بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الاقتصاد المجنون – الرأسمالية والسوق اليوم

« السابق التالي »

5. الفصل الرابع: تركيز وتمركز رأس المال

) تركيز رأس المال

إن الطريقة التي يمكن للأزمة من خلالها تخفيف بعض مشكلات الرأسمالية دفعت بعض مؤيدي النظام إلى الإدعاء بعدم وجود تلك المشكلات على المدى الطويل. فقد صرح شخص مثل نايجل لوسون وزير المالية السابق لحزب المحافظين في بريطانيا أن الأزمات المتكررة لا تدعو للقلق، حيث أن جميع الأزمات يتبعها فترات ازدهار. بل أن أتباع مدرسة الاقتصاديين النمساوية وبينهم هايك يرحبون بإيجابية “بالتدمير الذي تسببه الأزمة”، لأنه كما يدعون، تدمير بناء يمهد الطريق لإنتاج كميات أكبر من الثروة.

وتوجد رؤية من  نفس النوع لدى بعض الناس الذين يتأثرون بالماركسية، فيدعون أن إعادة هيكلة النظام وتخفيض قيمة رأس المال الذي يحدث في الأزمة يسمح للنظام بتطهير نفسه من كل الضغوط التي قد تؤدي إلي انخفاض معدل الربح. ونتيجة لذلك لا توجد حاجة للاتجاه طويل المدى نحو تزايد حدة الأزمات وقصر وهامشية فترات الرخاء، ويتضمن ذلك أنه ربما يكون للتبدل بين الازدهار والأزمة آثاراً فظيعة على العمال، ولكن لا يوجد سبب يجعل النظام عاجزاً عن الاستمرار كما هو قائم إلى الأبد. وأحياناً ما يضيفون أنه لا يوجد سبب أيضا للاعتقاد بأن الحكومات الإصلاحية ستعجز عن تحسين أحوال العمال داخل النظام.

ولكن أي رؤية من هذا النوع تتجاهل شيئاً آخر يحدث للرأسمالية كلما تقدمت في العمر، هو أن عدد الشركات المتنافسة يميل إلى التناقص، بينما تسعى حفنة من الشركات الكبرى إلى السيطرة على صناعات بكاملها واقتصاديات بكاملها وهذه العملية أطلق عليها ماركس “تركيز وتمركز رأس المال”.

فإذا أفلست أي شركة من هذه الشركات العملاقة، تسبب خسائر هائلة في بقية الاقتصاد فتتأثر البنوك التي أقرضتها تأثرا بالغاً، وكذلك أيضا بالنسبة للشركات الصناعية الأخرى التي توقعت أن تبيع لها الخامات والآلات أو أن تبيع بضائع استهلاكية لعمالها. وفجأة تتحول أرباحهم إلى خسائر ويصل حجم الدمار إلى الدرجة التي تعجز قدرة الشركات الأخرى عن تعويضها بشراء الآلات والمواد الخام بسعر رخيص تقريباً. ولابد من أن يفيد تدمير أحد الشركات شركات أخرى، غير أن ذلك يهدد بحدوث ثقب اقتصادي أسود يبتلع الشركات الرابحة والخاسرة على حد سواء.

والنتيجة أنه بمجرد أن يسيطر على النظام حفنة من الشركات العملاقة فإن الأزمات لا تحل نفسها أوتوماتيكيا بل تصبح أسوأ لأن كل شركة عملاقة تنهار تجر وراءها الآخرين مثل قطع الدومينو.

غير أن الكثير من مبرري الرأسمالية ينكرون وجود أي اتجاه لسيطرة حفنة من الشركات الكبرى على النظام بهذه الطريقة. هكذا، يتحدث التاتشريون في بريطانيا والجمهوريون في الولايات المتحدة وحتى الإسلاميون في الجزائر عن أهمية الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم، مدعين أنها المحرك الرئيسي للاقتصاد. ولكن ذلك يتجاهل أن كل أزمة تؤدي إلى ابتلاع بعض الشركات لشركات أخرى، وتركيز رأس المال في أيدي القلة. وبالطبع تظهر شركات جديدة حيث يجد أفراد بالصدفة ـ محترمون أو نصابونـأنفسهم في موقف يمكنهم من التحول إلى رأسماليين. وكما لاحظ ماركس أن هذه الشركات الجديدة في سعيها المحموم لاقتحام العصر الذهبى أحيانا ما يكشفون عن قدرات إبداعية وتنافسية أعلى من منافسيهم من ذوي الإمكانيات الكبيرة هكذا مثلا في السبعينات والثمانينات، أحرزت التقدم في مجال الكمبيوتر ـخاصة بالنسبة للبرامجـشركات صغيرة ومتوسطة الحجم. لكن الغالبية العظمى من هذه الشركات لم تستمر طويلا وأسرعت شركات عملاقة بشرائها سواء كانت شركات موجودة سلفا أو شركات جديدة. وبحلول التسعينات سيطرت ثلاث أو أربع شركات عملاقة على هذا المجال على مستوى العالم. وبشكل عام وكما جاء في تقرير لجريدة الفايننشال تايمز البريطانية في خريف 1992 أن “جيلا جديدا من رجال الأعمال ازدهر في رخاء الثمانينات يعاني من الانقراض المنظم”

كانت نتيجة انقراض مثل هذه الشركات الصغيرة في أزمة تلو الأخرى على مدى قرن ونصف هو زيادة سيطرة الشركات العملاقة، وكما قال هوبسباوم فعلا منذ مائة عام:

“كان تأسيس الاحتكارات والكارتلات يميز ألمانيا والولايات المتحدة في ثمانينات القرن الماضي وبحلول  عام 1897 كان يوجد 82 شركة صناعية ضخمة برأس مال يزيد على 1000 مليون دولار، وفي الثلاث سنوات بين 1898 و 1900 تأسست 11 شركة عملاقة برأس مال 1140 مليون دولار، وظهرت أكبرهم جميعا شركة الصلب الأمريكية في 1901 برأس مال 1400 مليون دولار.”

تزايدت سرعة هذه  العملية خلال سنوات ما بين الحربين، عندما بدأت في كل بلد حفنة من الشركات في السيطرة على صناعة ما مثلا فورد وجنرال موتورز وكريسلر في صناعة السيارات في الولايات المتحدة، وشركة أي سي أي في صناعة الكيماويات في بريطانيا، أو شركة كروبس وتايسن في الصناعات الثقيلة بألمانيا، وبحلول السبعينات وصلت درجة التركيز الاقتصادي إلى أنه في الولايات المتحدة امتلكت أكبر مائة شركة 4ر48% من الأصول الصناعية، وفي معظم الصناعات كان يوجد اثنين أ و على الأقل ثلاثة شركات متنافسة. وفي بريطانيا في نفس الفترة كانت أكبر مائة شركة تنتج 49% من الناتج الإجمالي وفي كثير من الصناعات مثل الكيماويات والصناعات الغذائية والمنظفات والحاسبات الكبيرة وقطع غيار السيارات كان يوجد على الأكثر شركتين متنافستين.

وقد نتج عن أزمات العشرين عاما الأخيرة زيادة أكبر في تركيز رأس المال، وذلك مع سلسلة من عمليات الشراء والاندماج التي تمت بين الشركات عابرة الحدود الوطنية، وهكذا فمن الممكن أن تكون إحدى الشركات التي تعمل تحت أسم الولايات المتحدة مملوكة لأشخاص أو شركات في فرنسا أو بريطانيا، وأخرى تعمل تحت أسم بريطاني مملوكة في اليابان. ويكون ذلك صحيحا بصفة خاصة بالنسبة للتمويل والصناعات الرئيسية مثل الاتصالات والحاسبات والطائرات والسيارات والكيماويات والمنتجات الغذائية وهو أيضا صحيح بالنسبة للبنوك وجزءا واسعا من الصناعات “الخدمية” بدءاً من أعمال الحراسة نهاية بصناعة السينما.

وتشير التقديرات اليوم أن أكبر 500 شركة من الشركات عابرة القومية تسيطر على ثلثي التجارة العالمية وأن أكبر 15 شركة منها جنرال موتورز وإكس وآي بي إم ورويال داتش شل يزيد مجموع دخلهم عن دخل 120 دولة.

ولو أفلست أي واحدة من هذه الشركات العملاقة، فبدلا من أن يساعد ذلك على “تنقية” النظام، سيزيد من عمق مشكلاته. والنتيجة هى أنه برغم ما تعلنه الحكومات عن معجزات “السوق الحر” فهى ترتعد عندما يهدد السوق مستقبل أي واحدة من هذه الشركات، وتفعل كل ما في وسعها لتحافظ على استمرار هذه الشركات.

فقد اتضح ذلك فعلا منذ قرن، عندما أسرعت السلطات البريطانية التي تتمسك بالسوق وحرية التجارة إلى مساندة بنك بارنيجز عندما كان على حافة الانهيار في المرة الأولى. واتضح بدرجة أعلى في سنوات ما بين الحربين، عندما تدخلت الحكومات اليمينية في بلد تلو الأخرى، وأممت الشركات عند الضرورة لوقف انهيار البنوك الكبرى والصناعات الرئيسية. واتضح مرة أخرى في الثمانينات عندما تدخلت حكومة بوش في الولايات المتحدة لتدعيم مؤسسات التسليف والادخار وعندما نظمت حكومة تاتشر عمليات “قارب النجاة” لإنقاذ بنك جونسون ماثي.

وكان عدد الإفلاسات الكاملة في أوائل التسعينات أكبر مما كان في أزمات منتصف السبعينات أو أوائل الثمانينات ـ على الأقل في الولايات المتحدة وبريطانياـوربما تم إنقاذ شركة إس آند إل، ولكن عدد من الشركات الكبرى على جانبي الأطلنطى  أزيحت عن السوق مثل شركة الطيران العملاقة بان أم، وكذا البنك الدولي الضخم بنك الاعتماد والتجارة، والشركة العملاقة بولي بيك وشركة العقارات أولمبيا آنديورك وأكبر شركة طباعة في العالم شركة ماكسويل للاتصالات.

وبرغم ذلك، ليست هذه هى نهاية المسألة. فحتى الإفلاس الكامل لم يكن له الأثر الإيجابي على بقية النظام كما كان في الماضي لأن معظم رأس مال هذه الشركات العملاقة لا يملكه مساهمون أفراد يتحملون خسائر تلك الانهيارات ويتركون المكاسب لشركات كبيرة أخرى. فالمساهمون الأساسيون في هذه الشركات هم البنوك ومؤسسات مالية أخرى ولابد أن تحاول تعويض خسائرها من بقية القطاعات الرابحة في النظام. لذا كان على البنوك أن تتحمل الكثير من تكلفة انهيار ماكسويل وأولمبيا ويورك وبان أم وبولي بيك وهكذا. وفي بداية الأمر حاولت البنوك تعويض هذه الخسائر من خلال زيادة معدلات الفائدة على القروض الأخرى بما فيها الممنوحة للشركات الكبيرة الأخرى.

وعندما يعاني المساهمون الأفراد (في حالة ماكسويل، أصحاب المعاشات) يكون ذلك ميزة للنظام ككل، حيث يمكنه من الرخاء  بسبب استهلاك المساهمين ورأس مالهم. ولكن عندما تعاني المؤسسات المالية العملاقة، يختلف الموقف تماماً. فلابد أن تتحمل هذه المؤسسات الخسائر الناتجة ولذا تسهم في تخفيض الربحية على مستوى بقية النظام. وهذا يزيد من حدة الاتجاه نحو الأزمة بدلا من تخفيضه.

وأوضح الدلائل على ذلك كان استمرار ارتفاع معدلات الفائدة على المدى الطويل طوال فترة الأزمة في السبعينات وضعف ارتفاعها في الستينات وفي تناقض واضح بالنسبة لما حدث في أزمة أوائل الثمانينات عندما كانت المعدلات الحقيقية للفائدة سلبية.

وبدلا من إفساح المجال أمام بقية النظام للاستمرار في النمو المربح، تمثل عمليات إفلاس الشركات متعددة الجنسية الحديثة عبئاً أكبر على النظام الرأسمالي.

2) الإمبريالية والحرب

كانت مشكلات الرأسمالية طويلة المدى، أثناء “الكساد الكبير” في الثمانينات، واضحة فعلاً أكثر مما كانت منذ قرن، عندما تحدث كارناجى عن صعوبة الأزمات. وكانت واضحة مرة أخرى خلال الثلاثينات، عندما تحدث بعض المعلقين عن “الأزمة النهائية” للرأسمالية. وفي كلتا الحالتين وجد الرأسماليون وكذلك العمال أنفسهم في انتظار انتعاش بدا وكأنه لن يأتى أبدا.

ومع ذلك فلم تنتعش الرأسمالية فقط في كلتا الحالتين ولكن كانت سنوات ما بعد الأزمة من أكثر السنوات حيوية في تاريخ النظام. كان ذلك صحيحا بشكل خاص بالنسبة للتوسع الذي حدث منذ الأربعينات حتى أوائل السبعينات. وقد شهدت هذه الفترة “ازدهاراً طويلاً” تضمنت أكبر وأطول فترة توسع في تاريخ النظام.

دفع هذا الازدهار والتوسع الناس في كل من نهاية القرن ومرة أخرى في الستينات للإدعاء بأن الرأسمالية تتلاشى تدريجياً إلى شكل أفضل من المجتمع، والذي لم يكن على حافة الانهيار، ولا يحتاج إلى المرور بأزمات دورية، كما لن يؤد إلى مواجهات طبقية حادة بعد ذلك.

في الواقع، في كلتا الحالتين اكتشفت الرأسمالية آليات جديدة لتعويق الاتجاه نحو تزايد عمق الأزمات، ولكنها كانت وسائل مؤقتة وعندما انتهت آثارها عادت الأزمات بشكل أقوى. كانت الآلية الرئيسية في نهاية القرن الماضى أن تمتد الرأسمالية إلى ما وراء بلادها الأصلية في أوربا الغربية وشمال أمريكا ـ هي العملية التي اشتهرت تاريخياً بالإمبريالية.

ففي سبعينات وثمانينات القرن الماضى بدأت القوى الرأسمالية الرئيسية في توسيع وإحكام قبضتها على معظم بقية العالم. وسعت الحكومات البريطانية الإمبراطورية البريطانية القديمة لتستولى على حاولى ثلث مساحة الكرة الأرضية شاملة نصف أفريقيا وشبه القارة الهندية ومعظم منطقة الشرق الأوسط واستولت الحكومات الفرنسية على الهند الصينية ومعظم ما تبقى من أفريقيا، وبدأت في السيطرة على لبنان (رغم إنها كانت أسمياً تحت سيطرة الأتراك). واستولت الولايات المتحدة على الفليبين من أسبانيا، وحازت السيطرة على الدول الساعية للاستقلال مثل كوبا ووسط أمريكا. وتوسعت هولندا من قاعدتها في جافا لتسيطر على ما يسمى الآن بإندونيسيا. واحتلت بلجيكا الكونغو (الآن زائير)، واحتلت إيطاليا تريبولى (الآن ليبيا) والصومال. وبدأت ألمانيا تحلم بإمبراطورية استعمارية خاصة بها واستعمرت طنجانيكا (الآن تنزانيا) وجنوب غرب أفريقيا (الآن نامبيا) وحاولت بناء قاعدة في شمال أفريقيا. وأقامت كل القوى الأوروبية الرئيسية مناطق  نفوذ في الصين، وقسمت البلاد بسرعة فيما بينها وبحلول عام 1914  كانت أثيوبيا هى البلد الوحيدة التي ظلت مستقلة في أفريقيا بينما في آسيا فقد رزحت الدول، فيما عدا الصين المنقسمة وأفغانستان وتايلاند، تحت حكم أوروبا مباشرة.

وقد أسست القوى الأوروبية هذه الإمبراطوريات لأن رجال المال والصناعة بها اعتقدوا أنهم سيحققون أرباحاً هائلة من عملهم بهذه الإمبراطوريات. ورأوا أن سيطرتهم على هذه المناطق يضمن لهم الحصول على مواد خام رخيصة وبذلك يكسبوا ميزة على بقية الدول الرأسمالية الأخرى.

في هذا السياق ظهرت الدبلوماسية الدولية لتوازن الصراعات بين القوى العظمى لإقامة مستعمرات في أفريقيا وآسيا وتمارس نفوذها على الحكومات المستقلة أسمياً في الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية وأوروبا الشرقية. فمن ناحية سعت تلك القوى صاحبة الإمبراطوريات إلى الاهتمام بتدعيم قوتها العسكرية. بينما سعت تلك التي لم تكن لديها إمبراطوريات إلى حيازة مستعمرات ومناطق نفوذ من الأولى، وعندما جاءت اللحظة الحاسمة خاضوا لإعادة تقسيم المستعمرات حرباً عالمية ضد بعضهم البعض حيث كانت بريطانيا وفرنسا وروسيا في جانب وألمانيا والنمسا والمجر في الجانب الآخر.

ويدعى بعض المؤرخين الرسميين أن الاتجاه نحو إقامة الإمبراطوريات كان مدفوعاً بعوامل غير اقتصادية، ولكن ذلك يتجاهل واقع أنه منذ ثمانينات القرن الماضى وما بعدها كان التمويليون والصناعيون بين أشد المؤيدين تحمساً للاستعمار والذين كانوا متشككين في جدواه قبل ذلك. وبحلول التسعينات كان نصف إجمالى الاستثمارات البريطانية ينتقل إلى الخارج، وبدأت الشركات التي اعتمدت أعمالها على الإمبراطورية في السيطرة على اقتصاد بريطانيا (ببنوك مثل بارينجز،وشركات صناعية مثل يونيليفر وأكثر شركات البترول مثل آنجلو ايرانيان ـ الآن بى بىـوشل)، وفرنسا (شركة قناة السويس) وبلجيكا (يونيون فاينير العملاقة). وفي ألمانيا مارست الصناعة الثقيلة ضغوطا متزايدة على الحكومة لتقتطع “منطقة نفوذ” لها في البلقان وبقايا الإمبراطورية.التركية.

وكما لاحظ إيريك هوبسباوم تماماً:

لم يعترف المؤرخون السياسيون بوجود أسباب اقتصادية وراء التقسيم الفعلى للعالم بين حفنة من قوى أوروبا الغربية (بالإضافة للولايات المتحدة) في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر وليس لدى المؤرخين الاقتصاديين أدني مشكلة في ذلك.

وقد حدث ذلك الاستثمار وراء البحار لأن الصناعيين والتمويليين سعوا إلى ضمان أرباحهم وإلى المواد الخام الرخيصة، وهو ما كان له أثر هام غير مباشر على النظام الرأسمالي ككل. فلو أن نصف الاستثمارات انتقلت إلى الخارج لانخفضت الأرصدة المتاحة للاستثمار محلياً بنسبة 50%. وأصبحت الشركات أقل انزعاجاً من أنها إذا لم تدخل استثمارات موفرة للعمل فان منافسيها المحليين سوف يفعلون. ولذا لم يعد الاستثمار الكلى يرتفع أسرع من قوة العمل الموظفة: وبالفعل انخفض معدل الاستثمار بالنسبة للناتج في بريطانيا من 16ر2 في الفترة 1875ـ 1883 إلى 82ر1 في  الفترة 1891ـ 1901 واستطاعت معدلات الربح أن تزداد وأفسح التشاؤم الرأسمالى الطويل الأمد في ثمانينات القرن التاسع عشر المجال أمام مرحلة جديدة من التفاؤل والازدهار، فالبطالة التي كانت قد ارتفعت إلى أكثر من 13أو 14% ثلاث مرات في سنوات “الكساد الكبير” أصبحت أقل من 10% من 1895 إلى 1912.

وبالتالي لا عجب في كون الأفكار السائدة في حزب العمال “الجديد” في بريطانيا هى “التدريجية”، ولا عجب أيضا أن الأفكار “التراجعية” و”التدريجية” قد تزايد تأثيرها لدى الحزب “الماركسى” المزعوم الحزب الاشتراكى الديمقراطى الألمانى. ولفترة بدا للملاحظين السطحيين أن الرأسمالية يمكن أن توفر الأمان ومستويات معيشة أفضل للعمال.

ولكن فترة “الرخاء” الرأسمالى لم تستمر طويلاً، استطاعت الإمبريالية فقط تعويق انخفاض الربحية لمدة عشرين عاما، وبدأت فرص الاستثمار في الخارج أخيراً في النضوب، وبدأت الأرباح التي تحققت من الاستثمارات القائمة في العودة إلى البلاد الرأسمالية المتقدمة، وبحلول نهاية العقد الأول من القرن الحالى كانت الأرصدة الساعية للأرباح تتزايد في بريطانيا إلى المستوى الذي كانت عليه منذ عشرين عاما، وارتفع معدل الاستثمار بالنسبة للعمل في الصناعة حسب إحدى التقديرات من 92ر1 إلى 19ر2 في 1908ـ 1913  هكذا، إلى مستوى أعلى قليلاً مما في بداية “الكساد الكبير” في أواخر سبعينات وثمانينات القرن التاسع عشر، وليس غريباً أن ظهرت علامات جديدة من الضغوط نحو انخفاض معدلات الربح وأن الأزمة أصبحت أكثر خطورة مع ارتفاع البطالة مرة أخرى إلى حوالى 15% بحلول 1913ـ 1914. وفي نفس الوقت، أدت ضغوط الدول الرأسمالية ذات الإمبراطوريات الأصغر لاقتسام جزء من النفوذ إلى صدامات متكررة مع الإمبرياليات القائمة. كانت النتيجة هى الحرب بين أسبانيا والولايات المتحدة على الفليبين وكوبا، والحرب بين اليابان وروسيا من أجل السيطرة على شمال الصين وكوريا في 1904ـ 1905، والصدام بين فرنسا وألمانيا على النفوذ في المغرب، والسباق بين ألمانيا وبريطانيا لبناء أسطول أكبر، وأخيراً الصدام بين روسيا والنمسا حول النفوذ في جنوب شرق أوروبا ـ وهو الصدام الذي عجل باندلاع الحرب العالمية الأولى.

وبالرغم من أن الإمبريالية خففت من ميل النظام إلى أزمات اقتصادية أكبر، ولكن كان ذلك لفترة محدودة، وكان الثمن هو دفعها إلى فظائع وخسائر الحرب العالمية. وفي أعقاب الحرب عادت الأزمة الاقتصادية أكبر وأشد تدميراً مما كانت عليه في تاريخ النظام.

3) العسكرة ورأسمالية الدولة

كانت الأزمة التي بدأت في 1929 إلى حد بعيد أسوأ الأزمات التي عرفها النظام من قبل، حيث ارتفعت البطالة في أكبر قوتين صناعيتين ـ الولايات المتحدة وألمانياـإلى حوالى ثلث قوة العمل. والأكثر من ذلك، لم تظهر أي بشائر عن إمكانية انتهاء الأزمة من تلقاء نفسها.

وقد تطلب تدخل الدولة لتبدأ في استحضار انتعاش اقتصادى محدود في كلتا البلدين في 1933ـ 1934 عبر سياسات “العقد الجديد” لروزفلت في الولايات المتحدة وبرامج الأشغال العامة التي تبنتها الحكومة النازية الجديدة في ألمانيا. ولكنها لم تفعل شيئاً أكثر من إحداث خدش سطحى في جسم الأزمة. ففي 1934 لم يكن الإنتاج الصناعي في ألمانيا يتخطى أربعة أخماس حجمه 1929، بينما في الولايات المتحدة كان واحد من كل سبعة من السكان لا يزال عاطلاً عن العمل “في 1937 عندما بدأت مرحلة جديدة من التدهور الاقتصادى ـ التي وصفها أحد المؤرخين أنه “التدهور الاقتصادى الأكثر انتظاماً في تاريخ الولايات المتحدة.

لم يبدأ الانتعاش الحقيقى من الأزمة حتى بدأت الحكومات في الاستعدادات الهائلة للحرب. في ألمانيا حدث ذلك في 1935 بتأسيس اقتصاد “التأهب” القائم على التسليح الضخم، ولم يحدث  ذلك في الولايات المتحدة حتى 1941 عندما دخلت البلاد الحرب العالمية الثانية، وكما أوضح جالبريت: “أن كساد الثلاثينات الكبير لم ينته أبداً، لقد اختفي فقط في التحريك الضخم في الأربعينات.

كان لاستعدادات الحرب بعض الفوائد المماثلة للإمبريالية بالنسبة للرأسمالية، والتي كانت امتداداً منطقياً لها. فقد منحت الشركات العملاقة الفرصة للاستيلاء على المواد الخام والمصانع من منافسيها في بلاد أخرى ـ مثلما حدث عندما استولت الشركات الألمانية الكبيرة على اقتصاديات تشيكوسلوفاكيا وبولندا وبدأت في تحدى الشركات الكبرى البريطانية من أجل السيطرة على بترول الشرق الأوسط و شنت “حرب الصحراء” في شمال أفريقيا، أو عندما اغتصبت الشركات اليابانية الكبيرة المزارع التي كانت تديرها شركات بريطانية وفرنسية وألمانيا في فيتنام وإندونيسيا والمالايا.

بالإضافة إلى ذلك وفرت استعدادات الحرب للشركات أسواق مضمونة من الدولة لبضائعهم لا تتأثر بالتذبذبات في بقية الاقتصاد. كان الطلب على الغذاء والبضائع الاستهلاكية يرتفع وينخفض مع الرخاء والأزمة، كذلك كان الطلب على المصانع التي تنتج هذه السلع والسفن واللوارى التي تنقلها، غير أن الطلب على الدبابات والسفن الحربية والطائرات المقاتلة بات مضموناً طالما استمرت الحكومات في تسليح نفسها.

في الواقع، لم تطلب الدولة الأسلحة فقط من القطاع الخاص، فقد تزايد تخطيطها للاقتصاد بالكامل ـ وعند الضرورة أممت الشركات الخاصةـحتى تطمئن إلى إنتاج الأسلحة في الوقت المناسب وبالكميات المناسبة.

وفي ألمانيا النازية منذ 1935 وما بعدها سيطرت الدولة على الكثير من النظام المصرفي حتى تتأكد من أن ودائعها تستخدم لتمويل  التسليح. وكانت الشركات الصناعية مجبرة قانونا على إيداع كل أرباحها فوق حد معين لدى الدولة لنفس الغرض وأثناء خطة السنوات الأربع لعام 1936 عين جورينج “ديكتاتوراً اقتصادياً”وكان يهدف إلى تنفيذ برنامجا استثماريا من 6 إلى 8 مليارات مارك، سواء كان مربحاً أم لا مستخدما كافة الوسائل ـ مثل دعم الاستثمار، الإعفاءات الضريبية،ضمانات للأسعار،والطلبيات والأرباح. وعندما رفض رئيس أحد الشركات العملاقة، تايسن، أن ينفذ أوامره، صادر جورينج ملكيته وأجبره على الهرب إلى الخارج.

وبنفس الطريقة، بمجرد ما أن دخلت الولايات المتحدة الحرب، لم تسيطر الدولة فقط على قطاع الأسلحة في الاقتصاد ـ والذي مثل نصف إجمالى الناتج القومى بل حددت أيضا ما يجب أن ينتج من السلع الاستهلاكية. وتولت مسئولية 90% من إجمالى الاستثمارات وأنفقت مبالغ طائلة في بناء مصانع سلاح جديدة والتي سلمتها بعد ذلك للشركات الخاصة لإدارتها.

وبسرعة، دفعت استعدادات الحرب الدولة إلى تجاهل آليات السوق القديمة ـ وإلى تحدي أى معارضة لممارساتها تبديها الشركات الكبيرة. فلم يعد التطور الاقتصادى داخل ألمانيا النازية وأمريكا فترة الحرب  يعتمد على التدفق الحر للأرصدة إلى الأجزاء الأكثر ربحية من الاقتصاد. وبدلاً من ذلك،حددت الدولة ما يجب إنتاجه ثم تسببت في تدفق الأرصدة إلى القطاعات المناسبة ـ سواء من خلال توجيه أوامر مباشرة للشركات أو من خلال توجيه السوق حتى تجعل تلك القطاعات مربحة.

ولم يكن تجاوز الدولة لآليات السوق فقط هو الذي جعل اقتصاد الحرب ناجحاً، فقد لعب كل من صافي الفاقد من إنتاج الأسلحة والدمار البربرى الناتج عن الحرب دورهما وكان  لهما نفس الأثر على النظام مثل تدمير رأس المال الذي يحدث أثناء الأزمات. فقد قللا الثروات المتاحة للاستثمار في الصناعات الإنتاجية ـ ومعها اتجاه الاستثمار نحو النمو أسرع  من قوة العمل.

كان الماركسى الألمانى جروسمان هو أول من لاحظ ذلك عندما كتب في العشرينات:

“إن التدمير والفاقد الناتج عن الحرب يعدان وسيلة للتخفيف من الانهيار القائم (للرأسمالية)، لخلق مساحة تنفس من أجل تراكم رأس المال…إن الحرب وتدمير قيمة رأس المال المرتبط بها يضعف انهيار (الرأسمالية) ويوفر بالضرورة حافزاً جديداً لتراكم رأس المال”.

وقد أوضح أنه برغم أن الحرب تسمح لبعض كبار الرأسماليين الأفراد بزيادة ممتلكاتهم بصورة هائلة، فإن أثرها على النظام ككل هو “تدمير القيمة” و “إبطاء التراكم”، وبالتالى لا يزداد الاستثمار أسرع من قوة العمل. وذلك في المقابل يوقف انخفاض معدل الربح.

وقد تم تطوير وتعميق نفس الرؤية في الأربعينات والخمسينات والستينات من قبل الاقتصادى الأمريكى الذي استخدم أسم أوكس دوفانس ومن قبل الماركسى مايك كيدرون. وأوضحوا أنه برغم أن إنتاج السلاح يبطئ من المعدل الذي يحدث به تراكم رأس المال، فهو يتيح له الفرصة أيضا للاستمرار بسلاسة، دون الانتهاء إلى الركود في أزمات متكررة.

إن اقتصاد الحرب بالمقارنة مع اقتصاد السلم يشبه السلحفاة بالمقارنة مع الأرنب البرى في القصة الشهيرة (معضلة إيسوب). في البداية يسير التراكم في اقتصاد الحرب أبطأ منه في اقتصاد السلم، لأن ثروات كثيرة كان من الممكن أن تستثمر بصورة إنتاجية يتم تضييعها على الأسلحة بدلاً من ذلك. ولكن لهذا السبب بالذات لا يتحتم على اقتصاد الحرب أن يتوقف “لالتقاط أنفاسه” عبر الأزمة، وبالتالى يلحق باقتصاد السلم.

واتضح هذا تماماً أثناء الحرب العالمية الثانية، فتقريباً نصف ناتج الاقتصاد الأمريكى في 1943 انفق على برامج الحرب. ومع ذلك، مع كل هذا الفاقد، كان إنتاج البضائع الاستهلاكية أكبر مما كان عليه خلال أزمة اقتصاد السلم في أواخر الثلاثينات. وحتى بعد خصم الضرائب لتمويل بعض هذه الأسلحة، كانت أرباح الشركات الأمريكية في سنوات الحرب تزيد على ضعف ما كانت عليه في 1938.

واتضح ذلك مرة أخرى في سنوات الحرب الباردة بين أواخر الأربعينات ومنتصف السبعينات، فقد توقع غالبية المراقبين الاقتصاديين أن يشهد عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية تكرار لأزمة سنوات ما بين الحربين ولم يحدث ذلك لآن الإنفاق على السلاح استمر بمعدلات أعلى كثيراً عما سبق في “وقت السلم”، فارتفع من أقل 1% من الناتج الأمريكى في الثلاثينات إلى حوالى 15% في أوائل الخمسينات وحتى خلال الستينات عندما انخفض إلى حوالى 8  أو 9% كان لا يزال مساوياً لإجمالى الاستثمار في الصناعة المدنية.

لقد شهدت الرأسمالية ما أطلق عليه البعض “عصرها الذهبى ” بين الأربعينات والسبعينات وشهدت بلد بعد أخرى فعلياً نموا اقتصاديا غير مسبوق، فتضاعف حجم الاقتصاد الأمريكى ثلاث مرات والألمانى خمس مرات والاقتصاد الفرنسى أربعة مرات وحتى الاقتصاد البريطانى البائس الذي عانى تدهوراً طويل المدى كان ينتج بحلول السبعينات ضعف إنتاجه في الأربعينات.

ازدهرت الرأسمالية بصورة لم يسبق لها مثيل وتحسنت ظروف حياة معظم العمال واختفت البطالة تقريبا في معظم البلاد الصناعية المتقدمة ولم تتجاوز حوالى 1% في بريطانيا وألمانيا واسكندنافيا. ولم يتم فقط إعادة بناء المدن الكبرى بعد دمار الحرب، ولكن حلت العقارات السكنية الجديدة محل الأكواخ التي تعود إلى ثلاثينات وأربعينات القرن الماضى، وساعدت الخدمات الصحية المجانية الناس على الحياة لمدة أطول ومكنت التحسينات في المعاشات الكثيرين لأول مرة من التطلع إلى حياة الشيخوخة.

ولكن لم يختف الفقر فقد استمر في “المناطق البائسة” القائمة على الصناعات القديمة التي تلاشت في فترة الرخاء، وقد عانى منه أيضا ذوى الأمراض المزمنة والأسر التي فقدت عائلها وبعض العجائز. ولكن في البلاد المتقدمة كان ذلك عادة فقراً متواريا فلم يعد العاطلون يتسكعون في الشوارع كما في الثلاثينات كما لم يسمع أحد عن المتسولين.

كان الرخاء بالأساس رخاء البلاد الصناعية المتقدمة ولكنه لم يدع بقية العالم دون تأثير، فقد بدأت بلاد مثل إيطاليا وأسبانيا والبرتغال وكوريا الجنوبية وسنغافورة في اللحاق، وحتى في حالات قليلة في السباق بالبلاد الصناعية القائمة القديمة مثل بريطانيا. وفي مكان أخر في بلاد العالم الثالث الكبيرة مثل الهند والصين والبرازيل والمكسيك حدث نمو سريع للجيوب الصناعية، حتى وإن استمر غالبية السكان يعيشون تحت البؤس الشديد في الريف أو في أكواخ المدينة المترامية. لقد جعل النمو حتى الفقراء يعتقدون أنها فقط مسألة وقت وسوف تتحسن الأمور.

ومرة أخرى أعطت سنوات الرخاء الطويل تلك دفعة قوية لأفكار مماثلة لتلك التي تطورت في تسعينات القرن التاسع عشر وبدا للمفكرين السطحيين أن الرأسمالية قد تغلبت على كل مشكلاتها. وبالفعل وصل الأمر ببعض الكتاب إلى تأكيد أنها لم تعد رأسمالية ولكنها شكل ما أعلى من التنظيم الاقتصادى.

ومع ذلك فما كان من الممكن أن يحدث هذا التوسع للنظام دون فظائع الحرب العالمية الثانية، والفاقد الهائل لاقتصاد السلاح الذي تلا الحرب، والأخطار الجمة على البشرية كلها من سباق السلاح النووى، لقد اعتمدت “أمجاد” العصر الذهبى على بربرية القنبلة النووية.

4) رأسمالية الدولة، الستالينية والعالم الثالث

لم تكن رأسمالية الدولة العسكرية أمر اً مقصوراً على الدول الغربية المتقدمة، فلمدة حوالى 40 عاما كانت إلى حد كبير نموذج التطور الرأسمالى في العالم ككل، وحقا كان أول الاقتصاديات التي تحولت إلى رأسمالية الدولة وأكثرها شمولا هى  روسيا الستالينية المتخلفة نسبيا في أواخر العشرينات وقد أطلقت على نفسها أسم الاشتراكية. ولكن مع أواخر العشرينات كانت روسيا فعلياً بعيدة كل البعد عن الاشتراكية الحقيقية التي ألهمت ثورة 1917. كانت الثورة تهدف إلى بناء مجتمع يحدد فيه العمال ما يحدث بشكل واعى، ولكن إشعال الطبقات الحاكمة القديمة للحرب الأهلية والتدخل العسكرى من قبل كل القوى الغربية تسبب في عرقلة الثورة، فأصبح هناك بؤس اقتصادى منقطع النظير، وتوقفت كل الصناعات الروسية تقريبا، ودمرت الطبقة العاملة التي قامت بالثورة، وبدون الطبقة العاملة لا يمكن أن تتحقق الديمقراطية العمالية.

استمر الثوريون الذين قادوا الثورة في السلطة في أوائل العشرينات ولكن تزايد اعتماد حكمهم على بيروقراطية مكونة من العديد من موظفي الإمبراطورية القيصرية القديمة إلى جانب شريحة جديدة من موظفي الحزب المتفرغين يتزعمهم جوزيف ستالين. احتفظ هؤلاء البيروقراطيون بجزء من لغة الثورة ولكنهم حكموا باستمرار لمصلحتهم الخاصة، وطردوا العناصر الثورية التي قامت على أكتافها ثورة 1917 من الحزب الحاكم. إن وجه الميت مخنوقا ربما يشبه وجه الأحياء، وبنفس الطريقة كانت روسيا في 1927 تشبه روسيا 1917 في الظاهر فقط ولكن في الواقع كانت مختلفة في جوهرها.

ولبعض الوقت كان حكام روسيا من مصلحتهم ترك الأرض وبعض القطاعات الصناعية والتجارية في أيدى القطاع الخاص، ومعتمدين على تأييد الملاك المتميزين (المعروفين برجال النيب) لطرد أولئك الذين تمسكوا بمبادئ ثورة 1917 من أمثال تروتسكي. ولكن هذه السياسة أدت إلى أزمة اقتصادية كبيرة في 1927ـ 1928 إلى جانب تجدد التهديدات من التدخل الغربى. عند ذاك تحول الحكام الجدد مائة وثمانين درجة  وتبنوا نموذجهم الخاص من رأسمالية الدولة العسكرية.

لقد كانوا في أمس الحاجة لبعض الوسائل لحماية سيطرتهم على روسيا من التهديد الأجنبى، فرأوا أن الحل يكمن في بناء الصناعة بأقصى سرعة. فبهذا فقط يتمكنون من إنتاج الدبابات والسفن الحربية والطائرات والبنادق الآلية على نفس  مستوى الدول الغربية وكما قال ستالين” إن إبطاء خطوات التصنيع سيعنى أن نتخلف، وأولئك الذين يتخلفون يهزمون..ونحن متخلفون عن الدول المتقدمة بحوالى خمسين أو مائة عام، ويجب أن نقطع هذه المسافة في عشر سنوات وإلا سيدمرونا”.

كان منطق ستالين هو نفس منطق آى رأسمالى صغير يواجه ضغوط تنافسية من رأسمالى أكبر ـ أن يخبر عماله بأن “يضحوا” بقدر ما يمكنهم حتى يلحق بمنافسه.

كان سبيل “اللحاق بالغرب” بالنسبة لستالين هو نسخ كل وسائل “التراكم البدائى” التي استخدمت في أماكن أخرى خارج روسيا. فمثلا اعتمدت الثورة الصناعية في بريطانيا على طرد الفلاحين من الأراضى من خلال التسييج والنزح، ودمر ستالين بدوره سيطرة الفلاحين على الأرض من خلال “التجميع” والذي أجبر الملايين على الهجرة إلى المدن. وكما راكمت الرأسمالية البريطانية ثرواتها عن طريق العبودية من منطقة الكاريبى وأمريكا الشمالية، قام ستالين بتجميع الملايين في معسكرات الجولاج العبودية. وكما نهبت بريطانيا ايرلندا والهند وأفريقيا، جرد ستالين الجمهوريات غير الروسية في الاتحاد السوفيتى من حقوقها وأبعد شعوبا بكاملها آلاف الأميال عن أوطانها. وأخيرا وكما تضمنت الثورة الصناعية في بريطانيا إنكار أبسط حقوق العمال ودفع الرجال والنساء والأطفال للعمل حتى 16 ساعة يوميا، أتبع ستالين نفس الشىء، فدمر استقلال النقابات وأطلق النار على المضربين وخفض الأجور الحقيقية بحوالى 50%.

كان الاختلاف الجوهرى الوحيد بين ستالين وإجراءات الرأسمالية الغربية في طفولتها أنه بينما استغرقت الرأسمالية الغربية مئات السنيين لاستكمال التراكم البدائى، سعى ستالين إلى إنجاز ذلك في عشرين عاماً. لذلك كانت الوحشية والبربرية أشد تركيزاً.

لم تستطع البيروقراطية الستالينية “اللحاق بالغرب” عبر نسخ رأسمالية “السوق” صغيرة الحجم في بريطانيا أثناء الثورة الصناعية. كان بوسع روسيا أن تنجح عسكريا فقط إذا كانت صناعاتها مماثلة في حجمها للصناعات الغربية. ولكن لم تكن هناك وقت للانتظار حتى تنمو الشركات الخاصة، بأن يأكل بعضها بعضاً. وكان على الدولة أن تتدخل لتحقيق الحجم الضرورى من الإنتاج.

كان على احتكارات رأسمالية الدولة وليس الشركات الخاصة تحقيق التراكم، وكان على الدولة تنظيم الاقتصاد ككل وتخضع إنتاج آى شئ آخر لمصلحة هذا التراكم.

رأى الكثيرون أن هذه هى الاشتراكية ـ ومازال الكثيرون يعتقدون ذلكـلآن الستالينية فعلاً قضت على الرأسمالية الخاصة في روسيا وبعدها في أوروبا الشرقية والصين….الخ، ولكن وسائلها كانت مشابهة جداً لوسائل اقتصاديات الحرب الغربية. فقد قامت بالتخطيط كما فعلوا من أجل تخفيض استهلاك الجماهير لصالح بناء الصناعات الثقيلة وإنتاج السلاح.

وكما يلاحظ مايكل كازر أحد الكتاب الغربيين المتخصصين في شئون اقتصاديات أوروبا الشرقية:

كان  “المخططين الاشتراكيين الجدد في المنطقة بعد 1945 غالباً ما قلدوا ببساطة الوسائل التي ابتدعت أثناء الاحتلال الألمانى في وقت الحرب فكثير من علاقات السوق التي تم تحجيمها عن طريق تحديد الأسعار والكميات في 39ـ 1945 لم تعاود الظهور أبدا.

ولاحظ أيضا أحد أشهر المخططين البولنديين أوسكار لانج: “إن إجراءات التخطيط الإدارى والإدارة شديدة المركزية التي تستخدم القهر الواسع ليست الطابع المميز للاشتراكية ولكنها آليات خاصة باقتصاد الحرب”.

كان لهذا الشكل من تدخل الدولة و”التخطيط” جاذبية لدى حكام الكثير من رأسماليات العالم الأضعف في الثلاثينات والأربعينات والخمسينات والستينات. فاستجابت إيطاليا موسولينى لأزمة الثلاثينات بتأسيس شركتين ضخمتين تحت إدارة الدولة، هما (آى آر آى) و (إى إن آى)، لإقامة صناعات جديدة. وفي البرازيل والأرجنتين وضعت الحكومات المستبدة الصناعات التي تديرها الدولة في مقدمة الاقتصاد وتطلع حكام المستعمرات السابقة مثل الهند ومصر وسوريا والعراق والجزائر إلى مستويات عالية من ملكية الدولة وخطط الخمس سنوات لإنجاز التصنيع، هكذا أيضا حكم الكومينتانج تايوان والديكتاتوريات العسكرية في كوريا الجنوبية. وتبنت الحكومات اليمينية الفرنسية اتجاها يدعى “التخطيط الموجه”، وهكذا حتى في بريطانيا جهزت  الدولة خطة طويلة المدى في 1966.

كانت الدوافع في كل مكان هى نفس دوافع ستالين، احتياج حكام البلاد الرأسمالية ذات القدرات التنافسية الأضعف إلى الدولة لزيادة ثرواتهم وحمايتهم من الآثار المباشرة للتذبذبات في السوق العالمى. وإلا لن تتمكن أبداً من البقاء في مواجهة صناعات منافسيها الأكبر والأكثر تنافسية.

وكنتيجة لذلك كان علم الاقتصاد الرأسمالى الأرثوذكسى لمدة نصف قرن تقريباً يقوم على ضرورة تدخل الدولة وأن “التخطيط” أمر مرغوب فيه.

كان جون ماينارد كينز قد بنى هذه الرؤية في الغرب، وجوزيف ستالين في روسيا  لقد كانا شخصين مختلفين ـأحدهم ليبرالى وموظف  حكومة أصبح مليونيراً من المضاربة في البورصة، و الآخر ديكتاتور سفاح. اتجه مؤيدو الأول لأن يكونوا أعضاء في الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية. أما مؤيدو الثاني، كانوا من أشد أعداء الاتجاه الأول، شكلوا الأحزاب الستالينية. ومع ذلك فقد اشتراكا في فكرة هامة: فكل منهما اعتقد أن الاستيلاء على الدولة القائمة واستخدامها لتوجيه الاقتصاد القومى يمكن أن يمنع الأزمات ويضمن استمرار التقدم الصناعى.

5) تبدد الوهم

لقد حدثت كما رأينا تغيرات هائلة في ثروات النظام الرأسمالى خلال الفترة من 1932و1962.

ففي عام 1932 بدا أن كل تنبؤات ماركس حول النظام تتحقق، فقد حدثت أزمة كارثية أسوأ مما عرف النظام من قبل، فكان ثلث السكان عاطلين عن العمل في أكبر اقتصادين صناعيين في العالم ـ ألمانيا والولايات المتحدة ـووجد الملايين من جماهير الطبقة الوسطى أنفسهم في نفس الوضع البائس الذي تعاني منه جماهير العمال حتى في البلاد المتقدمة، وفي البلاد المستعمرة أدى انهيار أسعار المواد الخام إلى إغراق أعداد هائلة من السكان في بؤس فظيع، وكان عمق الأزمة ينمى أبشع الديكتاتوريات التي عرفها التاريخ، فشهدت ألمانيا صعود هتلر في مدة الحكم، وبدا أنه لا يوجد أمل في أى مكان في العالم سوى التخلص الكامل من الرأسمالية.

وكما كتب أنتونى كروسلاند القيادى اليميني في حزب العمال في 1956 عن خبرة شبابه “إن السيطرة الشاملة للأفكار الماركسية في الثلاثينات كانت انعكاسا لحالة من الازدهار الثقافي منقطعة النظير في تاريخ الحركة العمالية البريطانية….بدأ كثير من الناس يشعرون بضرورة وجود تحليل شامل لتفسير الكارثة التي بدا أنها تكتسح الرأسمالية العالمية.

ولكن الأمور بدت مختلفة تماما بعد ذلك بربع قرن فكان هناك التوظيف الكامل في كل البلاد الصناعية المتقدمة. وبدا أن الإنتاج يتوسع باستمرار مع أطول رواج عرفه النظام من قبل. وارتفعت الأجور الحقيقية سنة بعد أخرى، وحتى الحكومات اليمينية شكلت دولة الرفاه لرعاية الفقراء والمرضى والعجائز. وبدت النازية كأنها كابوس  من الماضى مع استقرار الديمقراطية البرلمانية في البلاد المتقدمة وزحفها إلي دول أوروبا الجنوبية الأقل تطوراً.

كانت هذه الأوضاع هي خلفية إصرار العديد من المثقفين الذين أعلنوا قديما تبنيهم للماركسية أنها الآن لم تعد تصلح. فقد قبلوا الفكرة التي سادت حينذاك بأن الأزمات كانت أمراً من أمور الماضى وأن الصراع الطبقى يتلاشى. وأكدوا أن الرأسمالية كانت تتحول ببطء إلى مجتمع “رفاهية” ما بعد الرأسمالية والجدل الوحيد فيه كان حول كيفية انتشار مزايا الثروة غير المحدودة ووقت الفراغ الهائل.

ووضع كروسلاند هذه الرؤية في كتاب واسع الانتشار وهو “مستقبل الاشتراكية “إن الاعتقاد بأن “التناقضات الداخلية” في الرأسمالية ستؤدى تدريجيا إلى إفقار الجماهير وإلى انهيار النظام بكامله في النهاية واضح أنه الآن لم يعد له مبرر…فقد حل التوظيف الكامل محل الكساد، وتناقص عدم الاستقرار بشكل واسع وارتفع معدل النمو بشكل ملحوظ…إن معدلات النمو الحالية ستستمر ومن المحتمل أن يتميز المستقبل بالتضخم وبدلاً من البطالة…إن كل الملامح الأساسية للرأسمالية التقليدية ما قبل 1914 تقريبا إما أعيد تشكيلها أو تحولت تماما”.

وزعم كروسلاند أن ذلك قد حدث لأن الدولة نجحت في الاستحواذ على القرارات الاقتصادية الهامة من أيدى الرأسماليين التقليديين الذين يهتمون فقط بالربح “لقد فقدت طبقة رجال الأعمال الرأسمالية موقعها القيادى وانتقلت مصادر وروافع القوة الاقتصادية من أيدى الأفراد إلى أيادى الدولة…إن الحكومة تستطيع بالتأثير أساسا من خلال الموازنة، برغم وجود آليات أخرى مساعدة، أن تمارس آى تأثير تريده على توزيع الدخل ويمكنها أيضا تحديد توزيع الناتج الكلى داخل أطر واسعة بين الاستهلاك والاستثمار والصادرات والإنفاق الاجتماعى….إن القوة الاقتصادية لسوق رأس المال وبيوت التمويل، وبالتالى سيطرة رأس المال التمويلى على الصناعة أصبحت أضعف كثيراً وهذا التغير يجعل من السخف الحديث عن طبقة حاكمة رأسمالية”.

كانت هذه هى الأفكار التي دفعت قيادة حزب العمال البريطانى إلى القيام بأول جهد منسق له في 1959 لينفصل عن 40 عاما من التزامه القديم بـ”الملكية العامة لوسائل الإنتاج والتوزيع والتبادل” وبرغم أن القيادة أخيرا تراجعت عن هذا التحول فقد أثرت أفكارها على كثير من العمال الذين ما عادوا يرون أولوية التحرك السياسي لتحدى النظام.

وبعد ذلك بعشرين عاما تحولت الأمور مرة أخرى تحولاً دائرياً فقد وصل رخاء ما بعد الحرب الكبير إلى نهايته مع ركود 1974ـ 1976، وفجأة لم تعد الإجراءات الكينزية التي وثق بها أناس مثل كروسلاند مؤثرة.

واعترف كروسلاند نفسه الآن أن أفكاره الأولى كانت مبالغة جداً، برغم أنه لا يزال يحاول الدفاع عن مرتكزاتها “مازلت توجد عدم المساواة القصوى بين الطبقات، والفقر تزايد بدلاً من القضاء عليه، والاقتصاد في حالة من الأزمة شبه الدائمة والتضخم واسع الانتشار”، وكتب في 1974: “.. برهن المجتمع البريطانى ـ الراكد، المتحجرـأنه صعب الاستجابة للتغييرات عما كان مفترض….إن الكتابات التراجعية الأولى كانت شديدة الغرور في لهجتها”.

وخلال العامين التاليين، عندما اتضح عجز الوسائل الكينزية في التعامل مع الأزمة، تحول المئات من الاقتصاديين والمحررين الاقتصاديين الذين كانوا يتعصبون للكينزية فجأة إلى النظريات “النقدوية” في نظريات ما قبل الثلاثينات. وأسرع السياسيون في اللحاق بالركب وفي بريطانيا تبنى رئيس وزراء حزب العمال جيمس كالاجان النظرية الجديدة علنا في مؤتمر الحزب عام 1976: “.. إننا عادة نعتقد أنه بالإمكان تخطى الأزمة من خلال تخفيض الضرائب وتنشيط الاقتراض الحكومى… هذا الخيار لم يعد موجوداً”، وبقدر ما كان متاحاً من قبل كان يعمل على حقن الاقتصاد بالتضخم. وفي كل مرة حدث ذلك يرتفع متوسط معدل البطالة، وكان البديل الذي تبنته حكومته للكينزية هو أنها سمحت للبطالة أن تزيد عن الضعف بينما طبقت برنامج صندوق النقد الدولى لتخفيض موازنة الرعاية الاجتماعية بقيمة 8 مليار جنيه إسترلينى (ما يعادل 20 مليار اليوم).

حتى في الجناح اليميني لحزب العمال كان يوجد زعماء بارزين قلائل يرتجفون لما يحدث. والآن أخبر كروسلاند ـ الرجل الذي أصر في 1956 أن بريطانيا لم تعد رأسماليةـمسئولى وزارة الخارجية المرتبكين أن صندوق النقد الدولى مؤسسة رأسمالية، وما لا يطاق هو أن تضطر، حكومة “اشتراكية” إلى فرض فلسفته عليها.

ومع ذلك رأى أمثال كروسلاند أنه مستحيل تغيير بقية حكومة العمال والبديل الوحيد الذي أمكنهم طرحه لبرنامج صندوق النقد الدولى هو فرض ضوابط على الواردات، كما فعلت الحكومات في العالم كله خلال الثلاثينات. ولكن زملائهم ومستشاريهم أصروا أنها لن تنجح وانتهى بهم الأمر للانحصار في سياسات البطالة وتخفيض الرعاية الاجتماعية الذي أعلن الكنزيون ذات مرة أنها لن تعد ضرورية.

وتجربة حكومة العمال البريطانية لم تكن الوحيدة من نوعها، فقد تكررت في فرنسا في الثمانينات عندما تخلت حكومة الحزب الاشتراكى بزعامة ميتران عن المحاولات الكنزية “لإنعاش” سياسات نتج عنها ما يقرب من  4 مليون عاطل، وفي السويد حيث  اتبعت حكومة الاشتراكيين الديمقراطيين سياسات جعلت أرض الأحلام النموذجية للاشتراكيين الديمقراطيين تعانى من نسبة بطالة بلغت 14%.

أن الواقع الأليم يشير إلى أن الكينزية لم تعد ناجحة. ولبعض الوقت في أوائل الثمانينات تمت محاولة لإنعاش السياسات الكينزية في بريطانيا من قبل يسار حزب العمال، فقد أعدوا “استراتيجية اقتصادية جديدة والتي أطلقوا عليها “اشتراكية”. في الواقع تمركزت هذه الاستراتيجية على الفكرة القديمة لكينز وكروسلاند بأن الدرجة العالية من سيطرة الدولة شاملة ضوابط الواردات، يمكنها أن تخرج بالقطاع الرأسمالى الخاص في الاقتصاد من الأزمة. وعلى آي حال فمع أواخر الثمانينات تخلى العديد من أشهر أنصار هذه السياسة عن فكرتهم. وتوجب على القيادات اليسارية السابقة مثل روبين كوك وديفيد بلانكيت وكليرشورت أن يدخلوا المادة الرابعة الجديدة (التي تتخلى عن مبدأ الملكية العامة لوسائل الإنتاج) بالرغم من ترافقها مع”تقلبات السوق الحادة”.

6) عيوب قاتلة

إن فشل تدخل الدولة “الكينزية” لإيقاف الأزمة الرأسمالية في الغرب كان يماثله انزلاق الاقتصاديات الستالينية في الشرق نحو الأزمة.أدى ذلك إلى زيادة تخبط أولئك الذين تطلعوا إلى الدولة في الغرب وفي “العالم الثالث” للتغلب على فوضى الرأسمالية. وبقدر ما تزايدت الاقتصاديات الشرقية قوة بعد قوة، كان يستخدم نموذجهم لتبرير سياسات ترمي لزيادة الاستثمار والقدرة التنافسية من خلال سيطرة الدولة في الغرب. وكان لسان حال كثير من اليساريين يقول لو فقط أمكن بشكل ما تطعيم الستالينية بالديمقراطية البرلمانية، فسيكون هناك سبيل للخروج من الأزمة من خلال برنامج إصلاح.

ولكن هذا الرأى لم يستطع الصمود أمام أحداث الثمانينات عندما اتضح أن الدول الشرقية بدأت في الانهيار الاقتصادى. فقد مرت بولندا بدورة الرخاء ـالأزمة (المتميزة) في أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات ـ وخلالها، شهدت صعود الحركة الجماهيرية للعمال، حركة تضامن، وتدميرها من خلال الحكم  ومنذ 1986 وما بعدها أعلن ميخائيل جورباتشوف زعيم الاتحاد السوفيتى أن اقتصاده يعانى من “الركود” ـحتى أزيح هو نفسه عن السلطة مع تطور الركود إلى أزمة بنفس حدة أزمة الغرب في سنوات ما بين الحربين.

ومع سقوط حائط برلين وتفكك الاتحاد السوفيتى، ادعى، كثير من أولئك الذين فهموا الاشتراكية باعتبارها خليطا من سياسات ستالين وكينز، أن الرأسمالية برهنت على تفوقها على الاشتراكية.

وفي الواقع، ليست الاشتراكية هى التي سقطت، ولكن استراتيجية التغلب على الأزمات القديمة لرأسمالية السوق عن طريق رأسمالية الدولة هى التي سقطت. جعل ذلك السقوط الفائزين والمغلوبين سواء بسواء عاجزين عن مواجهة أزمات جديدة ـكما اتضح في الغرب مع الأزمة العالمية التي بدأت في 1990 وفي الشرق مع فشل الخصخصة والسوق في إنهاء الأزمة المتفاقمة.

لقد جاءت مرحلة في تاريخ الرأسمالية استطاعت خلالها وسائل رأسمالية الدولة العسكرية تخفيف الأزمات. ولكن هذه المرحلة انتهت ثم لم تستطع كل محاولات الحكومات إصلاح الأمور مرة ثانية.

وقد تنبأت بذلك الدراسات الماركسية الأولى عن رأسمالية الدولة العسكرية التي أعدت في قمة رخاء ما بعد الحرب من قبل أناس مثل فانس وكيدرون. لقد أوضحوا في الخمسينات والستينات أن رأسمالية الدولة العسكرية تحتوى على عيوب هيكلية كانت يتجاهلها الكينزيون ومبررى الستالينية معا.

أولاً، أن المنافسة بين القوى العظمى دفعتها إلى القيام بأشكال من الإنتاج العسكرى الذي تضمن استثمار كميات أكبر كثيراً من رأس المال وبالضبط تم استبدال إنتاج البنادق بإنتاج الصواريخ وبإنتاج السفن الحربية وإنتاج الأسطول النووى بشكل متزايد وأصبحت مصانع مثل بوينج في ستيل والتي كانت ذات يوم تستخدم 120 آلف شخص تستخدم الآن أقل من نصف هذا الرقم. ونتيجة لذلك، فإن حجم الإنفاق العسكرى الذي أمكنه تحقيق التوظف الكامل للاقتصاد ككل في أوائل الخمسينات لم يكن قادراً على تحقيق ذلك مع أوائل السبعينات.

ثانياً، وفر الإنفاق العسكرى للقوى العظمى سوقاً لعديد من البلاد الأصغر التي لم تنفق هى نفسها الكثير على السلاح. هكذا كانت الولايات المتحدة ـ التي تنفق أكثر من 8% من إنتاجها القومى على السلاحـتستورد التليفزيونات والسيارات والصلب من اليابان التي تنفق أقل من 5ر0% على الأسلحة والتي استطاعت توظيف ثروات هائلة لتطوير صناعاتها المدنية.

وتطورت صناعات البلاد ذات الإنتاج العسكرى المنخفض أسرع كثيراً من منافسيها ذوى الإنتاج العسكرى المرتفع، وأصبحت تمثل جزءاً أكبر بكثير من النظام العالمى مما كانت عليه قبل ذلك بعشرين أو ثلاثين عاماً. في نفس الفترة كانت الدول ذات الإنتاج العسكري الكبير تحت ضغط المنافسة في الصناعات المدنية تقوم بتحويل الثروات إليها من صناعة السلاح ففي الولايات المتحدة انخفضت النسبة المخصصة لإنتاج السلاح من الناتج القومى من حوالى 12% في أوائل الخمسينات إلى حوالى 7% في السبعينات.

ولكن تدهور النسبة الكلية من الموارد القابلة للاستثمار في النظام العالمى التي يتم تخصصيها لإنتاج السلاح كان كافيا ليعيد إلى الظهور كل العوامل القديمة التي تخلق عدم الاستقرار الاقتصادى على مستوى النظام. لذا فقد شهدت السبعينات أولى الأزمات منذ الثلاثينات التي تؤثر على كل الاقتصاديات الغربية الرئيسية في نفس الوقت. شهدت هذه السنوات أيضا عودة الاتجاهات القديمة، التي بينها ماركس، إلى الظهور على مستوى واسع ـ وذلك لأن عملية تزايد الاستثمار على مستوى النظام تكون أسرع كثيراً من قوة العمل الموظفة وبالنسبة لاتجاه معدل الربح نحو الانخفاض.

وأخيراً، كان الاتجاه الثالث الذي تطور خلال فترة الرخاء الطويل وأعاق بشدة قدرة الحكومات القومية على التعامل مع الأزمات.

فقد كان التوسع الكبير للنظام مصحوبا بالنمو السريع للتجارة العالمية، بحوالى ضعف سرعة الناتج الاقتصادى العالمى. والمبالغ المتدفقة بين البنوك في بلاد مختلفة في يوم معين قللت من أهمية احتياطى النقد الأجنبى لدى الحكومات القومية. وقد فاقم ذلك من صعوبة أن تقوم هذه الحكومات بالرقابة على ما يفعله الرأسماليون بأموالهم. فمثلاً، كانت معظم الحكومات في الخمسينات تعتقد أنها تستطيع تحديد سعر صرف معين لعملاتهم، ومع أواخر الثمانينات شعرت الكثير منها بعجزها عن القيام بذلك.

كان نمو التجارة مصحوبا بتدويل التمويل والإنتاج، حيث لم يكن هناك غير الشركات التي تعمل عبر الحدود القومية تستطيع أن تقوم بالاستثمار في أكثر أشكال التكنولوجيا تقدماً. وأصبحت حفنة من الشركات المتعددة الجنسية العملاقة تسيطر على صناعة الطائرات والكومبيوتر وبرامج الكومبيوتر وصناعة السيارات والاتصالات وصناعة السفن. وتعرضت الحكومات الرأسمالية التي أوقفت صناعاتها الوطنية الخاصة عن التعاون مع هذه الشركات لخطر أن تفقد وسيلة الحصول على أكثر التقنيات تقدماً. ولكن تلك الحكومات التي اختارت التعاون سلمت السيطرة على القطاعات الرئيسية من الصناعة للرأسمالية المتعددة الجنسية التي اهتمت بالأرباح العالمية وليس استقرار رأس المال القومى.

وجدت الحكومات نفسها تزداد عجزا بمجرد تفجر الأزمات بدرجة لم تشهدها منذ نصف قرن. وأصيبت الحكومة البريطانية في 1976ـ 1977 والحكومة الفرنسية في 1981ـ 1982 بالشلل بسبب “تصدير العملة” في نفس اللحظة التي أتبعوا فيها حتى الحد الأدنى من “الوسائل الكينزية”.

وتعلم القادة السياسيون في بلاد “العالم الثالث” المضيفة والبلاد “حديثة التصنيع” نفس الدرس في الطريق العصيب خلال الثمانينات. ومع بداية ظهور علامات الأزمة في اقتصادياتهم أسرعوا إلى تبنى السوق و”برامج التكيف الهيكلى” التي يعدها صندوق النقد الدولى والبنك الدولى، على آمل كاذب بأن رأسمالية “السوق الحر” ستلقى نجاحاً أينما تسقط رأسمالية الدولة.

لم تكن الأمور مختلفة عن ذلك في الدول الشرقية. فقد وجدت أن معدلات نموها تتدهور ويتزايد تخلف اقتصادياتها في محاولاتها للمنافسة من داخل حدودها الوطنية الضيقة مع الاقتصاديات الغربية الأكبر. حتى أكبر الاقتصاديات الشرقية ـ الاتحاد السوفيتىـكان أقل من نصف حجم اقتصاد الولايات المتحدة والتي كان يحاول أن يواكب إنتاجها من السلاح. وعندما بدأت الولايات المتحدة جولة جديدة من الإنفاق العسكرى مع “الحرب الباردة الثانية” في الثمانينات وجد حكام الاتحاد السوفيتى فجأة أنهم لم يستطيعوا الصمود.

وبدا أن المخرج الوحيد من ذلك هو التخلى عن اقتصاد رأسمالية الدولة العسكرية الذي يدار مركزياً لصالح الحركة الحرة للسوق العالمى الخارج عن سيطرتها، مع موجات صعودها وهبوطها التي لا يمكن التنبؤ بها.

من هنا كان “الاكتشاف” المفاجئ لحكام بلاد الكتلة الشرقية، من المجر وبولندا إلى الصين وفيتنام أن “الاشتراكية” قد فشلت ـ الاكتشاف الذي دمر ثقة كل المعجبين في الغرب و”العالم الثالث” برأسمالية الدولة القديمة. ومن هنا أيضا كان التطلع الملحوظ، لدى كثير ممن ظلوا طوال حياتهم اشتراكيين في الغرب والعالم الثالث، لتبنى مزايا اقتصاد السوق في 1989ـ 1990، بالضبط عندما كانت الرأسمالية على وشك الدخول في أزمة جديدة طاحنة برهنت إنها كنظام لم تتغير بأدنى درجة، من ناحية الأسس، منذ مزق ماركس مظاهرها إرباً قبل أعوام طويلة.

« السابق التالي »