بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الصحافة الثورية

« السابق التالي »

12. العامل الاشتراكي 1974- 1984

في 1974، بينما أسقط إضراب عمال المناجم حكومة حزب المحافظين، كانت أكبر أزمة اقتصادية منذ الثلاثينيات تضرب العالم. وكان أعضاء مجلس الوزراء يغمغمون فيما بينهم حول “نهاية الحضارة المتعارف عليها”. وكانت نضالية الطبقة العاملة في صعود، وبدت قادرة على اجتياز أي عقبات. وأصبح عدد العمال الجاهزين للاستماع للأفكار الثورية أكبر من أي وقت مضى خلال عدة عقود.

ولا عجب، عندما رأى بعضنا عدد النسخ المطبوعة من “العامل الاشتراكي” يتضاعف من 8 آلاف إلى 40 ألف خلال خمس سنوات، توقعوا تواصل الاتجاه الصاعد. وشعرنا حتى أن الوقت حان لنصل إلى عدد أكبر من جمهور العمال الذين أصبحوا راديكاليين بعد أحداث شتاء 1973-1974. وقال توني كليف في مقالة مهمة في مجلة الاشتراكية الدولية، أن والوقت حان لنطبق ما تعلمناه من البرافدا التي أصدرها لينين.

والآن، تتمثل إحدى المشاكل التي تواجه الاشتراكيين الدوليين في بريطانيا حاليا، في معرفة طريقة لبناء جسور بين منظمتنا الصغيرة (الآخذة في التنامي)، والعدد المتزايد من المناضلين والاشتراكيين داخل الطبقة العاملة… كيف يمكن لمنظمة ثورية من بضعة آلاف، الارتباط بعشرات الآلاف من العمال الذين يتحركون بشكل تلقائي تجاه سياستنا؟ يمكننا تعلم أشياء كثيرة من استخدام لينين للبرافدا باعتبارها أداة تنظيم في السنوات من 1912- 1914.

واستدعى هذا “جهودا متضافرة لتحويل مشتري “العامل الاشتراكي” إلى بائعين، ومن ثم خلق شبكة واسعة من بائعي وأنصار للجريدة. كما ذكر كليف في النشرة الداخلية للمنظمة، كان هذا يعني تغيير في الجريدة نفسها:

“نحن في حاجة… إلى قرار واضح بضرورة وجود مكان بالجريدة للمواد المكتوبة بيد العمال، او عن لسانهم… وبإثارة مسألة كتابة العمال للجريدة، إثير أيضا التساؤل حول تماهي العمال مع الجريدة. ويسود في الصحافة البرجوازية مفهوما هيراركيا يقضي بأن تكون هناك حفنة قليلة من الأشخاص تلبي من المركز الحاجات الاستهلاكية للملايين. أما بالنسبة للجريدة العمالية، تكون مساهمة “المستهلك” مسألة محورية. ويكون سد الفجوة السحيقة بين المُنْتِج والمستهلك أمرا محوريا. ومن ثم تكون هناك اهمية هائلة للتغطية الصحفية المكتوبة بيد عامل، حتى ولو لم يمثل سوى المصلحة المباشرة لبضعة عشرات من العمال المجاورين له في مكان عمله. وذلك لأن الجريدة تعمق بهذه الطريقة جذورها أكثر داخل الطبقة.”

وكانت هناك مقاومة للصيغة التي عبر عنها كليف (ومن أهم المعارضين جيم هيجينز، الذي كان سكرتيرا عاما في 1973-1973، وروجر بروتز محرر الجريدة حتى ربيع 1974). ولكن كانت وجهة نظر المعارضين البديلة أن توجه إحدى الجرائد إلى “المناضلين الذين لديهم خبرة سياسية” – وهو امر رفضه كل الأشخاص الذين ساهموا فعليا بصورة مباشرة في بناء الاشتراكيين الدوليين في 1973-1974، وذلك لعلمنا أن الجيل الجديد من المناضلين ليس لديهم غالبا أي “خبرة سياسية” بتاتا، رغم أنهم جميعا تواقون إلى استيعاب السياسة الثورية لمنظمتنا.

والأهم من ذلك، أن مؤيدي ذلك الوضع، أو بعضهم على الأقل، يتبنون وجهة نظر مختلفة حول سد الفجوة بين منظمتنا والطبقة بصورة سحرية- عن طريق صيغة رفع “مطالب انتقالية”. وهذا شيئا طالما قلنا أنه سيؤدي إلى الانتقال خطوة تجاه اليمين، ومجاملة البيروقراطية الإصلاحية. واثبتت الخبرة العملية عام 1974-1979، أننا كنا على حق بخصوص هذا الموضوع: فهؤلاء “المناضلون الذين لديهم خبرة سياسية” الذين اتبعوا مسار “مطالبة حكومة العمال” تمت بقرطتهم وانجروا ناحية اليمين.

ولهذا، قررت المنظمة على تصور للجريدة قبله أغلب فريق التحرير، وصاغ كليف خطوطه العامة.

ولم ترتفع مبيعات الجريدة ولا زادت عضوية منظمتنا بالقدر الذي أملنا فيه. ولأسباب تمت مناقشتها في أعمال آخرى (انظر Tony Cliff, The balance of class forces today, IS 2:6; Chris Harman, The crisis of the European revolutionary left, IS 2:4 and Alex Callinicos, The rank and file movement today, IS 2:17)  نجحت وزارة حزب العمال البريطاني في احتواء النضال بالمصانع في أول سنة لها، عن طريق سياسة تقديم تنازلات بالجملة، ثم تبع ذلك اتفاقا مع بيروقراطية النقابات العمالية على تدخل الشرطة بقوة عند حدوث مطالبة بشأن الأجور، بينما أضعف تزايد حالات الفصل من العمل نضالية العمال بصورة من الصور.  وفي سنتي 1975 و 1976، انخفض عدد الإضرابات بشدة، وأيضا عدد العمال المشاركين في كل اضراب على السواء، إلى مستويات أقل بكثير مما كان الوضع عليه في بداية السبعينينات. وفي ذلك الحين أصبح المناضلون الذين كسبهم العمل السياسي الثوري في فترة سابقة، معزولين داخل مواقع العمل، وتحت ضغط غير هين لتكييف أنفسهم مع بيروقراطية النقابات العمالية بتوجيه مواقفهم السياسية نحو اليمين.

وبالتأكيد لم يصبح بيع “العامل الاشتراكي” اسهل مما كان عليه. بل لو رصد تغييرا، لابد ان يكون زيادة الصعوبة قليلا. لم يزداد التوزيع، بل ضعف قليلا أيضا. وأصبح عدد النسخ المطبوعة عام 1975 حوالي 30 ألف نسخة، وبلغت المبالغ المجموعة في المركز من البيع 14910 (وربما يبخس هذا التقدير القيمة الحقيقية لمبيعات الجريدة؛ إذ كانت قلة الموارد التي تدار بها فروع المنظمة، تعني بشكل مؤكد وجود اتجاه لاستخدام بعض أموال مبيعات الجريدة في أغراض أخرى، مثل شراء سيارات تستخدم في تنظيم المظاهرات، وتنفيذ الاهداف المحددة من أجل تجنيد العضوية وما إلى ذلك).

وفي تلك الظروف، لم تنجح عمليا جهود تطوير الجريدة باتجاه توسيع ما يكتبه العمال فيها. وكان المناضلون في وضع دفاعي، ومالت مقالتهم دائما إلى مجرد اجترار ما قرأوه في الجريدة من أسبوع، بدلا من ملئها بالخبرات الحية للطبقة التي تكتشف قوتها الخاصة عبر النضال.  وفي الحقيقة، كانت هناك مناسبات وصل فيها الأمر حتى إلى كتابة مقالات في المكتب وإلحاق أسماء العمال عليها بعد ذلك!

واتفقنا بشأن الأوضاع العامة في 1975 و 1976 على أن الواقع المادي يدل على عدم وجود بديل أمامنا. ولكننا اعتقدنا أنه ظرف طارئ، وسوف يفضي قريبا إلى نهوض نضالي جديد ونعود إلى ارتفاع المبيعات.

ولم تزداد عضوية منظمتنا سنة 1976، أساسا بسبب رغبتنا في معارضة مد العنصرية المعادية للمهاجرين الذي استسلم له تماما حزب العمال وحكومته. وبحثنا عن طريقة ننعش بها أحوالنا، اعدنا تسمية منظمتنا حزب العمال الاشتراكيين، وتطلعنا إلى تحقيق أشياء عظيمة. وفي سنة 1977، بدا لنا أن نبوءاتنا تتحقق عندما انتعش النضال بالمصانع بدرجة طفيفة. وعن نفسي، كتبت وثيقة في بداية السنة، وجدت تعاطف قيادتنا وتأييدها بالإجماع، كان بداية نصها “انتهى الخمول. والآن بدأ المد النضالي الذي تنبئنا به منذ ثلاث سنوات”.

وشهدت تلك السنة صراعا مريرا بالمصانع- وخاصة الاعتصام الضخم في جرونويك بشمال لندن في الصيف، وإضراب رجال الإطفاء في الشتاء الذي يليه. كما شهدت أيضا تجنيد مزيدا من الأعداد الكبيرة لصالح حزبنا، وأكتسبنا شعبية على مستوى البلاد بعد قيادة مظاهرة ضخمة ناجحة ضد مسيرة لويشام النازية، جنوب شرق لندن.

وبناء على كل ذلك، توقعنا استئناف جريدتنا معدل نمو مبيعاتها الكبير في بدايات السبعينينات. ولكن على العكس، ظلت المعدلات راكدة، واستمرت أوامر الطباعة في دورانها حول نقطة 30 ألف. واستخلصنا من ذلك أن الجريدة فيها خطأ أساسي في.

ولم يكن هذا صحيحا. فواقعيا، كانت الصحوة النضالية بالمصانع سنة 1977، فجرا زائفا. فمعظم العمال كانوا لا يرون بديلا عن الخضوع لما تفعله الحكومة، وكانت القلة من المنضالين الصلبين، في موقع دفاعي للغاية. ولكننا واصلنا العمل وفقا لشكل الجريدة كما كانت في فترة المد من 1969 إلى 1973. وفي الحقيقة، عملنا في بعض الجوانب بافتراض ضرورة ان تصبح الجريدة أكثر “جماهيرية”  عما كانت عليه حينها. وأعيد تصميمها سنة 1976 بصورة عمدت إلى نشر مقالات أقصر بعدد كلمات أقل؛ ولم ندرك أننا بهذا زدنا صعوبة تضمين التحليلات الجادة، آراء حول المشاكل القائمة في الحركة.

واتذكر شكوى أحد أعضاء الحزب لي من أن الجريدة كانت أشبه “بأغذية الرضع سهلة الامتصاص” – إنها لا تتضمن نهائيا الأفكار التي تلزم الاشتراكين حتى يتملكوا قناعات خاصة بهم في مواجهة الاطروحات الأخرى. وأشار آخر إلى النقطة نفسها عندما قال إنها أشبه بالطعام الصيني- تظن عند تناوله إنك شبعت إلى حد الامتلاء، ولكنك تشعر بالجوع في غضون ساعة. ولكننا تجاهلنا تلك الشكاوى، وأيضا ردود فعل “غير الراضين عن ذلك” وبقيت الجريدة على حالها.

وفي النهاية برزت كل مشاكلنا على السطح؛ ولكن دون أن يعرف أيا منا ما هو العمل المطلوب منا. وانقسم فريق التحرير، فأصر نصفهم على التشبث بالصيغة القديمة المشابهة تماما في جوهرها للجريدة التي كانت تصدر من 1967 إلى 1976، بينما قال النصف الآخر أن مشكلة الجريدة هي أنها ليست “جماهيرية بدرجة كافية” – ويلزمها  مزيد من “صحافة التحقيقات المثيرة” ، ومزيد من الرسوم والصور، ومن الأشياء التي تهم العمال فعليا، مثل الرياضة وموسيقى البوب، مع تقليل المقالات الصعبة، وتقليل تغطية أخبار المصانع. وفاز بالتأكيد فريق المجددين، لأنهم قدموا بديلا عن شكل مثير للاستياء (ولو كان بديلا يمضي فى الاتجاه الخاطئ تماما)، بينما كان الباقون يعرضون مجرد المزيد مما هو قائم بالفعل. و “أعيد إصدار” الجريدة في ربيع 1978 في شكل جديد مصمما لجذب الاعداد الكبيرة من الشباب المشاركين في مهرجانات رابطة مناهضة النازي سنة 1987 (مما الصق بها اسم “جريدة الطلائع”) ومن نشطاء الحركات الأخرى مثل حركات النساء والمثليين جنسيا.

ولم ينجح الإصدار الجديد في الوصول إلى الهدف الذي وضعه لنفسه. فلن ينجذب الناس تلقائيا إلى الاشتراكيين الثوريين سنة  1978 لأنهم ضد النازي. وربما أفادت كمدخل لعملية التسييس، فكانت تقدم للناس ويعقب ذلك مناقشات سياسية. وكانت تلك النقاشات أصعب, إذ كانت الطبقة عموما أكثر سلبية عنها منذ عشر سنوات مضت مع بدايات المد الحقيقي في نضال الطبقة العاملة. وحتى أفضل جريدة في العالم، لم يكن متوقعا لها الوصول إلى عدد كبير من الجمهور، من بين 100 ألف شخص احتشدوا في كرنفالات رابطة مناهضة النازية.  وأدى عدم الاكتراث بالمناقشات السياسية المكثفة وتغطية النضالات الطبقية في العامل الاشتراكي، إلى عدم قدرتها حتى على الاحتفاظ باهتمام مشتريها من بين المنتمين إلى هذا الوسط. وبعد عام من “الإصدار الجديد” ، انخفض عدد النسخ المطبوعة، وحصيلة توزيع الجريدة على السواء إلى حوالي ألفين نسخة وفقا لأرقام سنة 1977.

ولم تستمر التجارب مع الجريدة وقتا طويلا. إذ رفضها أكثر أعضاء الحزب رفضا باتا في مؤتمر سنة 1978، وسرعان ما بدأ بذلت جهودا لإستعادة شكل “الجريدة العمالية”، وفقا لما افصحت عنه صراحةً وثيقة من فريق التحرير في أواخر 1979:

“في الاشهر المقبلة، ستتمثل أحدى مشاكل جريدة العامل الاشتراكي في اتصالها بعدد متزايد من العمال المنضالين… فيجب أن تصبح “جريدة عمالية”… ينبغي أن تفوح الجريدة بفودكا العمال. وبعبارة أخرى، لا تكون جريدة مكتوبة بأقلام كتاب متخصصين في شئون العمال، بل جريدة يكتبها العمال أنفسهم، جريدة تتناول الموضوعات التي تهم الأشخاص العاديين في الطبقة العاملة، إلى جانب النضالات العمالية… “

وفي سنة 1979، لم تتحقق هذه الصيغة إلى مدى أبعد مما أمكن تحقيقه سنة 1975. ومع بداية الركود في 1989، تواصلت حالة الجزر في النضال الطبقي واشتدت، وكادت مهمة إصدار الجريدة الشاقة أن تصبح مستحيلة. وبذل القائمون على ذلك قصارى جهدهم، مع تقديم تضحيات شخصية واضحة في أكثر الأحيان، ومع هذا لم يتمكنوا من إصدار الجريدة التي بإمكانها جذب عدد كبير من الجمهور والإبقاء عليه، بالقدر اللازم لرفع عائد توزيعها بحيث يكون دائما أعلى من حوالي 10 إلى 12 الف، والكمية المطبوعة منها بما يفوق حوالي 25 ألف (ومع حلول البطالة الهائلة انخفض  رقم المبيعات حتى عن السابق، إذ بيعت آلاف كثيرة من الجريدة للعاطلين بنصف الثمن). ومع ذلك، لم تعد الجريدة مرضية بالنسبة للمناضلين الذين يشترونها بأمل العثور على إجابات عن المشاكل التي تحاصرهم، كما كان الوضع سنة 1976.

« السابق التالي »