بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الصحافة الثورية

« السابق التالي »

11. العامل الاشتراكي: السنوات الأولى

ظهرت “سوشيلست ووركر” (Socialist Worker ، أو العامل الاشتراكي) جريدة منظمتنا، حزب العمال الاشتراكيين، منذ 16 عاما. وبدأت في فترة صعود النضال، ثم تواصلت خلال فترة التراجع والاحباط.

ظهرت أولا في سبتمبر 1968 بشكل أسبوعي، في أوج حركات الطلبة ومناهضة حرب فيتنام .

وقبل ذلك، صدر عن الاشتراكية الدولية (كما كنا نسمى حينها) جرائد شهرية أكبر- سوشيلست ريفيو (Socialist Review أو المجلة الاشتراكية) من 1950 حتى 1962، ويونج جارد (Young Guard أو الحارس الشاب) عام 1967. وكانت تلك الجرائد متفاوتة الجودة. وكانت في أفضل صورها تجمع بين تحليلات جادة حول القضايا السياسية العامة (حزب العمال، النضال النقابي، التوجه الثوري، روسيا، الازدهار لفترة طويلة بعد الحرب، وما إلى ذلك) مع تقارير أقصر حول النضالات والأحداث الجارية.

وبذلت محاولات لتحويل المجلة الاشتراكية و العامل (Labour Worker) إلى جرائد اكثر ميلا إلى التحريض، تصدر كل أسبوعين. ولكن لم يكن ذلك ملائما للفترة (تدني مستوى النضال المعمم المصحوبا بارتفاع مستويات معيشة الطبقة العاملة) ولا كانت الموارد متوفرة في منظمتنا (التي توسعت عضويتها من 20 عضو عام 1959، إلى حوالي 100 عام 1960، إلى 300 عام 1967). واصبحنا مضطرون إلى التراجع كثيرا إلى مطبوعة شهرية بالنسبة بالجريدتين.

وزعت “العامل” حوالي 2300 نسخة في فبراير 1967، بعد بداية انطلاق حركة الطلبة مباشرة (ذهبت450 نسخة إلى فرع ايسلنجتون فقط، و200 إلى مانشستر، و 124 إلى جالسكو، و 172 إلى توتينامن و 187 إلى نيوكاسل). ورغم انخفاض التوزيع بالأعداد المطلقة، إلا أن ذلك كان معناه أن كل عضو يأخذ في المتوسط 8 نسخ.

وطرأ تحولا على المناخ السياسي والاشتراكية الدولية على السواء، بينما كنا نعيد إصدار “العامل الاشتراكي” أسبوعيا في 7 سبتمبر 1968.

وشارك عشرات الآلاف في موجة احتلال الطلبة للشوارع والمظاهرات الباسلة المناهضة لحرب فيتنام، من الذين ليس لهم سابق عهد بالنشاط السياسي، فقط لأن الإضراب العام في فرنسا أظهر الإمكانيات الكامنة في تحرك الطبقة العاملة، كما اثبت سجل أعمال حكومة ويلسون في بريطانيا إفلاس الإصلاحية، وإساء الغزو الروسي لتشيكوسلافكيا إلى صورة الستاليينية على النمط الروسي. وبشكل مفاجئ، أصبحت أعداد قليلة من الاشتراكيين الثوريين قادرة على إحداث تأثير بشكل لا يتناسب نهايئا مع جحمهم.

وحصد الاشتراكيين الدوليين كثيرا من هذا الوضع أكثر من أي مجموعة أخرى في بريطانيا. وكان هذا جزئيا لأن بعض أعضاءنا لعبوا دورا قياديا في نضالات الطلبة مثل انشطة كلية لندن للاقتصاد عام 1967. وجزئيا بسبب أننا انخرطنا بكل طاقتنا في حركة تأييد النضال المناهض للإمبريالية في فيتنام. وجزئيا أيضا لإننا ليس لدينا عقبات متعلقة بالستالينية كما كان لدى بعض اليسار. ولكن الأهم من كل ذلك، كان إصرارنا على أن الأقلية من الطلاب الراديكاليين لابد من ارتباطهم بالقوة الوحيدة القادرة على إحداث تغيير حقيقي في المجتمع، الطبقة العاملة.

وعلى هذا الأساس، ازداد عددنا من 300 عضو في بداية 1968 إلى آلاف في خريف السنة نفسها، وأصدرنا “العامل الاشتراكي” الاسبوعية كأداة لخلق الصلة بين حماسة الثوريين الجدد ونضالات العمال ضد حكومة حزب العمال.

من حيث المظهر، لم تكن الجريدة الجديدة شديدة الجاذبية. فكانت تصدر من حجرة مكتب وحيدة على يد صحفي وحيد يعمل معه عامل طباعة واحد، وتوسعت فصارت أربع صفحات من الأخبار والمقالات الوصفية. غالبا كانت المقالات الإخبارية مكبوسة، دون نمط خاص للإخراج الصحفي، وكان مستوى جودة صورها أكثر من سيئ. ورغم هذا، نجحت نجاحا مبهرا بالنسبة لمصطلحها، فيما يفوق من كل المحاولات الأخرى للاستفادة من المزاج الذي ساد في 1968، مثل “بلاك دوارف” (Black Dwarf أو الصغير الأسود) لطارق علي، التي كانت تعتمد على موارد أكثر، وحملت نغمة تميل أكثر إلى التفاؤل جيل 1968 المفرط.

كان عدد النسخ التي تطبع بشكل أساسي من الجريدة 8000 نسخة، ويبيعها أعضاء الاشتراكية الدولية في حماس كبير. ولكن بيعها لم يكن سهلا على الإطلاق. فكان عليهم الاستيقاظ في السادسة صباحا كل جمعة والتوجه إلى بوابات المصانع، ويبيعون أربع نسخ أو خمسة إذا حالفهم الحظ، ويمضون أيام السبت ساعات في الشارع الرئيسي ليبيعوا عدد أقل من النسخ الإضافية، ثم يتجولون صباح ايام الأحد حول مجلس الدولة. ولكن الجريدة صاغت حالة مزاجية  لعدد قليل من الأفراد في مواقع العمل والنقابات.

وفي تلك السنوات، سادت سياسة حكومة حزب العمال، المتمثلة في السيطرة على الاجور صفقات الانتاجية و”تقليل” حجم اليد العاملة عبر رعاية الدولة للاندماجات التي بدأت تلقى معارضة – أولا من المجموعات النضالية التقليدية مثل عمال السيارات وعمال مواقع البناء الأفضل تنظيما وعمال المواني، ثم من قطاعات حديثة العهد بالنضال مثل عمال النظافة في لندن والمدرسون وعمال الزجاج في سانت هيلنز. واستجد على احياء النضال عنصرا سياسيا إضافيا عندما حاولت الحكومة عام 1969 إدخال قوانين معادية للنقابات في مواجهة المعارضة النقابية، فكان بين تلك النضالات أول إضراب سياسي من نصف قرن.

ونشرت الجريدة عن كل تلك النضالات، وبهذه الطريقة اكتسبت جمهورا من النشطاء المناضليين. ورغم كون الاشتراكية الدولية منظمة يغلب عليها الطلبة، إلا أن الجريدة كانت جريدة عمالية بشدة. وكان يحرص على قراءتها عديد من النشطاء العماليين الذين كانوا يشعرون بغربة شديدة أثناء اجتماعاتنا. وعندما اسفرت الانتخابات العامة في يونيو 1970 عن حكومة المحافظين، ارتفع عدد نسخ طباعة الجريدة إلى حوالي 14 ألف نسخة، وكانت بإمكانها التوسع إلى ست صفحات، ثم ثمان- رغم ان عضوية الاشتراكية الدولية تناقصت قليلا إلى حوال 900 عضو.

ويرجع نجاح الجريدة جزئيا إلى قدرتها على تقديم روايات عن النضالات والحديث حول الاحداث في لغة تتجنب التجريدات الطنانة التي يغرم بها الستاليون والماركسيون الاكاديميون على حد السواء. كان الهدف الأساسي استخدام مفردات لا تختلف كثيرا عن “ديلي ميرور” في تقديم مجموعة من الخبرات والأفكار. واستطاع كتاب مثل بول فوت، ودنكان هالاز  و ايمون ماكان مع تغطياته الاخبارية الاسبوعية من خط المواجهة في ديري، تقديم هذا بصورة مثيرة للإعجاب.

إلا أن هذا لم يكن السبب الرئيسي في نجاحها، إذ لم يكن معظم أعضاءنا متمتعون بمثل هذه المهارات الصحفية الرائعة للأسف. ولكن ما قاموا به كان يتلخص في التركيز على ألا تخلو الجريدة من عروض عن كل النضالات الجارية في تلك السنوات- من نضال نساء فورد من أجل اجر متساوي، إلى نضال عمال سفن الصيد في ابريدين، ومن نضال عمال الملابس في ليدز إلى نضال عمال الطوب الآسيويين ضد الانتهاكات العرقية.

وبينما تشتد اهمية عنصر التجارب بالنسبة لأي جريدة في فترة المد، فقد ضمن في كل صفحات الجريدة، حتى وإن لم تكن عادة سوى تجربة القلة النشطة في الطبقة، وليست خبرة الكتلة العريضة من العمال (الذين جاء رد فعلهم على خيانة حزب العمال في شكل قلة الاكتراث والانصراف عن التسييس بدلا من الاتجاه يسارا). واستطاع أعضاءنا إرسال التقارير في كل مرة تحدث فيها نضالات، ثم يعودن إلى النشطاء في الأسبوع التالي بالجريدة التي تحكي قصتهم على نحو لم يحققه سواهم.

وكانت أفكار الجريدة العامة عاملا أساسية في نجاحها ايضا. فقد كان قراءها يطَّلعون لأول مرة على ماركسية، قطعت الصلات مع كل عناصر البيروقراطية والستالينية، ونتجت عن التفاعل مع خبرة روسيا، ولم تقدم أي تنازلات تجاه النزعة العمالية، وأكدت على أن تحرير الطبقة العاملة يأتي عبر النضال الفعلي الطبقة العاملة نفسها. وكان النشطاء الجدد يجدون فيها دائما أفكارا استنتجوها بأنفسهم جزئيا ، ولكنهم لم يكونوا ابدا قادرين على هضم الصورة المشوهة للماركسية المقدمة من الغرب والشرق على السواء. وفي النهاية، كانت الجريدة ثاقبة فيما يتعلق بما العمل. وميزت نفسها عن سائر حركة 1968 بإصرارها على التركيز حول الطبقة العاملة. وميزت نفسها داخل حركة الطبقة العاملة، بتحليلها المفصل للطريقة التي تحاول الطبقة الحاكمة التأثير بها على تنظيم موقع العمل، من ناحية باتفاقات الانتاجية، القائمة على أنظمة أجر مثل قياس يوم العمل، ومن الناحية الأخرى بالتخطيط لقوانين معادية للنقابات العمالية. وفي حين جهل سائر اليسار الناحية الأولى بدرجة أو أخرى، واكتفوا بشجب ما يتم من الناحية الأخرى، كما جاء في “بدايات الدولة الراعية”، أصرت العامل الاشتراكي على تأكيد أن الناحيتين كلتيهما وجهان لمحاولة واحدة للطبقة الحاكمة، تهدف إلى إضعاف سيطرة العمال القاعديين، وتقوية قبضة البيروقراطية داخل النقابات. وعبر عن هذا بوضوح كل من توني كليف وروجر كوكس، وبيتر باين، وجون سترز (رورجر روسويل)، وريتشارد هيمان وآخرين، أسبوعا بعد اسبوع، وبشكل مفصل وفي مقالات طويلة في أغلب الأحيان. وكانت أحدى صور الإطراء الشديد على الجريدة، عندما تذمرت “انترناشوينال تيمز” الهيبية بأن الشخص لابد وأن يكون عامل قاعدي في مصنع لمدة خمس سنوات حتى يمكنه فهم “العامل الاشتراكي”.

وإذا كان انطلاق “العامل الاشتراكي” في السنوات 68-1970، إلا أن فترة نجاحها الباهر كانت مع اشتداد الصراعات في المصانع بعد عودة حكومة إدوار هيث التابعة للمحافظين. فقد شهدت تلك السنوات أعلى مستويات النزاع داخل المصانع منذ العشرينيات، وحدثت معارك ضخمة على المستوى الوطني في الخدمة البريدية والتعدين والصناعات الهندسية وقطاع الإنشاءات وأحواض السفن، ومنازعات كبيرة في مصانع السيارات خاصة، وتلاها إضرابات سياسية ضد مرسوم العلاقات الصناعية، وامتدت الحركة النضالية للنقابات العمالية إلى مجموعات عمالية لأول مرة، مثل العمال بالمستشفيات والموظفين المدنيين.

وأثمرت الصيغة التي أسست “العامل الاشتراكي” نفسها عليها، نتائجا مبهرة. إذ وارتفعت أعداد النسخ المطبوعة من 13 ألف في عام 1970 إلى  28 ألف أثناء إضرابات عمال المناجم عام 1972، واستقرت عند 27 ألغ في مارس 1973. ثم ارتفعت مرة أخرى في نهاية العام، لتصل إلى 40 ألف أثناء إضراب عمال المناجم عام 1974، حتى أنها اقتربت من 53 أحدى الأعداد قبل الانتخابات الحاسمة عام 1974، وكان يدور حول “من يحكم البلاد”.

وحدث تفاعل جدلي بين نمو مبيعات الجريدة وحجم عضوية المنظمة التي تصدرها. وازداد تداول الجريدة بين أشخاصا لم ينتموا للاشتراكية الدولية- سواء لعدم اقتناعهم بأفكار المنظمة، أو عدم راضاهم عما بدا لهم طابعا طلابيا مبالغا فيه. ثم سيشعر قادة الاشتراكية الدولية عند نقطة معينة، أن كثيرين من هؤلاء كان يمكن تجنيدهم، فقط إذا اجتهدوا في تغيير المنظمة بحيث لا يشعرون بالغربة بها. وهكذا تزايدت عضوية الاشتراكية الدولية. فصارت المشكلة حينها خلق محيطا جديدا مرة أخرى بالاعتماد على تداول الجريدة.

ولكن هذه العملية لن يحالفها النجاح إلا حينما تكون الشروط الموضوعية صحيحة. فقد نمت العضوية في 1971، ثم مرة آخرى من خلال حملات التجنيد المكثفة في 73-1972. ولكن لم تنجح محاولة زيادتها عبر “حملة الخريف- الشتاء” عام 1972، بصرف النظر عن المستوى العالي للنضال الطبقي في تلك السنة. بدا الأمر تقريبا كما لو أن النشطاء يشترون الجرائد الثورية عندما تكون الطبقة العاملة رابحة، ولكنهم لا يجدوا ما يغري في الانضمام إلى منظمة ثورية.

صاحب نمو مبيعات الجريدة زيادة في الموارد المتاحة لها. وازداد عدد الصفحات في 1971 إلى 12 صفحة، ثم 16 في 1972، واتسغ فريق العمل بها حتى استطاعت توظيف عديد من الصحفيين لدوام كامل، بمن فيهم كتاب في مكانة بول فوت و لوري فلين، وأصبح إخراجها في مستوى جودة جريدة “فليت ستريت”، وبدأت استخدام مالم تكن قادرة على استخدامه من قبل، الصور التي تدعم وجهات النظر السياسية. وتمكنت الجريدة نتيجة لمواردها المتزايدة من القيام  بحملات تشهير مدورسة بعناية – حول الأحد الدامي في ديري، ومأساة  منجم يوركشير، ومجموعة كسر الإضراب في ايست لندن، و”شركة صغيرة” (في الحقيقية، تتبع الامبراطور فستي الاعظم) التي وراء سجن عمال رصيف ميناء بيتونفيل. وافسد هذا كثير من حجج الحكومة ووسائل الإعلام، وكسبت الجريدة تقديرا كبيرا بسبب هذا حتى بين الأشخاص الذين لا يتفقون مع سياستها. وبدت لكثير من انصارنا كأنها حقا “ديلي ميرور الثورية”.

ورغم جميع العروض التي وجدت إقبالا جماهيريا، استمرت الجريدة في تبني المزج بين تقارير حول عدد كبير من النضالات المختلفة، وفي تقديم تحليلات جادة حول الأحداث السياسية المحلية والدولية، وفي عرض مناقشات حول استراتيجية الحكومة والموظفين، وفي نشر كتابات نقدية حول مواقف مختلف انماط الإصلاحين، وعروضا مكتوبة بشكل جيد حول أسس النظرية الماركسية. كما استمرت الجريدة في الجمع بين “تفاؤل الإرادة” مع “تشاؤم العقل”- فكانت على سبيل المثال تحذر أسبوعا بعد اسبوع من التنازلات الخطيرة التي وقع فيها قادة ابار كليد شيبياردز، أكدت على  أن الأمور لم تصبح وردية بعد انتصار بينتونفيل في مقالة (لتوني كليف) التي حذر فيها من أن “عمال الميناء سيدفعون ثمنا باهظا” مقابل التسوية التي قام بها قادة الاتحاد العام لعمال النقل TGWU.

كانت هذا التركيبة، إلى جانب كل موهبة صحفية خاصة أو تقنية متألقة، سببل في ترقية البناء من مجموعة الأوراق القليلة المشوشة كانت عليها الجريدة في 1968، لتصبح جريدة مثيرة للاعجاب مكونة من 16 صفحة في 1974.

« السابق التالي »