بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الصحافة الثورية

التالي »

1. مقدمة

إذا رغب الناس في السخرية من الاشتراكيين الثوريين، يضحكون عادة من جهدنا المبذول في إنتاج وتوزيع وبيع جرائدنا. يصورنا التراث الكاريكاتيري في شكل مخبول هائج رث الثياب يمسك لفافات الجرائد التي لايريد أحد شرائها. وهي صورة الثوريون السابقون، الذين يحققون الآن تقدما مهنيا مربحا، من النوع الذي تفضل السياسة المهذبة تشجيعه. وبإمكانهم مقارنة “نفوذهم” الحالي، وهم جالسون في اللجان البرلمانية إو مجالس إدارة الحدائق البلدية، مع ماضيهم الذي تبدد بينما يقفون أمام بوابات المصانع عاجزون عن بيع أحد الجرائد الأسبوعية أو غيرها.

ولا عجب أن يقع الاشتراكيون أنفسهم في التأثر بهذه الرؤى بسهولة. فقد تصيبهم الأحاسيس نفسها التي شعر بها هيندمان، مؤسس أول منظمة ماركسية في بريطانيا، الاتحاد الاشتراكي الديمقراطي. وبعد 28 عاما من إصدار جريدته جستيك (أو العدالة) امكنه الاعتراف برأيه فيها على هذا النحو:

أوراق للدعاية البحتة، تتناول القضايا التي لا يرغب أغلب البشر الإطلاع عليها… علينا بذل مجهود  أكبر حتى تتوسع ماليتنا، ونبدي حماسا ببعض الاتجاهات الأخرى. كانت إحدى الاخطاء القاتلة التي لم يمكن تداركها، وتولد بخصوصها نوعا من الهوس بالعناد.

ولن نجتاز حد السوقية إذا تمادينا في تشويه مشروع إصدار وبيع الجريدة مثلما فعل هيندمان. ولكن الشيء المبتذل تماما، أن يشعر الثوريون كأفراد، أوحتى منظمات بمجملها، أن هناك طرقا أسهل لتوسيع مدى التأثير- سواء من خلال تناسي أمر الجريدة فعليا عند اكتساب بعض المواقع في الحركة العمالية، أو التوقف عن توزيع النشرات المجانية، أو محاولة الوصول إلى الجمهور الأقرب منالا عبر التسلل إلى وسائل الإعلام القائمة (سواء كانت محطة الإذاعة المحلية أو نيو ميوزيكال إكسبرس).

وهذا رغم إننا عند الحديث عن كبار الاشتراكيين الثوريين، ترد إلى ذهننا أسماءهم مربوطة عادة بالجرائد التي كانوا يصدرونها. ماركس مع جريدة “نوي رينيشه زيتونج”  أو الجريدة الرينانية الجديدة، ولينين مع “ايسكرا” أو الشرارة، و”برافدا” أو الحقيقة، وجرامشي مع “اوردين نوفو” أو النظام الجديد، وجيمس كونولي مع “ذي وركرز ريبابلك” أو سلطة العمال، وتروتسكي مع “ناشا سلوفو” أو لدينا كلمة، وروزا لوكسمبرح مع “روته فانه” او العلم الأحمر.

ويحدث الارتباط بين القائد الثوري والجريدة الثورية، عندما يكون الثوريون مهمومين بتعزيز النضالات الجماهيرية بالذات. ولا يحدث مع من يفهمون التغيير باعتباره نتيجة لقيام أقلية صغيرة محدودة بأعمال بطولية لصالح الأغلبية. ولذلك لا يتردد الحديث عن جريدة كرونويل أو روبنشتين أو باكنين جاريبالدي أو تشي جيفارا. وحتى هؤلاء الثوريون البرجوازيون الذين يعتمدون على الحركة الجماهيرية في تحقيق اهدافهم، ينبغي عليهم أن يكون لديهم جريدة. ففي الثورة الفرنسية العظمية، لم يكن مارا قادرا على تحقيق ما له من شأن دون جريدته “لامي دي بيبل” أو صديق الشعب، ولا هيبير دون “بير دوتشيسن” أو الأب دوتشيسن.

فالأمر ليس مسألة صدفة، إذ تنبع الأهمية الجريدة المحورية تحديدا، من استهدافها كسب تأييد الجماهير للثورة.

تنطوي اي ثورة حقيقية، على إحداث قطع بين الجماهير الشعبية والأفكار العامة التي نشأت عليها، وينتهج الناس طرقا جديدة في رؤية العالم ودورهم فيه على السواء. يبدأ الثوريون عادة كأقلية تحاول نشر رؤية جديدة عن العالم. ويستغرق هذا فترات طويلة من الزمن، ليس فقط بسبب عداء الطبقة الحاكمة القديمة، ولكن أيضا لعدم اكتراث كثيرون من اعضاء الطبقة المقهورة. لا يمكن تجنب فترة غياب الشعبية هذه، إذ تهيمن الطبقة الحاكمة أيديولجيا في أي مجتمع. وتشكل أفكارها بالفعل الأفكار الحاكمة له.

لن يبدأ الثوار في كسب معركة الأفكار هذه، إلا إذا وجدوا طريقة للتواصل مع خبرات الجماهير “العادية” أو الشعب “غير المسيس”. عليهم أن يكونوا قادرين على توضيح أن الرؤية الثورية للعالم تتلائم مع بعض هذه الخبرات على الأقل، بصورة أفضل من الإيديولوجية المهيمنة.

ولكن الثورييون لا يهتموا فقط بكسب الناس إلى الأفكار الجديدة. بل عليهم أيضا الاهتمام بجذب الناس إلى التحرك على أساس تلك الأفكار، وليس عليهم فقط إبراز ما هو خطأ، ولكن أيضا، وقبل أي شي، ما العمل.

يمكن للتيار الثوري النجاح في أي مرحلة من مراحل تطوره، إذا استطاع فقط إيجاد بعض الوسائل لعمل صلات بين المبادئ والخبرة ومهام اللحظة.

ولايمكن الاستغناء إطلاقا عن الجريدة الثورية، لأنها آلية لخلق العلاقات، وسد الفجوة بين النظرية والتطبيق. وكما قال ارنست جونز، زعيم الشارتيين، حينما كان يحاول جمع اشلاء أول حركة عمالية عظيمة في بداية خمسينيات القرن التاسع عشر:

“أول متطلبات الحركة وأكثرها جوهرية، أن يكون لها جريدة تسجل وقائعها، ومن خلال الجريدة تتمكن الحركة من تحقيق التواصل بين أعضاءها، وممارسة دعايتها وتحريضها، وحماية نفسها، وتحقيق الانتشار. إنها العماد الأساسي للنقابة، حاملةالراية وأداة الحوار. ومعها، تصبح الحركة قادرة على امتلاك عقلها وتفكيرها الخاص، وسط دوامة الأحزاب، والمحافظة على عناصرها المتنوعة معا“.

وأشار لينين قبلها بنصف قرن في مقالته بما نبدأ، وكراسه؛ ما العمل:

“الجريدة ليست فقط أداة للدعاية والتحريض الجماعيين. بل أداة للتنظيم أيضا. وربما تجوز مقارنتها مع سقالة منصوبة حول مبنى تحت الإنشاء… المنظمة التي تتشكل حول تلك الجريدة تكون  جاهزة لكل شيء، من إعلان شعارات الحزب، ومد نفوذه، وضمان استمراريته في فترات الإحباط الثوري الحادة، استعدادا للانتفاض المسلح على المستوى القومي.

تندهش من عدد مرات الاستشهاد بكتاب “ما العمل” دون إشارة إلى حقيقة أن أكثر من نصفه كان مكرسا  للإلحاح على قضية الجريدة الثورية!

ولكن مجرد إصدار جريدة ليس كافيا في حد ذاته لسد الفجوة بين المبادئ والممارسة بشكل صحيح. بل لابد أن تخلق الجريدة علاقات صحيحة بين المبادئ والخبرات والتكتيكات الخاصة باللحظة. وهو الأمر الذي يتغير بشدة مع صعود وهبوط النضال.

وكما أشار جرامشي، تنقسم دائما خبرات الناس في ظل الرأسمالية إلى نوعين مختلفين تماما. من ناحية، هناك خبراتهم التي يكتسبونها من مجرد الحياة داخل النظام ومعاناتهم في ظله. وهذه في حد ذاتها قلما تؤدي بهم إلى طرح أسئلة ثورية. بل إنها تميل إلى جعلهم يأخذون النظام كأمر مسلما به، وان يقبلوا ما تحدده الطبقة الحاكمة لهم بين الأشياء الممكنة والمستحيلة.

أما الخبرة الأخرى، فتتجسد من النضال ضد مظاهر النظام، أيا كانت درجة محدوديتها. وعبر هذا النضال، يبدأ إحساس الطبقة المقهورة أن لديها قوة جماعية تمكنها من فرض بديلا عن الظروف الراهنة.

ويعني خلق صلة بين مبادئ الحزب الثوري وخبرة الجماهير الشعبية بالنسبة للحزب الثوري وجريدته، التواصل مع العناصر التي تأسست عبر النضال في خبرة الناس، وفصلها عن باقي الخبرات، واستخدامها لوضع أسس لرؤية مختلفة تماما للعالم.

ويسهل هذا عندما يمضي نضال الطبقة المضطهدة من مرحلة قوية إلى أقوى منها، وعندما يلهم كل نصر بمزيد من الانتصارات. في مثل تلك الأحوال، يحدث تطور عفوي كبير في االطرق الجديدة لرؤية العالم. ويمكن للجريدة الثورية التعبير عن مبادئها عبر الكلمات والصور المستخدمة من المنتمين إلى الطبقة المضطهدة أنفسهم. ثم تصبح هناك حاجة إلى عملية استخلاص، لفصلها عن الأفكار القديمة التي مازالت مختلطة بوعي معظم الناس فعليا. ولا تكون عملية الاستخلاص شديدة الصعوبة.

ولذلك، تكون انجح الجرائد التي تصدر خلال طفرات تصاعد النضال. وإذا نظرنا إلى مثل تلك الجرائد نستطيع رؤية الخليط الملائم من الافكار العامة، والخبرات الحية، والتحريض.

التالي »