بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الصحافة الثورية

« السابق التالي »

10. الجريدة الثورية والحزب

انطلقت الجرائد الثورية الناجحة في فترات تأجج الصراع على يد أفراد لا تدعمهم أي منظمة. وجذبت أقسام كبيرة من الجماهير وراءها، وخلقت التيارات التي بدأت في ممارسة دور الأحزاب.

وانطبق هذا كما رأينا على حالة “صديق الشعب”، و”نجمة الشمال”، و”هيرالد اليومية”. واستطاع تروتسكي، رغم فشله الذريع في الفترة 08- 1912، تحقيق نجاح أكبر في المحاولة الثانية التي تمت سنة الثورة 1905. وذكر في سيرته الذاتية كيف استطاع اصدار الجرائد التي كانت أنجح بشكل واضح من الصحافة البلشفية:

” تسلمت مع بارفوس جريدة صغيرة هي “راشان جازيت” Russian Gazette)) أو المجلة الروسية، وحولناها إلى أداة نضالية جماهيرية. وخلال أيام قليلة ارتفع التوزيع من 30 ألف إلى  100 الف نسخة. ووصل بعد ذلك بشهر واحد إلى مستوى نصف المليون..

“وفي 13 نوفمبر، بدأنا إصدار جريدة سياسية كبيرة، هي “نشالو” (Nachalo أو البداية) بالتعاون مع المناشفة. وقفز توزيع الجريدة في لمح البصر. وحينها كانت الجريدة البولشفية “نوفايا جيزن” Novaya Zhizn) أو الحياة الجديدة) تتهاوى بدون لينين. بينما تلقي “ناشالو”  في الوقت نفسه نجاحا ساحقا… وأخبرني كامينيف، أحد محرريها، فيما بعد كيف كان يراقب بيع الجرائد في أحد المحطات… فوجد الطلب على الجرائد الثورية  فقط. وتأتي صيحات الحشد المنتظر “نشالو” “نشالو”، ثم “نوفايا جيزن” ثم مرة اخرى “نشالو”.. “نشالو”.. “نشالو”. وعندها قلت في نفسي، لقد أقر كامينيف، أنهم يكتبون أفضل منا في نشالو” (My Life, New York 1960, p.178).

وفي مثل هذه الحالات، تبيع الجريدة نفسها بالفعل. ويمكن استخدامها في بناء الحزب، ولكن الأمر لا يستدعي بالضرورة أن يكون هناك حزبا من أجل تحقيق نجاح قصير الأمد.

وتكون الأمور شديدة الصعوبة في فترات الهزيمة والإحباط. وفي مثل هذه الأحوال، لا يمكن  الاستمرار بالجريدة دون جهد شاق ومنتظم، الأمر الذي لا يملك تقديمه سوى حزب.

واكتشف تروتسكي ذلك عندما حاول إصدار برافدا فيينا معتمدا على نفسه فقط.

“كان إصدارها غير منتظم بسبب شح المال- إذ ظهرت خمسة أعداد فقط في السنة الأولى من تحريره لها. ولكن كانت طباعتها أسهل من نقلها سرا إلى روسيا. واستنجد المحرر دائما بعون القراء، واشتكى من وجود “كميات كبيرة” من الجريدة محتجزة على الحدود الروسية، إذ لم يكونوا قادرين على إدخالها، لانهم لا يملكون 50 روبل؛  حتى أن مخطوطات العدد الجديد تبقى مكدسة على مكتبه غير قادر على إرسالها إلى المطبعة، واضطرت البرافدا إلى إيقاف التراسل مع القراء في روسيا لانها غير قادرة على توفير أجرة البريد…”(The Prophet Armed, London 1954, p.192).

ولم تحل المشاكل المالية إلا مؤقتا، عندما وافقت الأغلبية البلشفية في الحزب الاشتراكي الديمقراطي  سنة 1910 على منح الجريدة إعانة؛ وعادت الأزمة مرة أخرى عندما انهار هذا الاتفاق وتوقفت جريدة تروتسكي عن الصدور-  بمجرد أن بدأت سميتها البلشفية تحظى بالنجاح في بطرسبرج.

ووجد البلاشفة في إصدار الجريدة وتمريرها إلى روسيا نفس الصعوبة التي واجهها تروتسكي عندما قام بذلك زمن الجزر. ولكن الوجود في منظمة لها نظامها، كان يعني أن لهم شبكة مناصرين يمكنهم تولي المهام الضرورية الشاقة والخطرة التي يتطلبها، حتى لو كان في مواجهة قمع أكثر تعنتا.

ولهذا، على سبيل المثال، ظل باستطاعتهم الحصول على نسخ من جريدة سرية داخل روسيا، حتى أسابيع قليلة قبل اندلاع الحرب في أغسطس 1914، الأمر الذي مكن القيصرية من عزل الثوريين، وإغلاق الجرائد الشرعية، واعتقال أي شخص شارك في إصدراها. وفي أول نوفمبر تمت طباعة 1500 نسخة من “سوشيال ديموكرات” (Sotsial Democrat، أو الاشتراكي الديمقراطي) تدين الحرب، وبعد أسبوعان كان لينين يفتخر بأنهاعلى وشك عبور الحدود إلى روسيا (Krupskaya, Memories of Lenin, London 1970, p.254).

وحكي عامل التعدين البلشفي شليبنيكوف كيف استطاع تهربيها:

“وفي ضوء عمليات التفتيش على الحدود، كان العائدون إلى روسيا يرفضون حمل أي شيء يعرضهم للخطر، وكان علينا التفكير في طريقة لإخفاءها. وكان هناك عدة طرق: في صناديق السيارات، وربطات الكتب، والملابس والمظلات، والعكازات، والأحذية وما إلى ذلك. وكنت أفضل الأحذية. لذا أعطيت حذائي ذو الرقبة الطويلة إلى الإسكافي الذي أوصوني به… وسألته فتح ثقوب داخل الكعب والبطانة وملأها بنسخ “الاشتراكي الديمقراطي”. وسافر في الزوج الأول عددا من النسخ التي ارسلت إلى بطرسبرج بطرق ملتفة… (On the eve of 1917, London 1982, p.38).

وحكى أيضا كيف حاول بعد مرور سنة، دون ان يحالفه الحظ، عبور جسر من السويد إلى القسم الروسي الذي تديره فنلاندا حاملا “ربطات كثيرة” من الادبيات. وفي النهاية كان عليه ان ينزلق إلى أسفل الجسر فوق الجليد الذائب، ومر تحت أقدام الحرس المسلحين للنظام القيصري، حرفيا، حتى يوصل الجرائد حيث سيكون لها استخدام اكبر.

وكان الأمر يستحق العناء مع ذلك. ففي بطرسبرج:

“كان الطلب على الأدبيات الاشتراكية السرية كبيرا جدا، بحيث لم تكن التكنولوجيا السرية البائسة قادرة على سده. وتقدمت المبادرة الخاصة لنجدتها. وتداول العمال بالخارج فيما بينهم نسخا للإعلانات والمقالات من المطبوعات السرية بكل الصور، سواء منسوخة أو مطبوعة بالحبر أو المعاد طباعتها وما إلى ذلك. وتمتعت “الاشتراكي الديمقراطي” و “كومنيست” (او الشيوعي) بنصيب وافر من الرواج لدرجة دفع 50 كوبيك أو روبل كامل مقابل قراءتها لمرة واحدة (p.92).”

وكان ينظر إلى العنصر المادي باعتباره أمرا حاسما في بناء مجموعات الحزب السري في مواقع العمل. ووفقا للقواعد الارشادية التي حددها القادة التنظيميين: “على كل قائد تنظيمي إعداد مخزن للأدبيات وإمداد المجموعات بها دون إبطاء. وعليه عقب توزيعها أن يجمع تقارير حول تأثير توزيع الأدبيات في المصنع المحدد.” (p.96)

وينبغي الاهتمام باستمرار صحافة الحزب حتى في أكثر الظروف صعوبة. إنها الصلة الحية بين من في المنفى، المشتغلين في التحليل النظري للنضال الطبقي من كل جوانبه، محليا ودوليا، والنشطاء السريين المتعرضين لخطر الاعتقال بصورة دائمة بينما يسعون لبناء المنظمة السرية، والعمال المناضلين المحرضين في المصانع حول الأجور وتوفير الأغذية وما إلى ذلك.

واستطاع الحزب الإبقاء على تنظيمه من فترة ذروة نشاطه من 1912إلى 1914، حتى قاد الثورة 1917، لانه استطاع ان يصدر، وإن كان بأعداد ضئيلة، جرائده السرية في السنوات الفاصلة بين التاريخين. وهي الفترة التي تضمنت من ناحية تحليلا مطولا للينين حول الإمبريالية، والحرب وخيانات الاشتراكية الديمقراطية، ومن ناحية أخرى، تقارير من داخل روسيا حول رد فعل العمال على الحرب. وواصلت الصحافة أداء مهمة خلق ارتباط بين: المبادئ والخبرة وما العمل.

لم تقدر جريدة صادرة عن أفراد بدون حزب على فعل ذلك. ولن يكون بوسع حزب فشل في إصدار جريدة لأفضل العمال المنضالين فعل ذلك ايضا. يجمع الحزب وجريدته افضل العناصر الواعية من الطبقة معا خلال الجزر، ويعدهم للعب دورا قياديا عندما يشتد النضال.

« السابق التالي »