بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الاقتصاد المجنون – الرأسمالية والسوق اليوم

« السابق

6. الفصل الخامس: السقوط في الهاوية

1) مرحلة جديدة

 قد تبدو الرأسمالية في منتصف التسعينات مختلفة عن الرأسمالية في منتصف الخمسينات كما اختلفت هذه الرأسمالية في أوائل الثلاثينات. فمرة أخرى تواجهنا المستويات العالية من البطالة والأزمات المتتالية ومساحات ضخمة من البؤس. ويتواكب فائض الإنتاج مع تخفيض ميزانية الرعاية الاجتماعية والضغوط نحو تخفيض الأجور الذي يزيد من تقلص السوق بالنسبة للمنتجات ومرة أخرى يظهر الإحباط حتى بين مؤيدى النظام القائم حول مستقبله، فيعبر ويل هاتون عن حالة منتشرة عندما يكتب عن بريطانيا:

يوجد إحساس متزايد وصحيح تماماً بأزمة تشمل كل الطبقات عن طبيعة وإمكانية العمل وآثاره على كل جوانب المجتمع ـ من العناية بأطفالنا إلى التدهور المتزايد في مدننا…وينتشر عدم الاطمئنان وانخفاض الأجور والقدرات المهدرة وتصل المشكلة إلى المهن والوظائف التي ساد الظن ذات مرة أنها لن تمس…واحد من كل أربعة من الرجال في سن العمل في البلاد عاطل عن العمل…وتزايدت أعداد من يعانون من الفقر الشديد إلى نسب مقلقة، وتتوالى مظاهر التوتر الاجتماعي ـ من تفكك الأسرة إلى نمو الجريمةـكل يوم تقريباً…ويربى واحد من كل ثلاثة أطفال في فقر شديد…ويتزايد انقسام البلاد على نفسها، مع وضوح عدم اكتراث طبقة الضباط المتعجرفين بالرتب الأخرى التي تقودها. فهذه الطبقة المتميزة تتمتع بالتعليم والوظائف والسكن والمعاشات. وعلى الجانب الآخر يوجد عدد أكبر فأكبر من الناس أنهم من العمال الفقراء الجدد، أو ممن يعيشون على حساب الدولة في حالة شبه بائسة….وبينهما يوجد عدد متزايد من الناس في حالة من القلق خوفاً على وظائفهم في عصر من “التحجيم” الدائم و”تخفيض التكلفة” و”التضحية” ويزداد قلقهم حول قدرتهم على الحفاظ على مستوى معيشة لائق.

ويحاول هاتون أن يرجع ما يحدث ليس إلى مشاكل الرأسمالية عموماً ولكن إلى خصائص النموذج البريطانى الذي يدعى أنه مشوه بسبب دور المؤسسات التمويلية في مدينة لندن، ولكنه اضطر أن يعترف “إن ما يحدث في بريطانيا ليس إلا شكلا أكثر حدة مما يحدث في أماكن أخرى…فنادراً ما توجد دولة غربية لا تشكو على الأقل من إحدى المشكلات المماثلة لبريطانيا. ففي الولايات المتحدة يعد القلق في العمل مرضاً مزمناً، وكما أن أجور أدنى 10% من إجمالي قوة العمل منخفضة بحوالى 25% عن أجور نفس الشريحة في بريطانيا….وتقريبا واحد من كل خمسة وظائف في الولايات المتحدة لا يدر دخلاً كافياً لرعاية أربعة أشخاص.

كان جالبريث أحد المنظرين البارزين لـ “مجتمع الرفاهية” في الخمسينات والستينات. قد قدم وصفاً مرعباً للولايات المتحدة اليوم تقريبا بنفس درجة وصف هاتون لبريطانيا “في 1988 كان دخل 1% من الأسر في القمة يصل إلى حوالى 617 ألف دولار (حوالى 8 آلاف إسترليني أسبوعياً) ويسيطرون على 5ر13% من الدخل قبل الضريبة …ويعيش أغنى 20% في رخاء بدخل يصل إلى 50 ألف دولار سنويا (حوالى 700 إسترليني أسبوعيا) فأكثر.. ويحصلون على 51% من إجمالى الدخل قبل الضرائب. إن رفاهيتهم ومستواهم الاقتصادى المرتفع يدعمه ويقويه وجود طبقة أساسية ضخمة وذات أهمية كبيرة في الاقتصاد المعاصر لا تحظى بالقبول في الوجود في المجتمع الراقى…إن هذه الطبقة جزء لا ينفصل عن عملية اقتصادية أوسع وتخدم مستويات معيشة ورفاهية المجتمع الراقى. إن المتضررين اقتصاديا يعتمدون على وجودها…فالفقراء في اقتصادنا مطلوبون للقيام بالعمل الذي لا يقوم به الأثرياء، ويجدونه مقززاً جداً وحتى مرهقاً.

يتحدث جالبرث ببلبلة عن “غالبية راضية” من ثلثى الجماهير ـ ولكنه يقصد ثلثى أولئك الذين يهتمون بالتصويت (نصف الناخبين)، وليس ثلثى السكان البالغين. في الواقع، يلاحظ أن الغالبية العظمى من السكان الأمريكيين تسوء أحوالهم على مدى الخمسة عشر عاما الماضية، كما إن أربعة أخماس الأسر تعانى من انخفاض دخلها وانخفاض متوسط الأجور للعمال بحوالى 50%.

وهو أيضا يصر في كتاباته على  “الميل الداخلي للرأسمالية يتجه نحو عدم الاستقرار والركود والانكماش وعلى اتجاه النظام الاقتصادى بقوة للتحول إلى التدمير ـ ليس فقط على المستهلكين والعمال والجماهير بصفة عامةـبل وبعنف إلى الداخل على نفسه”. ويكتب عن تزايد حدة الانكماش والأزمة بسبب الركود الاقتصادى طويل المدى، عن الخطر المتضمن في القوة العسكرية المستقلة، وتزايد عدم الاستقرار في الأحياء الفقيرة في المدن الناتجة عن تزايد الحرمان والإحباط، بل إنه يقارن بين الولايات المتحدة اليوم والاتحاد السوفيتى قبل انهياره “.. أمور قليلة كان ممكنا أن تكون للأحداث المتفجرة في أوروبا الشرقية ما يضاهيها في الولايات المتحدة أو ربما في بريطانيا. إن الشيوعية قد فشلت والرأسمالية منتصرة، هل من الممكن أن يكون المرء متشائماً جداً ليرى عيوباً قاتلة كامنة في النظام الناجح وخفية بنفس الدرجة؟ للأسف توجد هذه العيوب.

بالطبع، لا نسمع مثل هذه الإدانات القاسية لما يحدث من اقتصاديى اليمين المحافظ. فما زالوا يحاولون الاحتفال بانهيار الاقتصاديات التي تديرها الدولة في الاتحاد السوفيتى وأوروبا الشرقية. ولكنهم يضطرون للاعتراف بأن النظام يسير بطريقة أكثر تدميراً بكثير مما كان يتردد في الخمسينات بل وفي منتصف الثمانينات.

لقد تمكن رئيس وزراء حكومة المحافظين السابق نايجل لوسون من الهجوم على خليفته كليرك لعجزه عن فهم حتمية “الدورة الاقتصادية” للرخاء والأزمة. ولاحظ صموئيل بريتان الذي تحمس “للنقدوية” في الماضى والمحرر في جريدة الفايننشال تايمز ببلبلة “العوامل الكامنة مثل التراجع عن ضمان العمل مدى الحياة الذي تعانيه كل البلاد والتي تنتج عدم استقرار العمل. وتعكس صحف المحافظين زيادة التوتر في حياة العاملين في عناوين رئيسية مثل العمل الزائد مرض الطبقة الوسطى المزمن، وحتى وهم مستمرون في الضغط لزيادة أعباء العمل بالدعوة إلى توفير العمل والنقد العنيف للممارسات الأسبانية القديمة في نفس الوقت يعترف اليمين الجديد بعجز النظام عن بث الأمل في الكثيرين الذين يعيشون داخله مع الدعوة إلى تخفيض ميزانية الرعاية الاجتماعية ـ حتى في حالة نيوت جينجريتش في الولايات المتحدة، وامتداح ورش القرن التاسع عشر كطريقة للتعامل مع الطبقة الدنيا.

إن هذه الدعوة كانت مفارقة بالنسبة لدعوة الخمسينات عندما وعد ـ حتى اليساريون المحافظون مثل ايزنهاور في الولايات المتحدة وماكميلان في بريطانياـالجميع بحياة أفضل، وعندما كان الحلم الأمريكى يعنى ليس فقط الازدهار للطبقة العليا ولكن أيضا الأمان للطبقات الدنيا، وعندما فازت حكومة المحافظين في بريطانيا بالانتخابات حول شعارات “نحن جميعا طبقة عاملة اليوم” و “أنتم لم تشهدوا رخاء كهذا أبداً”. إنها أيضاً مفارقة بالنسبة للثمانينات، وعندما وعد كل من ريجان في الولايات المتحدة وتاتشر في بريطانيا “بالرأسمالية الشعبية” حيث تنهمر الثروة من الأغنياء على الفقراء.

وبطريقتهم الخاصة، يعترف كل من يسار الوسط واليمين بأن النظام دخل مرحلة جديدة في الربع الأخير من القرن العشرين مرحلة تتشابه بوضوح ولكن بدرجة أعلى بكثير مع تلك التي شهدها في الربع الأول من القرن.

توضح الإحصائيات المجردة ذلك حيث كانت معدلات النمو الاقتصادى في كل البلاد المتقدمة وتقريبا في كل بلاد العالم الثالث وكذلك البلاد “حديثة التصنيع” غير الآسيوية منخفضة منذ منتصف السبعينات عما كانت عليه منذ 25 سنة مضت.

وقد ارتفع متوسط معدل البطالة خلال هذه الفترة أيضا ففي البلاد المتقدمة تنتشر معدلات البطالة بنسبة 8% أو حتى في حالة أسبانيا وايرلندا تصل إلى 20% وفي العالم ككل  تقدر الأمم المتحدة عدد العاطلين بألف مليون شخص. وحتى الجزء الذي ينمو أسرع من الاقتصاد العالمى والشهير “بالمجال الاقتصادى الصينى” (الصين وهونج كونج وتايوان وسنغافورة) يتركز النمو حول مناطق معينة، بينما في عمق الصين الواسع يتوق مئات الملايين إلى الهرب من البؤس الريفي، ولكن لا يمكن توفير فرص عمل لهم في المدن.

الدولة

متوسط معدلات النمو 60ـ 1968

إجمالي الناتج القومي لكل فرد79ـ 1988

الولايات المتحدة

6ر2

9ر0

اليابان

8ر8

1ر3

ألمانيا الغربية

2ر4

9ر1

فرنسا

9ر4

4ر2

المملكة المتحدة

7ر2

6ر2

إيطاليا

3ر6

6ر1

إن تباطؤ معدلات النمو يعكس انخفاض متوسط معدلات الربح. ورغم كل الضغوط لزيادة سرعة العمل وتخفيض الأجور. كان متوسط معدلات الربح في كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبى في أواخر الثمانينات فقط حوالى 60% من مستواها في الخمسينات والستينات.

ردت الشركات على انخفاض الأرباح كما كانت تفعل دائما في الماضى بمحاولة كل منها لتعزيز موقفها بتخفيض قوة العمل أكثر وزيادة الاستثمارات “كثيفة رأس المال”.

لقد تزايد معدل رأس المال بالنسبة للعمل على مستوى العالم، فازداد بنسبة 4ر2% سنوياً في الصناعات الإنتاجية في الولايات المتحدة بين 1977 و 1978 وازداد بنسبة 2% سنويا بالنسبة للاقتصاد البريطانى ككل في الثمانينات، وتضاعف في الصناعة الصينية فيما بين 1985و1990 وفي أمريكا اللاتينية تزايد الاستثمار بالنسبة للعامل بمقدار 2000 دولار في فترة الثمانينات. ولكن ذلك يعنى أن الاستثمارات الجديدة توفر فرص عمل جديدة أقل فأقل. فينجرف الناس خارج القطاعات الصناعية القديمة “غير القادرة على المنافسة” دون توفير فرص عمل لهم في قطاعات جديدة متقدمة تكنولوجياً.

إن توسع الإنتاج باستخدام عمل أقل، من الممكن أن يؤدى إلى تحقيق الأحلام الطوباوية للبشرية كلها في الخمسة آلاف سنة الماضية ـ إلى عالم خالى من الندرة القاتلة والى التحرر من ضغط العمل وإلى وقت فراغ للإبداع الحقيقىـولكنه في ظل النظام الحالى بدلا من ذلك ينتج ببساطة مفارقتين لعينتين. فهناك عدم التوازن المتزايد بين مستوى الاستثمار ومستوى الربح المطلوب لدعم ذلك الاستثمار، وهناك الفجوة المتزايدة بين الناتج الممكن للاقتصاد وبين القدرة الشرائية لدى الناس لتوفير “الطلب الفعال”.

إن تراكم رأس المال الإنتاجي يحدث بطريقة عشوائية، فجأة يتقدم إلى الأمام ويقضى على الوظائف القديمة ثم خوفا من عدم تحقيق أرباح يتوقف فجأة ويمنع إيجاد فرص عمل جديدة، وتخفض الشركات قوة العمل حتى تسبق منافسيها وتطلب من بقية العمال الموجودين أن يعملوا أكثر وأشد. ومع تزايد حدة المنافسة تخصص الشركات موارد أكثر في أشكال من المنافسة غير الإنتاجية في الإنفاق على التسويق والإعلان والتطوير والتغليف. ومع انخفاض متوسط معدلات الربح، هكذا يتزايد السعى المحموم وراء  تحقيق أرباح طائلة من المضاربة في البورصات العالمية وفي تنمية المكاتب وقيم الأراضى وفي أسواق السلع والعملات الأجنبية وتنصب تريليونات من الدولارات في تمويل عالمى كامل من الأسهم والسندات والأوراق المالية المنفصلة تماماً عن الإنتاج الحقيقى للثروة من خلال العمل والآلات.

ربما يكون النظام قد دخل مرحلة جديدة ولكن الطريقة التي يعمل بها ليست جديدة إنها في جوهرها تماماً الطريقة التي وصفها ماركس.

إن المعنى الوحيد “لتجاوز” ماركس ليس أن النظام أصبح أكثر عقلانية مما كان يعتقد، بل لأن الصورة التي قدمها تقلل من درجة تدميرية النظام. فالرأسماليون لا يحاربون فقط بعضهم البعض على الأسواق، بل أيضا يستخدمون الدولة لإجبار  الرأسماليين المنافسين على الإذعان لطلباتهم، مستبدلين المنافسة الاقتصادية بمظاهر الجبروت العسكرى.

فتحاول الرأسمالية الأمريكية أن تقنع الرأسمالية الأوروبية واليابانية للإذعان لأوامرها بالبرهنة على أنها الوحيدة التي لديها القدرة على إشعال الحرب في مناطق البترول الغنية الهامة في الشرق الأوسط. ويعتمد الرأسماليون الإيرانيون والأتراك على مساعدة دولهم في المنافسة فيما بينهما على النفوذ والتعاقدات في الحزام الجنوبى من الاتحاد السوفيتى السابق. ويشجع الرأسماليون الأتراك واليونانيون سباق تسلح على مستوى صغير حيث يسعى كل منهم لأن يلعب دوراً مسيطراً في بلاد البلقان التي سيطرت عليها روسيا ذات يوم. وألمانيا تدعم كرواتيا والولايات المتحدة تدعم مسلمى البوسنة واليونان تدعم الصرب في الحروب البشعة في يوغوسلافيا السابقة.وتشن العسكرية الروسية حرباً فظيعة للسيطرة على أنابيب البترول الهامة عبر الشيشان ومن أجل النفوذ على جمهورية طاجيكستان على حدود أفغانستان. وتصطدم كل من الصين والفليبين وماليزيا من أجل السيطرة على احتياطات البترول المفترض أنها تقع بالقرب من الجزر الغير مأهولة في بحر الصين. وتحاول إسرائيل أن تنزع من مصر السيطرة الاقتصادية في الجزيرة العربية.

ولكن النتيجة أنه في أى نقطة من الزمن توجد نصف دستة حروب أو حروب أهلية باستخدام أكثر أشكال الأسلحة التقليدية بشاعة في جزء أو آخر من العالم.

وإلى جانب المذابح والمجاعات التي تصيب قطاعات أوسع من البشر   فإن هناك شيء آخر يتهددنا لم يكن واضحا في عصر ماركس ـ هو خطر تدمير البيئة التي نعتمد عليها في البقاء. كان ماركس وإنجلز مدركين تماماً أن السعى المجنون لتراكم رأس المال يؤدي إلى التلوث ـ تسمم الأرض والهواء وسوء الأغذية وانتشار الأوبئة القاتلةـوكتب إنجلز عن ذلك بوضوح في كتابه ضد دوهرنج. ولكنهما كانا يعيشان في عصر كانت الرأسمالية فيه محصورة في مناطق صغيرة نسبيا من العالم، وتأثيرها لا يقع على البيئة في العالم بأسره ـ كما اتضح من الطريقة التي انتشرت بها السحب المشعة من تشرنوبيل في أوروبا بكاملها. وكما اتضح من الطريقة التي خلت بها البحار من الأسماك. ومن تدمير طبقة الأوزون بسبب الغازات المستخدمة في الإيرسول والثلاجات. والأهم من ذلك هناك خطر ظاهرة الاحتباس الحراري التي أدت إلى عدم استقرار المناخ في العالم ككل فأغرقت البلاد المنخفضة وحولت مناطق خصبة إلى صحراء.

هذه هى الأوضاع التي يتوقع المدافعون عن السوق الرأسمالى أن ندافع عنها.

2) لا إجابات جديدة

تبدو التوقعات بائسة بالنسبة للنظام الحالى وبالنسبة لخمسة مليارات إنسان يعيشون في ظله. وأكثر المؤمنين بإصلاح النظام سعة في الأفق يرون ذلك. فيحذر وليام هوتون قائلا “لو لم تعترف الرأسمالية الغربية عموما والرأسمالية البريطانية على وجه الخصوص بأن عليها مسئوليات اجتماعية وسياسية نحو العالم الذي نعيش فيه فسوف ننقاد إلى الدمار الشامل”.

ومع ذلك فإن محاولات إصلاح النظام أقل نجاحاً بصورة مطلقة مما بدت عليه في الخمسينات أو حتى في تسعينات القرن التاسع عشر.

ويلاحظ هوتون نفسه أنه في السويد ـ التي كانت تصور على أنها أرقى مثال على التنظيم الاشتراكى الديمقراطى للرأسمالية ـجاءت الهجمات الأولى على دولة الرفاه منذ الثلاثينات من حكومة اشتراكية ديمقراطية “لتلجيم الزيادة في الاقتراض الحكومى”، بينما في فرنسا تبنت حكومة الحزب الاشتراكى في أواخر الثمانينات سياسة الانكماش التنافسى والتقشف الاقتصادى التي أدت إلى البطالة بين الشباب أعلى من مستواها في بريطانيا، ولم يكن الاشتراكيون الأسبان وحزب العمال في نيوزلندا أقل حماسا حول تخفيض الموازنة والخصخصة وإعادة هيكلة دولة الرفاه مما يدعى المحافظون الكنديون. وفي كل مكان هدأت الحدة الأيديولوجية للمنافسة السياسية فالأحزاب السياسية المختلفة عندما تتولى السلطة تقدم برامج متماثلة.

في بريطانيا، استغل جوردون براون المتحدث الاقتصادى لحزب العمال مؤتمراً حول التغيرات الاقتصادية العالمية في 1994 لانتقاد محاولات الإصلاح السابقة بقوله “لقد حاول حزب العمال في الماضى تعويض فشل وجور قوى السوق الحرة من خلال استبدال السوق بالحكومة وغالبا ما اعتبر سياسات الضرائب والاقتراض والإنفاق إصلاحا سريعاً انفصاليا للتدهور القومى”  ولخصت صحيفة الاندبندانت ـ التي تتفق مع الكثير من أفكار براونـكلمته تحت عنوان براون “يتخلى عن كينز”.

برر براون موقفه بالقول أن “عولمة” الرأسمالية ـ أي انتشار الإنتاج متعدد الجنسية والتمويل وكذلك التسويقـينفي المحاولات الكينزية القديمة من قبل الدولة القومية لحماية نفسها من تقلبات الاقتصاد العالمى. تم توضيح هذه الرؤية بصورة أكثر اكتمالا ودقة من قبل أحد المستشارين السابقين لبراون فيجادل الاستاذ ميجناد ديساى من كلية لندن للاقتصاد في سلسلة من الأعمدة في صحيفة تريبيون “لم يعد ممكنا إتباع سياسات كينزية يسارية في مجال بلد واحد…نحن نشهد الآن في التسعينات عودة لنوع من الاشتراكيين الأمميين في القرن التاسع عشر أدركوا مع الحركة العالمية لرأس المال، والدولة عاجزة عن ممارسة سيطرة كبيرة على الاقتصاد.”

ويؤكد “أن عدم نجاح الحكومات الاشتراكية والإصلاحية لا ينتج عن فشل الإدارة أو جبن القيادة، إن المشكلة هى إعادة إحياء الرأسمالية…ولمدة قرن بعد ماركس وإنجلز تظل الرأسمالية تعيد إنتاج نفسها باستمرار، وهذا يعنى أنه حتى الملكية العامة للاقتصاد ليست ضمانا للسيطرة على السوق”.

دفعت هذه الرؤية قيادة حزب العمال إلى نبذ الصياغة القديمة للفقرة الرابعة من وثيقة الحزب، والتخلي عن تبنيه “للملكية العامة لوسائل الإنتاج والتوزيع والتبادل”، وحجتهم مثل أولئك المفكرين “التراجعيين” في تسعينات القرن الماضى وفي خمسينات القرن الحالى، إن هذه الصياغات أصبحت “قديمة” تتجاهل “التغيرات الجوهرية” في الرأسمالية. ويؤيدهم في ذلك اقتصاديون يمكن تسميتهم “يسار الوسط” مثل هوتون وديساى.

ومع ذلك يوجد فارق هام بين أفكار قيادة حزب العمال اليوم وتلك التي استخدمها “التراجعيين” برنشتاين في تسعينات القرن الماضى وكروسلاند في خمسينات القرن الحالى. فقد رأى برنشتاين وكروسلاند أن النظام لا يتطلب التغيير الثورى الجذرى لأنه كان يتغير من تلقاء نفسه إلى شكل ما إنسانى وعقلانى هكذا أصر برنشتاين “في كل البلاد المتقدمة نرى مزايا البرجوازية الرأسمالية تميل خطوة خطوة إلى التنظيمات الديمقراطية…وتكتسب المصلحة العامة سلطة إلى مدى يتزايد في مواجهة المصلحة الخاصة ويتوقف التأرجح البدائى للقوى الاقتصادية….هكذا يخلص أفراد وأمم بكاملها جزءاً أكبر من حياتهم من سيطرة الضرورة التي تحاصرهم”.

كان التدويل المتزايد للنظام يعنى أن الأزمات الكبرى أمر من أمور الماضى “إن التوسع الهائل للسوق العالمية…قد زاد من إمكانية معالجة الخلل..والأزمات الاقتصادية العامة المشابهة للأزمات الأولى سوف تعتبر غير محتملة الوقوع”. بالإضافة “أن حافز المضاربة يتوقف عن أن يلعب دوراً حاسماً في القطاعات الرئيسية من الإنتاج.

طور كروسلاند كما رأينا هذه الرؤية مدعيا أن الحكومة تستطيع “أن تمارس أى تأثير ترغب فيه على توزيع الدخل وتقرر داخل حدود واسعة تقسيم الناتج الكلى بين الاستهلاك والاستثمار والصادرات والإنفاق الاجتماعى”، وادعى أن هذا يتيح لها ضمان التوظف الكامل، وأن تقلل من مستوى الفقر، وأن تزيد من حقوق العمال وتخلق الشروط من أجل “المساواة”. لقد كانت هذه القدرة هى التي جعلت من السيطرة الاشتراكية على وسائل الإنتاج المملوكة لأفراد “غير ضرورية”.

وعلى النقيض ينادى بلير وبراون وآخرون بأن هدف الملكية الاجتماعية يجب إسقاطه لأنه لا سبيل لإيقاف سيطرة قوى السوق على الجنس البشرى. فيرحبون في صياغاتهم الجديدة للفقرة الرابعة “بديناميكية السوق وعنف المنافسة” ـ برغم ذلك كما يحتمل أن يوضح أى هايكى (من أنصار هايك) أن “ديناميكية السوق” هى “التدمير البناء” لفروع كاملة من الصناعة وحياة أولئك الذين يعملون فيها، بينما عنف المنافسة يعنى زيادة الضغوط للعمل أشد ولوقت أطول في مقابل أجر أقل.

ربما لا تتكلم قيادة حزب العمال نفسها بهذه المصطلحات الهايكية، ولكنهم يقبلون منطق هذه الرؤية. فهم يرددون أقوال السياسيين اليمينيين بأنه على الناس أن ينسوا فكرة “العمل مدى الحياة” ويتبنون مطلب أصحاب العمل من أجل “قوة عمل مرنة”، ويرفضون أن يلزموا أنفسهم بأى وعد “بالتوظيف الكامل”. وحقا، لديهم رؤية جاهزة للتأثير بأن حكومات العمال الماضية ظهر فشلها لأنها وعدت بأمور “لم تستطع تقديمها”. والطريقة الوحيدة لتجنب ذلك في المستقبل، كما يدعون، هو عدم تقديم أى وعود تقريباً. وفي الحقيقة ما يطرحونه ليس وعود برنشتاين وكروسلاند بإصلاحات غير محدودة كبديل عن الثورة، ولكن إصلاحية بدون إصلاحات.

3) النزع الأخير للإصلاحية

“نقول ما نعنى ونعنى ما نقول” هذا هو الشعار المفضل لقيادة حزب العمال. ولكن لا يمكنهم الاعتراف علنا بعدم قدرتهم على تقديم أى إصلاحات للجماهير التي تؤيدهم. لذا يتلاعبون بأفكار معينة ويعتمدون على اقتصاديى يسار الوسط وصحافته مثل ويل هوتون وويليام كيجين لتقديمها. ويجادل هؤلاء بأنه توجد نماذج بديلة من الرأسمالية التي تعمل أفضل كثيراً من تلك التي فشلت في بريطانيا. وتعتبر أشكال “السوق الاجتماعى” و “الشعبى” (بكلمات هوتون) التي توجد في ألمانيا واليابان أمثلة لها. ويقال أن هذه النماذج تمنح العمال درجة أعلى من الأمان لذلك تتمتع بتعاون أكبر مهم وهذا يوفر للشركات أرباح أعلى بينما في نفس الوقت يقدم للعمال شروطاً أفضل. وأكثر من ذلك، إن تبعية رأس المال التمويلى لرأس المال الصناعى في هذه البلاد يجعل من الأسهل بالنسبة لها الهروب من الأزمات. والنتيجة يدعى هوتون أنه في ألمانيا:

تتجاوز النقابات عن حق الإضراب وإتباع مصالحها الخاصة بغض النظر عن ظروف الشركات، وفي المقابل الإدارة تتخلى عن إدارة الشركات أوتوقراطياً من أجل المصالح الضيقة لحاملى الأسهم. وبدلا من ذلك هناك التوفيق لصالح السلوك المنظم والتعاون والذي يهدف إلى تنمية الإنتاج والاستثمار. والبنوك الألمانية جهات دعم مستقرة للصناعة الألمانية ولحاملى الأسهم القدامى…ويقابل هذا الاستقرار في الملكية والدعم التمويلى بنظام رفاهية يوفر درجة عالية من الرعاية الاجتماعية، كتعبير واضح عن التضامن الاجتماعى. بينما تشدد الأنظمة الرأسمالية بشرق أسيا وخاصة اليابانية على الثقة والاستمرارية والسمعة والتعاون في العلاقات الاقتصادية…فالشركة هى الوحدة الاجتماعية الرئيسية والتي يكون الأفراد أعضاء فيها وليسوا ببساطة عمالاً…والتفاوت في الدخل في أقل مستوى له على العالم. والدولة تسعى إلى بناء الوفاق وتوجه الشركات والنظام التمويلى في الاتجاه الذي يرسخه هذا الوفاق.

إن منطق كل من وجهتى نظر هوتون وكيجان (المختلفين قليلاً) يؤيد حكومة إصلاحية في بريطانيا إعادة تشكيل الرأسمالية البريطانية لتتفق مع هذا الخط.

ومع ذلك، لم يكن النموذج البريطانى للرأسمالية فقط التي عانت من الأزمة في التسعينات ولكن أيضا النموذجين الألمانى واليابانى ـ ففي وقت الكتابة ـ كانت ألمانيا تفيق من أزمة حادة، مع مستويات بطالة جارية لا تزال أكثر من 8% في الغرب مرتفعة 2% عما كانت عليه منذ ربع قرن مضى. وقد انخفضت المستويات الحقيقية لمعيشة العمال بسبب “ضريبة الوحدة” المصممة لتغطية تكاليف استيعاب اقتصاد ألمانيا الشرقية داخل الرأسمالية الألمانية. كما أثار أصحاب العمل إضرابات في صناعة التعدين الرئيسية في محاولة فاشلة لتخفيض الأجور أقل من مستوى التضخم وتأجيل تطبيق نظام 35 ساعة عمل أسبوعياً. وهناك حملات منظمة من أصحاب العمل المزعوم بأنها “تراعى الجانب الاجتماعى” لتخفيض المعاشات وأرصدة الرعاية الاجتماعية الأخرى.

وكما يعترف هوتون نفسه إن نموذجه أبعد ما يكون عن الاستقرار “تحت ضغط العولمة والمنافسة الحادة على التكلفة بدأت الصناعات متوسطة الحجم في التلاشى وهناك مخاوف من أن تجبر الشركات الألمانية الكبرى على الحصول على إمداداتها من بلاد منخفضة التكلفة بينما يفوز المنتجون العالميون بالعمل في موطن الصناعات متوسطة الحجم. وتحت نفس الضغوط يزعم أن البنوك الألمانية تصبح أقصر عمراً في مداها…وتطالب الشركات الكبرى في محاولة جادة للاقتداء باليابانيين واحتواء التكاليف من خلال الاتفاق على الأعمال الفرعية (والتنفيذ بمقاولات الباطن) وأنظمة صناعة “الوقت المحدد” (just in time) لدفع مورديها لأن يصبحوا أكثر مرونة.

وبالنسبة لنموذج “الشرق الأقصى” يعترف هوتون بأنه تضمن دائماً ساعات طويلة وغالبا ظروف عمل مهينة، وأكثر من ذلك عادة ما يفرضه دولة الحزب الواحد مثل تايوان والصين وسنغافورة ومثل اليابان فعليا لمدة 40 عاما أو ديكتاتوريات عسكرية مثل كوريا.

إن أكبر اقتصاد في شرق أسيا ـ في اليابانـيواجه الآن الكثير من نفس المشاكل كما في بريطانيا والولايات المتحدة وقارة أوروبا. فقد اندفع في أزمة عميقة في أوائل التسعينات تهدد الاستقرار المالى لبنوكها الكبرى. وقد جاء في الفايننشال تايمز أخبار “الانتقال المنتظم للإنتاج إلى الخارج” حتى أصبح حوالى سدس الإنتاج الصناعى عبر البحار. بينما تعانى كثير من الصناعات اليابانية من فائض الطاقة الإنتاجية في الداخل وتواجه تحديات متزايدة في الخارج. وفي 1994 ارتفعت البطالة إلى أعلى معدلاتها في 40 عاما مع توفر 64 فرصة عمل فقط لكل مائة شخص يبحث عن عمل. بعد كل هذا فمن الصعب فهم لماذا يجب أن تطرح الرأسماليات اليابانية والألمانية المترنحة نموذجاً لرأسماليات أضعف مثل تلك في بريطانيا.

إن الحديث عن “النموذج الأوروبى” أو “الشرق أسيوى” من الرأسمالية غالبا ما يكون مرتبطاً برؤية حول أهمية “رأس المال البشرى”، المهارات المتضمنة في العمل ذو التعليم العالى. فقد أكد جولدن براون على سبيل المثال أن هذا هو مفتاح التطور الرأسمالى اليوم فضلاً عن وسائل الإنتاج. وأكثر من ذلك يدعى براون أن ذلك يجعل “الجدل القديم” حول من يملك الصناعة لا معنى له.

في حين يرى براون أن طريق الرأسمالية البريطانية للتغلب على جوانب ضعفها هو أن تقوم بالاستثمار في رأس المال البشرى عبر التركيز أكثر على تدريب قوة عمل ماهرة. ويمكن أن ينتج ذلك عن مستويات معيشية أعلى وخدمات اجتماعية افضل يعوضها مستوى إنتاجية أعلى، حيث يدخل الاقتصاد مجالاً جيداً لارتفاع الناتج الشهيرة بـ النمو الكيفي.

وتحتوى هذه الفكرة على ثلاثة ثغرات أولية. أولاً أن أعلى أشكال العمل مهارة اليوم لا يتحقق من تلقاء ذاته بدون وسائل إنتاج متقدمة. وفي الحقيقة أنه أكثر اعتمادا عليها عما سبق، ولهذا السبب يتزايد معدل الاستثمار بالنسبة للعمل على مستوى العالم ككل.

ثانياً لا يوجد سبب لماذا يجب أن تستطيع أى دولة معينة أن تحتكر توريد العمل الماهر. فحتى البلاد المتخلفة صناعيا مثل الهند والصين تضم عدة ملايين من الناس ذوى التعليم العالى لديهم كل المهارات المطلوبة للوظائف شديدة التعقيد مثل الهندسة المدنية وهندسة الكومبيوتر وهكذا، ناهيك عن وظائف ذات المهارة المتوسطة مثل إدخال البيانات ومعالجة البيانات ومعالجة الكلمات في الكومبيوتر. ويمكن فقط لنسبة ضئيلة من إجمالى السكان حيازة هذه المهارات، ولكن إجمالى السكان كبير بالقدر الكافي لتكون هذه النسبة الضئيلة قادرة على توفير كميات موازية من العمل الماهر للرأسمالية العالمية لما توجد في كثير من البلاد المتقدمة. في نفس الوقت فإن التقدم في تكنولوجيا الاتصالات يجعل من الممكن تنفيذ التصميمات المعقدة ومهام الكومبيوتر في البلاد الأقل تقدما لإعادة إرسالها إلى المراكز المتقدمة للإنتاج.

في ظل هذه الظروف سوف يستخدم الرأسماليون التهديد بنقل هندسة الكومبيوتر مثلا إلى مكان ما مثل بانجالور في الهند كأداة لتخفيض الأجور وزيادة ظروف العمل سوءاً لقوة العمل في بريطانيا. ولا شئ مما يقترحه براون وهوتون سوف يوقفهم.

ثالثاً حتى لو كان “رأس المال البشرى” محورياً فلن يوقف ذلك الاتجاه العام في كل من النظام العالمى وقطاعه البريطانى نحو أزمات أعمق. ستظل الضغوط قائمة على أصحاب العمل لتقليل مستويات التوظيف. هكذا ـ مثلاًـنجد أن تكنولوجيا الاتصالات الجديدة المعروفة باسم “تيليماتيكس”، والقائمة على التكامل بين تكنولوجيا الاتصالات والكومبيوتر بدلاً من تساهم في توسيع التوظف، تدمر وظائف أكثر من التي توفرها، حسب ما جاء في دراسة للأستاذ جون جودارد بجامعة نيو كاسل. ولا شئ يوقف الخراب الذي تسببه أزمة الإنتاج الزائد الدورية، الخراب الذي سوف يزداد مع الوقت بسبب الضغوط نحو انخفاض معدل الربح.

إن عجز رفع مستوى المهارات في اقتصاد قومى لا يمكنه التخفيف من اتجاهات الرأسمالية نحو الأزمة وهو أمر لم يلاحظه ماركس فحسب في منتصف القرن التاسع عشر، بل أيضا كينز في سنوات ما بين الحربين، لأن مسألة المهارات باستخدام لغة الاقتصاديين تهم “جانب العرض” في الاقتصاد وليس “جانب الطلب” ولذلك ليس لها تأثير بالنسبة “لأزمة الإنتاج الزائدة” والبطالة التي اعتادت الكينزية على الادعاء بأنها قادرة على التعامل معها. بالتخلى عن هذا الادعاء يعترف إصلاحيو اليوم أنهم لا يملكون حلولاً للمشكلات الأساسية التي تواجه جماهير الناس اليوم مثل البطالة المتزايدة، وعدم استقرار العمل على مستوى العالم، وتزايد أعباء العمل والضغوط من أجل تخفيض مستويات المعيشة.

كما يعترف هوتون كيف أن الخيارات محدودة بالنسبة للدولة القومية “.. إن الأجانب يملكون ربع الأسهم البريطانية والسندات والودائع البنكية. إن معارضة أسواق رأس المال قوية بشكل خاص والحكومة البريطانية ستكون سجينة مطالبها من أجل الحذر المالى والنقدى.”

وبرغم ذلك، لم يصل في استنتاجه إلى فهم أنه في ظل هذه الظروف تكون الإصلاحية الكينزية أوهام فاشلة، ولكن بدلاً من ذلك يدعى أن الكينزية على مستوى أوروبا يمكن أن تنجح بينما الكينزية القومية لا يمكنها ذلك.

إن بريطانيا لها مصلحة خاصة في بناء نظام عالمى أكثر استقراراً. والبلاد المنفردة لا تستطيع العمل بمفردها وهنا يصبح الاتحاد الأوروبى وإمكانياته لتنظيم الفعل المنظم حاسما. إن بلاد الاتحاد الأوروبى مجتمعة لديها القدرة على تنظيم أسواق المال والتحكم في تدفق رأس المال، وأن تلعب دوراً في إجبار الولايات المتحدة واليابان على إدارة علاقاتهم أفضل كجزء من اتفاقية عالمية. ولديهم إمكانية إدارة الطلب أى دفعه وتخفيضه عند الضرورة دون أن تخرج سياساتهم عن مسارها بسبب أسواق رأس المال…إذا أرادت أوروبا الدفاع عن فكرتها عن دولة الرفاه سيتوجب عليها أن تفعل ذلك بطريقة موحدة.

مع ذلك يبرهن أى امتحان دقيق لما أطلق عليه الإصلاحية “الأوروبية الكينزية” أنها مليئة بالثغرات مثل إصلاحية “رأس المال البشرى” فهى تفترض أن قوى الرأسمالية الأوروبية المختلفة يمكنها أن تسقط خلافاتها ببساطة وتتعاون اقتصاديا، في حين أنها فشلت طويلاً في التعاون للإبقاء على تعادل عملاتها داخل الاتحاد النقدى الأوروبى، أو حتى تنسيق سياساتها الخارجية للتعامل مع الحرب الأهلية في يوغوسلافيا السابقة الواقعة مباشرة عبر حدود الاتحاد.

ولكن في الواقع، كل بلد من بلاد الاتحاد ترتبط الشركات الوطنية الكبرى بعلاقات وثيقة مع الدولة القومية وتمارس ضغوطا عليها لحماية مصالحها ضد الشركات الأخرى والبلاد الأخرى.

وأكثر من ذلك، إن تدويل النظام يعنى أنه حتى حكومات الاقتصاديات الكبرى في العالم ـ حكومات الولايات المتحدة واليابانـمحدودة القدرة فيما يمكن أن تفعله بسبب ضغوط المنافسة العالمية. إن أوروبا رأسمالية موحدة ستجد نفسها خاضعة لنفس الضغوط، وسيكون رد الشركات الكبرى هو توجيه ضغوطها على الحكومات لمهاجمة أحوال العمال.

هكذا ادعى ملحق لجريدة الفايننشال تايمز “هل يمكن لأوروبا أن تنافس؟” نشر في أوائل 1994 أن البدائل هى إما “قدرة تنافسية أعلى وتحرير سوق العمل والإصلاح الراديكالى للقطاع العام أو أن يصبح الاتحاد الأوروبى مياه راكدة للاقتصاد العالمى.

أخيرا، والأهم، يتجاهل الكينزيون الأوروبيون أن واقع الرخاء الطويل بعد الحرب لم يكن نتيجة للإجراءات الكينزية. إن كينز لم يتسبب في الرخاء الطويل أكثر من كون الاستيقاظ في الصباح هو الذي يتسبب في شروق الشمس. بل كان يرمز لشىء كان يحدث على آى حال، عندما تحولت الحكومات إلى مستوى هائل من الإنفاق العسكرى ومعه إلى التدخل الواسع في الاقتصاد. وحقا، كانت وصفاته الخاصة للحفاظ على استمرار الرخاء نادراً ما استخدمت أثناء “العصر الذهبى”. ومن الغريب بما يكفي أن هوتون ـ أحد أكثر المتحمسين من كينزيى آخر الزمانـاعترف بذلك في أحد أعمدته لجريدة الجارديان موضحا “إن البرهان الذي قدمه روبين ماتيوس منذ فترة طويلة تعود إلى 1968 بان كمية الضخ الكينزى لإدارة الطلب في الخمسينات والستينات كان منخفضاً نسبياً ولم يكن ممكنا أن يكون مسئولا عن الفترة الطويلة من التوسع الاقتصادى، وقد تمت محاولات لاستخدام الوسائل الكينزية في كل البلاد المتقدمة عندما وصلت هذه الفترة إلى نهايتها في منتصف السبعينات وتم التخلى عنها في كل مكان لأنها لم تنجح.

وهنا نجد إن أمثال هوتون يسعون إلى الشهرة عندما يدعون أن هذه السياسات يمكن أن تنجح إذا استخدمت على المستوى الأوروبى بعد عشرين عاما.

أنهم يشكون في ذلك، فيرفض السياسيون أمثال بلير وبراون ـ واندادهم في فرنسا وألمانيا وإيطاليا وأسبانيا واسكندنافياـأن يعدوا بتحسينات في الرعاية الاجتماعية أو مستويات البطالة أو ظروف العمل ولكن ذلك يؤدى بهم إلى سياسات اقتصادية لا يمكن تمييزها عن معارضيهم المحافظين.

ومن هنا أضطر هوتون مرة لأن يعترف بذلك عندما انتقد قائد حزب العمال في الجارديان لإلقائه كلمة “كان ممكنا أن يلقيها إيدى جورج محافظ بنك إنجلترا أو ميشيل كامديسو رئيس صندوق النقد الدولى…إن هذا الموقف امتداد لثورة اليمين الجديد في السبعينات الذي يضم منظروه ميلتون فريدمان وفريدريك هايك”.

4) الاشتراكية أو البربرية

في أوائل القرن الواحد والعشرين نجد أنفسنا نعيش في ظروف شبيهة بتلك السائدة في الجزء الأول من هذا القرن. نجد الخطر الذي يواجه العالم إذا لم نتمكن من التعامل مع الأزمة الحالية، هو الدخول من جديد في أوضاع مماثلة لأوضاع النصف الأول من القرن العشرين. تلك “الأوضاع” شملت حربين عالميتين، وصعود النازية، وانهيار الديمقراطية عبر معظم أوروبا، وانتصار الستالينية، ومعسكرات الموت والكولاك. إذا كان لها أن تتكرر في مدى سنوات قليلة، فلا شك أنها ستكون على مستوى أكثر فظاعة بكثير. وسوف نواجه أنظمة فاشية تمتلك أسلحة نووية، مع خراب ودمار بدرجة حتى هتلر لم يكن ليتخيلها. وسوف نواجه فعلا مستقبل البربرية، إن لم يكن الدمار النهائى للبشرية كلها.

لا يجب أن تعامل التحذيرات من هذا المستقبل بميوعة. فبالفعل بدأت أزمة التسعينات في إطلاق نفس القوى البربرية التي رأيناها في الثلاثينات. وفي بلد تلو الأخرى يصنع المغامرون السياسيون الذين يؤيدون النظام الحالى مستقبلهم الوظيفي بمحاولة التضحية بالأقليات الدينية والعرقية. وفي روسيا حصل جيرنوفسكى العنصرى المعجب بهتلر ونصير الحرب النووية على 24% من الأصوات في انتخابات نوفمبر 1993. وفي بومباى، معجب أخر بهتلر، بال ذاكارى، ويدير المقاطعة، يهدد بإشعال الحرب ضد الأقلية المسلمة. وفي تركيا تشن الدولة والجيش حربا ضد الأكراد وهم خمس سكان تركيا بينما يحاول الفاشيون تحريض المسلمين السنة لقتل العلويين. وفي رواندا أطلق الديكتاتور السابق مذبحة بشعة للتوتسى قام بها الهوتو، بينما يوجد تهديد بمذبحة للهوتو من التوتسى في بوروندى المجاورة.

نجد كل هذه الفظائع لها جذورها في فشل رأسمالية السوق في توفير حتى الحد الأدنى من حياة لائقة لغالبية الجماهير. وبدلاً من ذلك تدع خمساً من سكان العالم يعانون من سوء التغذية ومعظم بقية السكان في تشكك ما إذا كانوا سيستطيعون التمتع غداً بالقدر الضئيل المتاح لهم اليوم.

وهنا يخبرنا كل من المدافعين عن سلطة الطبقة الحاكمة وإصلاحيي اليوم الجبناء بأنه لا يوجد بديل عن هذا النظام، ولكن لو أن هذا صحيح إذن لا يوجد أمل للإنسانية وتصبح السياسة مجرد نقل للكراسي على التيتانك في وقت الغرق للاطمئنان إلى أنه لا أحد سيزعج الأغنياء والمتميزين عندما يجلسون للطعام على مائدة القبطان.

ولكن يوجد بديل. إن النظام المجنون لاغتراب العمل بكامله هو نتاج لما نفعله نحن. إن البشر لديهم القدرة للسيطرة على وسائل إنتاج الثروة وإخضاعها لقراراتنا ولقيمنا، فلسنا مضطرين لأن نتركها للتقلبات العمياء للسوق، للسباق المجنون لملاك متصارعين للثروة في سباقهم للتفوق على بعضهم البعض. إن التقنيات الجديدة المتوفرة اليوم لديها الإمكانيات ـ بدلاً من أن تجعل حياتنا أسوأـأن تسهل هذه السيطرة، فعمليات العمل الأتوماتيكية يمكنها أن توفر لنا وقت فراغ أطول مع وقت للإبداع وفرصة أكبر لتحديد إلى أين يتجه العالم. ويمكن أن يمدنا استخدام الكومبيوتر بمعلومات فائقة حول الثروات المتاحة لتلبية احتياجاتنا وعن كيفية تخصيصها بكفاءة.

ولكن هذا البديل لا يمكن أن يتحقق من خلال العمل داخل النظام، من قبول المنطق اللاعقلانى للسوق عن التراكم التنافسى، من خلال العمل لإجبار الآخرين على العمل أشد أو يفقدوا وظائفهم. إن هذا البديل يمكن أن يتحقق فقط من الصراع ضد النظام وضد الأثر المدمر لمنطقه على حياة جماهير الناس.

وبذلك يدعى الإصلاحيون أن هذا الصراع لا يمكن أن ينجح بسبب “عولمة” النظام. إن العولمة هى طريقة أخرى للقول أن النظام يسيطر عليه باطراد عدد قليل نسبياً من المؤسسات التمويلية والصناعة العملاقة، كل منها تنتشر من قاعدتها الوطنية للسيطرة على حياة ملايين الناس في عدد من البلدان، وتزداد قوة أولئك الذين يديرون هذه المؤسسات عما سبق عندما يتعلق الأمر بدفع الحكومات التي تحاول تنظيم أنشطتها في المسار الذي يلائمها أو دفعها خارج الحكم.

ولكن هذا لا يعنى أن أولئك الذين يريدون مجتمعاً إنسانيا يحتاجون إلى مقاومة هذه المؤسسات والنظام الذي تكونه أقل من الماضى. على العكس تماما أنه يعنى أننا يجب أن نحارب أشد بطريقة أكثر إصراراً، إنه يعنى أنهم سينتقمون منا بعنف لو حاربناهم بهوادة بدلاً من اعتبار الصراع هو صراع حتى النهاية. لقد أشار الإصلاحى البريطانى “تونى بن” ذات مرة في لحظة من أكثر أوقاته راديكالية “بإمكانك أن تقشر البصلة طبقة طبقة، ولا يمكنك أن تسلخ نمراً مخلباً مخلب”. وبحديثهم الآن عن “العولمة” يعترف الإصلاحيون أن النظام نمر، وليس ثمرة مسالمة تنتظر فقط الإزاحة البرلمانية كما اقترح كروسلاند وأتباعه منذ أربعين عاماً. ولكن مع أنهم يرونه نمراً فإن استنتاج إصلاحيي اليوم هو أن يترك الوحش يجول بحريته. وليس هذا الاستنتاج مقبولاً لأى شخص لا يريد أن يؤكل حياً.

إن العولمة لا تنفي النضال الجاد ضد النظام، لأنها تقطع كلا الطريقين. إن الشركات العمالقة قوية فقط طالما أن ملايين العمال الذين تستخدمهم في العالم يتحملون أنشطتها، ويمكن أن تصاب بالشلل مع بداية مقاومة جديدة. واندفاع عملياتها العالمية نفسه يمكن أن يزيد عرضتها لضربات العمال في أى واحدة من مواقعها الوطنية. وأكثر من ذلك أن إدراك العمال للطبيعة عابرة القومية لأصحاب العمل يمكن أن يجعلهم في عدد من البلدان أن يروا بشكل ملموس أكثر مما سبق المصالح المشتركة التي تربطهم لأنهم يخضعون لنفس الضوابط ويواجهون نفس المديرين بل ويجبرون على ارتداء نفس شعار الشركة ويغنون نفس أغنية الشركة.

وأخيراً وليس أخراً، إن عالمية وسائل الاتصال تعنى أن العمال في جزء ما من العالم أكثر إدراكا بكثير عما سبق بما يفعله العمال في مكان آخر. ويمكن أن تلهم أى انتفاضة ثورية شعوب القارات البعيدة فجأة. حدث ذلك في 1968 مع كفاح التحرر الوطنى في فيتنام و”أحداث مايو” في فرنسا. وحدث ذلك في 1980 مع الصعود المفاجئ لنقابة تضامن في بولندا، وحدث ذلك خلال منتصف الثمانينات مع الانتعاش الفجائى للصراع ضد العنصرية في جنوب أفريقيا. وتكرر مرة أخرى في 1994 مع تمرد التشياباز في المكسيك وسوف يحدث في المرة القادمة عندما يحدث أى تمرد عمالى كبير في أى مكان.

إن الطبيعة العالمية للنظام الرأسمالى تمنع أى حكومة وطنية مهما كانت راديكالية ومهما كان تأييدها بين جماهير الناس من الانفصال تماماً عن الضغوط التي تنتج عن النظام. وبرغم ذلك ليست هذه ظاهرة جديدة فقد أكد ماركس وإنجلز على الطبيعة العالمية للصراع ضد الرأسمالية منذ قرن ونصف. وأكد البيان الشيوعى أن “ليس للعمال وطن” وانتهى بـ “يا عمال العالم اتحدوا”. ومنذ ثمانين عاماً في عصر الحرب العالمية الأولى أسس قادة الثورة العمالية في روسيا “أممية شيوعية” كتمهيد “لدول العالم الشيوعية المتحدة”، بالضبط لأنهم أدركوا أنه لا يمكن لبلد واحد ـخاصة بلد متخلف مثل روسيا في ذلك الوقتـأن تقيم مجتمع الوفرة بعزل نفسها عن موارد الثروة والتقدم التكنولوجى الموجود خارج حدودها. ومنذ سبعين عاماً كرر ليون تروتسكي هذه الرؤية ضد ستالين ـمصراً على أن الحديث عن “الاشتراكية في بلد واحد” كان “يوتوبيا رجعية” لأن محاولة إعادة بناء مجتمع على إطلاقها دون توافر الثروة الموجودة داخل العالم الرأسمالى ككل ستسقط حتما.

ولكن هذه الأفكار لا تعني أبداً انتظار الثورة في كل مكان في العالم في نفس الوقت. فكل عملية تبدأ في مكان ما لا تكون عملية مواجهة الاغتراب والبؤس وبربرية الرأسمالية استثناء. ويمكن أن تبدأ في مكان توجد فيه الرأسمالية ـ واليوم هذا بالفعل ما يحدث في العالمـولكنها لا يمكن أن تحقق نجاحاً نهائياً ببساطة في مكان واحد.

إن بقاء التمرد نفسه الذي يتحدى النظام ـ خاصة في بلد مثل بريطانيا التي تعتمد على واردات الطعام والمواد الخام وسلع أخرى عديدة على الأقل لمدة قرنينـيعتمد على كسب تأييد أولئك الذين تلهمهم الثورة خارج حدودها. ويعتمد نجاح إعادة تشكيل المجتمع على المدى الطويل على انتشار الثورة. فلا يمكن لبلد واحدة تطيح بالرأسمالية أن تستمر بمفردها. ولكنها يمكن أن تكون معبراً يشجع الثورات الناجحة في أجزاء أوسع كثيراً من النظام العالمى.

يدعى معارضو الاشتراكية أنه حتى مع الانتشار للاشتراكية في مناطق واسعة من العالم، فإن محاولات الهرب من قوانين السوق محكوم عليها بالفشل، ويزعمون أن محاولة تنظيم كل مجالات الإنتاج حتى تلبى مليون حاجة إنسانية هى مؤسسة وراء قدرات أى شخص، ويتنبأون أن كل ما يمكن أن يحدث هو ظهور صفوة جديدة والتي ستملى على الآخرين أين سيعملون وماذا سيستهلكون.

على أى حال، عندما تحدث ماركس وإنجلز ولينين وتروتسكى على الانتقال إلى الاشتراكية لم يفعلوا ذلك باعتبار أن الدولة تسيطر على كامل عملية صناعة القرار الاقتصادى في يوم وليلة. بل كل ما أكدوا عليه أن أولئك الذين يصنعون الثروة ـ من خلال منظماتهم الديمقراطيةـعليهم أن يتولوا مسئولية القرارات الهامة، أى القرارات التي ترسم الحدود التي يعمل داخلها بقية الاقتصاد. في اليوم التالى للثورة ـ كما في اليوم السابق عليهاـستذهب الغالبية العظمى من الناس للعمل في المصانع والمكاتب، وسوف يتقاضون نقوداً في مقابل عملهم، وسيستمرون في إنفاق نقودهم كما يرغبون لتلبية حاجاتهم الاستهلاكية. إن ما سيتغير برغم ذلك هو أن مندوبى “المنتجين المتحدين” ـ مندوبى المصانع والمكاتب والمناطق السكنية وأصحاب المعاشات وغيرهمـسوف يقررون الأولويات الاقتصادية الهامة وعلى وجه الخصوص لن يتم تحديد المجالات الهامة للاستثمار الاجتماعى بعد ذلك على أساس المنافسة العمياء بين شركات متصارعة ولكن من خلال صناعة القرار التعاونى.

لقد أدركوا أن كل تغير عظيم في التاريخ من طريقة معينة لإنتاج الحاجات الإنسانية إلى أخرى دائما ما تضمن كل من التغير التدريجى (التطور) والتغير المفاجئ (الثورة).

هكذا شمل الانتقال من الإقطاع إلى الرأسمالية التطور الاقتصادى البطىء على مدى قرون عديدة، حيث حل الإنتاج الرأسمالى من أجل السوق محل الإنتاج الإقطاعى في القرى الفلاحية المنعزلة بدرجة أو بأخرى، ولكن أيضا تغيرات سياسية ثورية مفاجئة حيث طردت الطبقة الرأسمالية الصاعدة الطبقة القديمة الإقطاعية الحاكمة من المواقع الهامة في السلطة. والنقطة هى أنه بدون التغير الثورى فإن التغير التدريجى كان سيصل إلى توقف مفاجئ وكان المجتمع سيبدأ في التحرك للوراء بدلاً من الأمام ـ كما حدث في الواقع عندما لم يكن التطور الاقتصادى مصحوبا بالثورة السياسية بداية عبر أوروبا في القرن الرابع عشر وبعدها في أوروبا الوسطى في القرن السابع عشر.

وبنفس الطريقة، لا يمكن أن تحدث الإطاحة بالرأسمالية بواسطة آلية اقتصادية جديدة تقوم على التعاون الإنسانى مرة واحدة في يوم وليلة. وفي الحقيقة سوف يستغرق الناس عقوداً عديدة ليتعلموا التنظيم الواعى للكثير من جملة عمليات الإنتاج التي تدور في المجتمع الحديث، وفي هذه الأثناء سيكون أمامهم اختيار ضئيل عدا الاستمرار في تحمل آليات السوق القديمة. ولكن بالاستيلاء على السيطرة السياسية وبالسيطرة على الصناعات الرئيسية يمكنهم أن يبدأوا صناعة القرارات الهامة، الأمر الذي سيكون له عند ذاك أثر بالغ على أي شئ آخر. فيمكنهم مثلاً منع الشركات المتصارعة من تبديد ثروات هائلة على إقامة مواقع صناعية للمنافسة مع بعضهم البعض وبعدها يخبرون عمالهم بأن عليهم أن يقبلوا أجوراً أقل وعملاً أشد حتى يعوضوا قيمتها. ويمكنهم منع التبديد الهائل على الدعاية أو على إرسال عينات منتجات في اتجاهات مختلفة من العالم. ويمكنهم تحويل مساكن الأغنياء الفاخرة إلى مواقع للخدمة التي يحتاجها بشدة أولئك الذين يتم إفقارهم اليوم. وعموما يمكنهم أن يبدأوا في إزالة الفوضى بالقرار الإنسانى الواعى.

وعندما يفعلون ذلك، لن تكون معظم القرارات التي عليهم اتخاذها أكثر صعوبة من تلك التي تتخذها حفنة من المديرين الذين يسيطرون على كل صناعة رئيسية اليوم. في بريطانيا مثلاً أربعة أخماس صناعة وتوزيع الأغذية في أيدى خمس شركات. وكل من هذه الشركات عليها أن تنسق بطريقة مخططة إنتاج وتوزيع آلاف السلع وتحاول ملائمتها مع أذواق خمسين مليون مختلفين من الأطفال والنساء والرجال. وهم يستطيعون أن يفعلوا ذلك، ليس لأن هؤلاء المديرين عباقرة ـ في الواقع كثير منهم يكونون من الحمقى الأغبياءـلكن ثرواتهم تمكنهم من استخدام أعداد كبيرة من ذوى المهارات يستخدمون أحدث تكنولوجيا. ولكن جزءاً هائلاً من هذا العمل الماهر يتم تبديده فالأشخاص ذوى المهارات يخضعون للمنافسة بين شركات متصارعة ولذا يعجزون عن التعاون مع بعضهم البعض، مع من يعملون في إنتاج الأغذية وأولئك الذين يستهلكون الغذاء. فبدلاً من ذلك، فإن كمية هائلة من الجهد تخصص للمساعدة في استغلال عمال الشركات من ناحية وتشكيل أذواق المستهلكين بطرق غير صحيحة من ناحية أخرى. إن ملكية وسيطرة دولة عمالية ديمقراطية ـ التي تعتمد على تعميم المبادرة من أسفل وبروح تعاونيةـعلى هذه الشركات سوف يجعل بالفعل تنسيق الإنتاج أبسط (حيث لن يكون هناك التكرار المستمر للجهود في الشركات المتنافسة) وأكثر استجابة للاحتياجات الحقيقية للمستهلكين.

إن هذا لا يعني أن هذا التنظيم الاشتراكى للمجالات الرئيسية للإنتاج سيكون دون عيوب. ولاشك ستحدث أخطاء في المبالغة في تقدير ما يريده الناس في مجال ما أو تقديرها بأقل من الضرورى في مجال آخر. ولاشك ستوجد خلافات لانهائية حول كيفية التقدم بالضبط، ولاشك سيكون هناك عدم الرضا وكذلك الرضا. ولكن هذه الأمور ستحدث كحوادث عابرة ليس كشىء هيكلى في ميكانيزم النظام. في الحاضر لا يمكن لأى عدد من المناقشات على الأرض أن تصحح الاتجاه نحو الإنتاج الزائد من ناحية ونقص الضروريات من الناحية الأخرى. والسبب أن النظام لا يعتمد على القرارات العقلانية التي تنتج عن نقاشات منطقية بين جماهير الناس ولكن على جهود مجموعات صغيرة من الأغنياء لإخضاع كل شئ لمنافستهم ضد بعضهم لجنى ثروات أكثر.

إن هذه المنافسة العمياء هى التي تؤدى إلى الأزمات والرخاء، وتزايد البطالة إلى جانب زيادة أعباء العمل والإنتاج الزائد في البضائع وتخفيض مستلزمات الرعاية الاجتماعية والحروب “المحلية”المتزايدة في فظاعتها والانفجارات العنيفة للكراهية الدينية والعرقية.

لقد أوضح ماركس أنه عندما تصطدم أشكال الحكم الطبقى مع التغيرات التي تحدث في طريقة الإنتاج فإن ذلك يمكن أن يؤدى إلى نتيجتين: انتصار طبقة جديدة نتيجة لصراعات عنيفة أو اندفاع المجتمع إلى الوراء من خلال التدمير المتبادل للطبقات المتصارعة، وقد وضعت الثورية الألمانية البولندية روزا لوكسمبورج المسألة بوضوح أكثر فقالت إن الاختيار في ظل الرأسمالية يكون “الاشتراكية أو البربرية”.

وإذا نظرنا إلى الطريقة التي يتطور بها المجتمع اليوم في أجزاء كثيرة من العالم يمكننا أن نرى بوضوح شديد وجه البربرية. ولكن يمكننا أيضا أن نرى نضالات ضد النظام تنتج باستمرار آراء للتقدم الحقيقى القائم على التضامن وعلى التعاون وعلى رعاية الناس لبعضهم البعض عندما يقومون بوعى وبشكل جماعى بصياغة مستقبلهم. إن أولئك الذين يدعون إلى الإصلاحات المائعة للنظام القائم يدعون إلى الخضوع للبربرية. أما أولئك الذين يتطلعون إلى الثورة يرون في هذه الصراعات إمكانية التقدم للأمام لا للخلف، فلازال هناك أمامنا كما كتب ماركس وإنجلز في نهاية البيان الشيوعى “عالم لنكسبه”.

« السابق