثال الافتراضي الذي قدمه  ماركس” كانت النتيجة أنه مع نهاية القرن، كما لاحظ المؤرخ إريك هوبسباوم:

“كل من الاقتصاديات الصناعية الجديدة والقديمة عانت من مشكلات التسويق وهامش الربح ومع تدهور الأرباح الهائلة للصناعيين الأوائل سعى رجال الأعمال بلهفة إلى مخرج من الأزمة”.

شهدت بريطانيا حالة مشابهة في الثمانينات. أدت أزمة 80ـ 1982 إلى ما يشبه إغلاق ثلث القدرة الصناعية، برغم أن الشركات كانت تنتج حوالي نفس الكمية كما كانت من قبل بحلول 1987. غير أن ذلك أبطأ  بقدر كبير من نمو الاستثمار بالمقارنة مع العمل. وكما أوضح المقال الوارد في نشرة لويد بنك والمذكور أنفاً:

“كانت كثافة رأس المال ترتفع، ولكن بمعدلات متدهورة فقد كانت ترتفع بمعدل 4% في 1970، ثم تباطأت إلى 2% بحلول عام 1982”.

في شروط كهذه، يمكن للزيادة في استغلال العمال فعلاً ـ بقبولهم لتخفيضات طفيفة في الأجور مع شروط عمل أسوأ خوفا من البطالةـأن تزيد معدل الربح قليلاً. ولكن مرة أخرى، كما حدث منذ قرن مضى، فإن انتعاش معدلات الربح كان فقط انتعاشا جزئياً، يزيد عن مستوى أوائل الثمانينات، ولكن لا يزال أقل من مستوى الخمسينات والستينات وأوائل السبعينات بكثير. اتضح ذلك بصورة مرعبة عندما تحول الرخاء فجأة إلى أزمة، بدأت في بريطانيا والولايات المتحدة، ثم في فرنسا وألمانيا واليابان في أوائل التسعينات.

« السابق التالي »